يشعر المتخرج في الجامعة، خصوصًا ذلك الذي مرّت عليه فترة في البحث عن عمل يؤمن له مستقبله، بفقدان الاتجاه والقلق المتزايد. ولهذا الشعور مبررات موضوعية، تكمن في أساليب التوظيف لدى الشركات التي أحيانًا تثير الريبة لدى طالب العمل.

في ما يختص بالاتجاه، إن كان قد خضع لدورات توجيهية، خلال دراسته الجامعية من المفترض أن يكون على الطريق السليم من ناحية التدريبات، التركيز على نقاط قوته وتحسين ضعفه، ومن الممكن أن يكون أيضًا حدد أي درب سيسلك في تخصصه بما يتناسب مع سوق العمل بالمطلق. إن كان قد عمل وفكر كثيرًا بما يطلبه سوق العمل، لن يشعر بمخاطر جمة، لكن الخطر يكون لدى بعض الشركات التي تستقبل هذه الطلبات لتحولها فيما بعد إلى قسم إدارة الموارد البشرية لتستقطب إما زبائن، وإما مناصرين في السياسة عبر باب التوظيف.

وهذه أحد فصول اليأس الذي ضرب مسيرتي المهنية بصفتي قد أرسلت سيرتي الذاتية إلى إحدى الشركات الكبرى في فرعها بلبنان، وهي شركة -وبعد التدقيق- لا تموّل الإعلام بالإعلانات، وأنا قدمت سيرتي الذاتية على وظيفة موقع مسؤول عن التواصل والإعلام الاجتماعي، فاعتقدت أن خطر الضغط علي من باب إعلانات الصحيفة أو التلفزيون أو عالم الإعلام الاجتماعي مقفل، إذ بعد تحريات مكثفة والاتصال بمدير الإعلام لديهم، تحاورت معه دون أن أقول له إنني أرسلت سيرتي الذاتية منذ سنة تقريبًا، بل للاستفهام حول مواربتهم على قطاع الإعلام بحكم أنني صحافية فأجابني: «نحن لا نمول دعائيًّا إعلاميًّا».

اعتقدت لوهلة أن حياتي المهنية كصحافية أنقذت. ولن يضغط علي من باب media industry والإعلانات، لأكتشف في وقت لاحق أن غياب موضوع، وأنا لسذاجتي اعتقدت أنه لا يمول من باب الاعلانات، أن هذا الموضوع يدور حول الإعلانات، لأكتشف في وقت لاحق أنه يدفع لوسائل الإعلام من باب الرشوة، على موضوع يكون من باب المواضيع الابتزازية أي في اللغة العامية «يكون لاقط عليه شيء».

هنا لصدمتي تنبأت، وبدأت في التدوير عما يكون باحثًا لدي: هل يبحث عن أدوات ضغط مستقبلًا كصحافية استقصائية «لما أكون لاقطة عليه شيء، يومًا ما؟» وكنت على حق، لأكتشف أنه اخترق كل ملفاتي، والوظائف التي قدمت وكنت بها، وحتى إنه قام «بجردة» على أصدقائي المهمين وغير المهمين فارزًا إياهم بمراتب الأهمية، مقسمًا إياهم على وظائف! هنا اتصلت بقسم التوظيفات في الشركة عينها لأسألها مباشرة عن لب الموضوع: سيدتي عندما تستقبلون طلبات التوظيف ماذا تفعلون بالطلب.

أجابت: نحدد إذا كان يتناسب معنا بوظيفة. ثم أعدت تكرار المحاولة فأجابني موظف آخر: سيدي هل تقومون بدراسة استقصائية عن طالب العمل لديكم لأعرف بوصفي صحافية قلت، أجابني بكل سذاجة «شو بك فايتة في بالعرض»، لاكتشف في وقت لاحق أن العرض هذا إنما يأت في سلسلة وسياق بعد مرحلة تعرضي «للجرد» وكأن ما أملك من موارد أصبح ملك هذه الشركة، التي لم تعذب نفسها في الاتصال بي. فأعدت الاتصال برئيس الشركة نفسه لأسأله عن شخص من محيط هذه الشركة، لأني وجدته بالجرم المشهود يحاول أن يبني لي ملفًا مدمرًا إعلاميًا. أجابني: «مش عم ناخد موظفين هالفترة؟!».

هكذا من باب الصدف اكتشفت كيف يُسيطر على عالم الإعلام، ماذا يعني «ما في موضوع، لندفع عليه»، وهي عبارة متخصصة للرشوة، وماذا يعني أن تكون تلميذًا مجتهدًا بنى نفسه بعرق جبينه، موجهًا نفسه إلى عالم الأعمال وهو يبني نفسه بنظافة، كيف يأتي رئيس شركة ما مع طموح سياسي قادر على تدمير كل هذا، بإيميل بسيط أنت ترسله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد