تغيرات جذرية تمامًا وتنقلات من البناء للهدم، فما إن كانت وسائل الإعلام التي تعد السلطة الرابعة من أهم العناصر في حياة أي مواطن أو شعب إلا وتحولت بشكلِ كبير. فأعتقد أن الغالبية العظمى من وسائل الإعلام اليوم ابتعدت عن الأهداف الحقيقية والرئيسة لها، والتي لو ذكرنا بعضها إيصال الرسالة، نقل الأحداث، تقديم المعلومات الحقيقية والموثوقة ونقل الحقائق وغيرها من الأهداف السامية لتتحول لوسائل تنقل الشائعات وتنقل من الحدث ما يناسبها وتغير المفردات والمصطلحات مع منفعتها وتمارس التضليل الإعلامي ولا تقدم أي محتوى مهم للمشاهد، وإنما أصبحت تقدم عملها لمصلحة لا أكثر ولا أقل.

فوسائل الإعلام اليوم تقوم بصناعة الرأي العام كما تريد وتتلاعب لتحقيق السيطرة التي تريدها وأصبحت مُسيسة بشكلِ كبير ورهينة للمصالح بكل أشكالها وأصبح لها قدرة هائلة على اللعب بعواطف المشاهدين وبالمعلومات التي تقدمها لهم.

ولقد صارتَ وسائل الإعلام اليوم بجميع أشكالها الحديثة والقديمة وفي ظل التطور التكنولوجي الذي يحصل متناولة بين يدينا أكثر من أي شيءٍ آخر ولا يمكننا أن ننكر ابدًا الدور الذي تلعبه وتقوم به وأصبحت تؤثر بنا بشكلِ كبير جدًا، وربما تلقائي نوعًا ما لدرجة أننا لا ندرك ماذا يحصل بحقيقة الأمر وخلفه وعواقبه وأسبابه الحقيقية، وليس الذي تبثه هي لنا.

لذلك أعتقد أننا اليوم ومستقبلًا نسلك طريق الحروب الإعلامية والتي تُعد أحد أخطر الحروب، ولكنها حربِ باردة جدًا لدرجة أننا أحيانًا لا نشعر بها ولا بآثارها إلا بعد أن يتحقق الأمر، ويعلن أحدهم بطريقة غير مباشرة فوزه بالحرب وخسارة الآخر، وإن جميع الدول العظمى في العالم تستخدم هذه النوع من الحروب لتحقيق مصالحها دون قطرة دمِ من جُندي لديها فالكلمات أقوى من السلاح أحيانًا، وكي لا نذهب بعيدًا إن الحرب الإعلامية التي حدثت بشأن قضية الصحافي جمال خاشقجي أحد أقرب الدلائل إلينا الآن وغيرها الكثير من المحاور.

وفي نقطة أخرى حاولت وسائل الإعلام استغلال ثورات الربيع العربي ولعبت دور كبير فيها تارةً دور في تأجيجها وتارة أخرى في إخمادها وتناسيها وذلك حسب المصلحة والأهمية والوضع من المنطقة.

لذلك لا داعي بعد اليوم لتوجيه المدافع ولا للإقلاع بالطائرات ولا لتدريب الجنود الباسلين فلقد تغيرت الأيام كثيرًا. فوجهوا الأقمار الصناعية والشاشات وانطقوا الكلمات ولدينا الآلاف من الإعلاميين الرائعين وأوصلوا رسالتكم فلا أعتقد أن هناك داعيًا بعد اليوم لأي حربٍ عسكرية تكلف المليارات من الدولارات فما نراه اليوم على الشاشات أقوى من أي حرب نعيشها على الأرض، وأعتقد أن العالم ككل يسير نحو شن حروب إعلامية فقط، وهكذا سينتصرون.

ولا تقتصر هذه الحرب على وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المطبوعة وحسب، بل أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا أساسيًا منها فلا أحد ينسى ليلة الانقلاب في تركيا والطريقة التي تواصل بها الرئيس مع شعبه بعد السيطرة على مقر التلفزيون الرئيس في البلاد فصار هناك حروب على «تويتر» وأخرى على «فيسبوك» وغيرها الكثير.

ولا أبالغ بالقول إن قلت عن حروب الإعلام أنها أصبحت تشغل اليوم حيزًا كبيرًا جدًا وصارت تلعب دورًا رئيسًا في جميع القضايا وأيضًا أصبحت أداة تٌقهر بها الشعوب بدرجة الحروب العسكرية ذاتها وبالمقابل لا ننكر بأن هناك وسائل مهنية لدرجة كبيرة وتقدم مواد قوية ومحتوى هام وتملك ذخر وقدرة وقدوة هائلة من الإعلاميين.

وربما يمكننا القول إن العالم يشهد معارك من نوع جديد ومن طراز قوي وأدوات أقوى ستُغني العالم كثيرًا عن غيرها من الحروب وهي الحروب الإعلامية وخصوصًا في ظل التغير الذي يحصل في موازين القوى في العالم فصار الجميع يريد إثبات نفسه على أنه لا ينخع ولا ينحاز أبدًا.

وإن كانت الحرب الإعلامية الآن تكملة ويد مساعدة للحروب العسكرية والاقتصادية والسياسية، فستصبح غدًا هي الحرب الأقوى التي ستغزو العالم وستصبح يدِ من حديد تضرب بكل قوتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أداة, رسالة
عرض التعليقات
تحميل المزيد