• المراسل: يا أحمد.. يا أحمد، جاءنا خبر عاجل، لا بد من نشره في عدد الغد.

  • أحمد: هاتِ يا سيدي ما لديك، إني جاهز.

  • المراسل: اكتب ورائي. (يمليه على مهل): سقطت الآلة البخارية التي تجر عربات السكة الحديدية في النيل، وذلك صباح…

  • أحمد مقاطعًا: حسبُك حسبُك. ما كل هذا؟ إن هذا اسم طويل للغاية: الآلة البخارية التي تجر عربات السكة الحديدية!

  • المراسل: يا سيد أحمد! ما شأننا بطول الخبر أو قصره، اكتب يا سيد أحمد اكتب.

  • أحمد مندهشًا: ماذا تعني يا رجل؟! بل إن الشأن شأننا، شأن الصحفي، أن يحافظ على اللغة العربية ويضيف إليها، ويرجع لفنونها، ليبدع فيما ينقله للقراء.

  • المراسل: يا سيد أحمد، صدقني، لا أحد يفكر مثلك، والقراء لن يهتموا بمثل مبادئك هذه، ثم ماذا تنوي أن تضيف؟ وكيف نغير اسم الآلة البخارية التي تجر عربات السكة الحديدية في النيل؟!

  • أحمد (يتناول كتابًا على مكتبه): دعنا نقرأ في المعجم، هذا لسان العرب ألفه ابن منظور في القرن السابع الهجري، وفيه أكثر من ثمانين ألف مادة، وسنجد فيه بإذن الله بُغيتنا.

  • المراسل: هاهاهاهاهاها، وهل كان في القرن السابع الهجري آلات بخارية؟ أم أن ابن منظور هذا مرفوع عنه الحجاب، مطلع على الغيب والمستقبل؟!

  • أحمد: لقد عرف ابن منظور الساخرين من أمثالك، لكن جزاه الله عنا خير جزاء، اسمع ماذا يقول في مقدمة معجمه لسان العرب:

“فإنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها، وذلك لِما رأيتُه قد غلب في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنًا مردودًا، وصار النطقُ بالعربية من المعايب معدودًا. وتنافس الناسُ في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهلُهُ بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوحٌ الفلكَ وقومُه منه يسخرون، وسميته [لسانَ العرب] وأرجو من كرم الله تعالى أن يرفع قدر هذا الكتاب وينفعَ بعلومه الزاخرة، ويصلَ النفع به بتناقل العلماء له في الدنيا، وبنطق أهل الجنة به في الآخرة؛ وأن يكون من الثلاث التي ينقطع عمل ابن آدم إذا مات إلا منها؛ وأن أنال به الدرجات بعد الوفاة بانتفاع كل من عمل بعلومه أو نقل عنها؛ وأن يجعل تأليفه خالصا لوجهه الجليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل”.

 

  • المراسل: آه.. قد أفحمني ابن منظور بعمق بصيرته، لكنه يا سيد أحمد لم يحل مشكلتنا بمقدمته هذه، فكيف نجد في كتابه القديم الذي مضت عليه القرون، اسمًا للآلة البخارية التي تجر عربات السكة الحديدية؟

 

  • أحمد: هذا هو السؤال الصحيح يا صديقي، في زمن العرب الأوائل كانت الجمال والنوق تسير في قوافل كأنها تجر بعضها بعضًا، تمامًا مثلما تجر الآلة البخارية عربات السكة الحديدية.

 

  • المراسل: عجيب حقًّا. وماذا كانت تسمى قافلة الجمال تلك؟

 

  • أحمد: كانت تسمى قطارًا، دعنا نقرأ ماذا ورد من المعاني في مادة “قَطَرَ”.

     

  • المراسل: اقرأ بالله عليك.

     

  • أحمد: القِطارُ أَن تَقْطُر الإِبل بعضها إِلى بعض على نَسَقٍ واحد. والجمع قُطُرٌ وقُطُراتٌ

  • المراسل: يا الله، ما أجمل لغتنا! إذن يمكننا أن نغير الخبر ليصبح…

  • أحمد (مكملًا جملة صديقه): سقطت.. القاطرة.. في النيل.

  • المراسل: أحسنت أيها الصحفي البارع، دامت الصحافة حِضنًا دافئًا وحصنًا حاميًا، ومسرحًا مبدعًا للغتنا العربية الجميلة.

 

ليس هذا المشهد ضربًا من الخيال، وإنما حقيقة جرت في القرن التاسع عشر الميلادي، واسمع إلى الشاعر فاروق شوشة أمين عام مجمع اللغة العربية يروي لنا الحكاية:

 


في القرن التاسع عشر لم يمتلك الصحفيون الحواسيب، ولا نسخ الكتب الإلكترونية، ولا شبكة الإنترنت الزاخرة بالكم الهائل من المعلومات، تفصله عن المبحر عبر الإنترنت نقرة، لكنهم كانوا على وعي بدور الصحفي اللغوي، هو ليس عالم لغة، لكنه يستطيع بثقافته العربية الأصيلة، وتعليمه الأزهري – آنذاك – المتمسك بالهُوية، أن يبتكر لفظًا جديدًا أو يستعير لفظًا قديمًا لمخترَع أو مكتشَف جديد، فنسمع لفظ القطار في الشعر الجاهلي ويُطلق اليوم على تلك المركبة السريعة التي تقطر وراءها عربات أخرى على السكة الحديدية، ونسمع كثيرًا اليوم لفظ “سيّارة”، وهو لفظ ورد في القرآن الكريم في سورة يوسف في قوله تعالى: “وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ” (19)

 

وردت “سيارة” بمعنى القافلة، ويستخدم أهل القرن الحادي والعشرين لفظة “سيّارة” للتعبير عن عرباتهم التي تسير بالاحتراق الداخلي أو الكهرباء، إن اللغة التي يحوي معجمها عددًا أكبر من الكلمات، وميزات الاشتقاق والنحت، لهي اللغة الأكثر قدرة على تسمية الأشياء، وعليه فإن تسمية الأشياء بالعربية أكثر دقّة وصدقًا.

 

إن رجل الإعلام على العموم، مرئيٍّ ومسموعٍ ومقروءٍ وإلكترونيٍّ، ليحمل على عاتقه مسؤولية هائلة، تفرضها عليه قوى خارقة حازها بناءً على مهنته العظيمة، فهو ضيف الجمهور في منازلهم ومقاهيهم وسياراتهم، يزور الملايين في لحظة واحدة، وهو يختار الموضوع الذي يحدثهم عنه أو يناقشهم فيه، بل ويصطحب معه ضيوفًا هو الذي يختارهم، ولا يملك الجمهور القرار المباشر في ذلك، هذه المسؤولية تفرض عليه أن يغرس في عقله وفؤاده ثقافة واسعة، وإتقانًا لتلك اللغة التي يكتب ويتحدّث بها.

 

وأقول – للأسف – أننا إذا طلبنا من مذيعي مصر وصحفييها التحدث بالعربية الفصيحة البسيطة الواضحة والكتابة بها، فإننا سنسمع أعاجيب الزمن، وسنملأ كتُبًا بأخطائهم الإملائية التي لا يقع فيها أطفالٌ صغار، أقول هذا والقلب ينزف حسرةً، فليسوا فحسب يهملون لغتهم الأم العظيمة على الشاشات والأوراق، ولكنهم أيضًا يهينونها ويهربون منها هربًا كأنها كومة من قمامة ذات رائحة تزكم الأنوف، ولست أذكر ذلك ضربًا من تكهّن ولا توقع، بل عن مشاهدة وتجربة شخصية، فقد حاولت قناةONTV أن تذيع نشراتها الإخبارية بالعامية المصرية القاهرية، وكانت تجربة كريهة، هم عادوا عنها في النهاية، وأما تجربتي الشخصية فكانت في إحدى إذاعات الإنترنت التي رأست إدارة برامجها، حيث توالت عليّ الانتقادات والاتهامات إذ اتخذت قرارًا بنطق الجيم “شديدة مجهورة” كما نقرؤها في القرآن، قيل لي يومها أني لا أملك تغيير سياسات الإذاعة، وأن تلك الجيم العربية المفجّرة ثقيلة على الآذان وستفقدُنا مستمعينا، بل والأسوأ أن المعترضين استشاروا مذيعة بالإذاعة البريطانية BBC Arabic فوافقتهم على ما يرون، وهي التي يستحيل أن تنطق الجيم العامية القاهرية عبر أثير الإذاعة الأجنبية التي تعمل هي بها، وتعالوا نقرأ ماذا كتبت BBC Arabic عن اللغة العربية وسياستها التحريرية:

 

“اللغة العربية لغة شاملة جامعة يفهمها العربي في أي مكان. ولهذا نحن نستخدم اللغة العربية الفصحى ولا نلجأ إلى استخدام اللهجة العامية أبدا. بالتأكيد هناك بعض الكلمات تظهر هنا وهناك عند الضيوف عندما نسألهم ويجيبون في بعض الأحيان باللهجة العامية، هذا ليس من شأننا، لكن الصحفي العامل في بي بي سي يكتب ويذيع ويقرأ بالفصحى وهي اللغة المفهومة عند العرب جميعا”.

 

(التحرير بعربية صحيحة على موقع BBC)

 


إن ما أسمعه عبر أثير إذاعات الموجة FM مرْغمًا في المواصلات العامة يؤكد لي أن إعلامنا لم يعد اسمًا على مسمّى، فصار فحسب وسيلة تضييع وقت لا إعلامًا بمعرفة، تسليةً تافهةً تقتل خلايا العقول بدلًا من أن تبنيها، كلامٌ ذو هُوية ممسوخة لا شرقية ولا غربية، حافلًا بكثير من الكذب والنفاق، وما ذلك إلا لأن هذا الإعلام – وأولى به أن يُدعى التجهيل – قائم على أساسين رئيسين، المال والتجارة غايةً لا وسيلة، والسلطة والاستبداد، وما انسحبت الأخلاق من شيء إلّا فقد قيمته، وما نزعنا الهُوية عن شيء إلا ذلّ وانهزم، يقول أمير الشعراء شوقي:

 

وَما السِلاحُ لِقَومٍ كُلُّ عُدَّتِهِم *** حَتّى يكونوا مِنَ الأَخلاقِ في أُهُبِ

لَو كانَ في النابِ دونَ الخُلقِ مَنبَهَةٌ *** تَساوَتِ الأُسدُ وَالذُؤبانُ في الرُتَبِ

ويقول أيضًا:

وَإِذا الأَخلاقُ كانَت سُلَّما *** نالَتِ النَجمَ يَدُ المُلتَمِسِ

 

ويصدع بقاعدته الخالدة فيقول:

وَإِنَّما الأُمَمُ الأَخلاقُ ما بَقِيَت *** فَإِن تَوَلَّت مَضَوا في إِثرِها قُدُما

 

ويضع الصدق على رأس الأخلاق فيقول:

والصدق أرفع ما اهتز الرجال له *** وخير ما عوّد ابنًا في الحياة أبُ

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

ويقول شاعر النيل حافظ إبراهيم:

فَيا ضَيعَةَ الأَقلامِ إِن لَم نَقُم بِها *** دِعامَةَ رُكنِ المَشرِقِ المُتَزَعزِعِ

أَتَمشي بِهِ شُمَّ الأُنوفِ عُداتُهُ *** وَرَبُّ الحِمى يَمشي بِأَنفٍ مُجَدَّعِ

عَزيزٌ عَلَيهِ يا بَني الشَرقِ أَن تُرى *** كَواكِبُهُ في أُفقِهِ غَيرَ طُلَّعِ

وَأَعلامُهُ مِن فَوقِهِ غَيرَ خُفَّقٍ *** وَأَقلامُهُ مِن تَحتِها غَيرَ شُرَّعِ

وَكَيفَ يُوَقّى الشَرَّ أَو يَبلُغُ المُنى *** عَلى ما نَرى مِن شَملِهِ المُتَصَدِّعِ

فَإِن كُنتَ قَوّالاً كَريماً مَقالُهُ *** فَقُل في سَبيلِ النيلِ وَالشَرقِ أَو دَعِ

 

هذه قصيدة ألقاها شاعرنا مبايعًا شوقي أميرًا للشعر العربي، وتبقى دعوة شاعر النيل خالدة، أن نقول القول الكريم في سبيل النيل والشرق، ونسعى لنشر الحق والخير والعدل والجمال، وغرس الهُوية في هذ العصر الذي تُطمس فيه يومًا بعد يوم، فهل تسمعون النداء يا معشر أهل الإعلام خاصة ويا قومنا عامة؟!

 

إذا سرت اليوم في شوارع مصر تتطلع إلى لوحات المحال التجارية والإعلانات التي تغمر الطرقات، فما تدري من تستهدف تلك اللافتات؟ أبسط قواعد التسويق أن تدرك من هم جمهورك وزبائنك حتى تستطيع مخاطبتهم بلغتهم، هذا محل يبيع الأثاث في حي المهندسين، اختار له مالكوه اسمًا قرآنيًّا جميلًا “ذواتا أفنان”، لكنهم ارتكبوا جريمة لغوية بشعة إذ كتبوا على لافتتهم الوحيدة “Zwata Afnan”، وكان المؤلم أكثر من ذلك أن علّق أحدهم قائلًا: “ما هذه الجريمة؟

المفروض أن يكتبوا Thawata”، ولا نملك إلا أن نقول حسبنا الله ونعم الوكيل، في كل من خان مسؤوليته، حتى نصل إلى هذا الشكل المزور والمشوه لثقافتنا، إن الدول التي تعتز بلغاتها تعاقب بالغرامة أصحاب اللافتات التي تحوي أخطاءً لغوية، وتلزمهم بتصحيح أخطائهم، ولكن للأسف تزخر شوارعنا وصحفنا بالجرائم اللغويّة.

أما ثقافتنا فهذا أمر يطول الحديث فيه، وأترك لشيخ العربية محمود محمد شاكر الكلمة الأخيرة في هذا المقال، ليوضح لنا ماهية الثقافة وفرقها عن الثقافة المزيّفة عبر كتابه “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا”:

 

 

الثقافة في أصلها الواضح بعيد الغور، معارفٌ كثيرةٌ لا تُحصى، متنوعة أبلغ التنوع لا يُكاد يُحاط بها، مطلوبة في كل مجتمع إنساني للإيمان بها أولًا عن طريق العقل والقلب، ثم للعمل بها حتى تذوب في بُنيان الإنسان وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحسُّ به، ثم للانتماء إليها بعقله وقلبه وخياله انتماءً يحفظه ويحفظها من التفكك والانهيار، وتحوطه ويحوطها حتى لا يُفضي إلى مفاوز الضياع والهلاك، وبين تمام الإدراك الواضح لأسرار “الثقافة” وقصور هذا الإدراك، منازل تلتبس فيها الأمور وتختلط، ومنازل تضل فيها العقول والأوهام حتى ترتكس في حمأة الحيرة، بقدر بُعْدها عن لباب هذه “الثقافة” وحقائقها العميقة البعيدة المتشعبة، وكن أبدًا على حذر، فإنه ممكن كل الإمكان أن يدبَّ إليك منه دبيبًا خفيًّا، مكرُ الماكر وعبثُ العابث واحتيال المحتال، ومن طريق الأهواء، وهي التي تسري في خفاء وتدبّ، إلّا أنّها تدبُّ ولا تأتيك إلّا متبرّجةً في تمام زينتها من “اللغة” و”الثقافة”، متردِّيةً برداء براءة القصد وخلوص النيّة، متحليَّةً بجواهر الدقة والاستيعاب والتمحيص والمهارة والحذق، حتى يُتاح لصاحبها أن يقتنص غفلتك، ويتلعّب بك عندئذٍ بك وبعقلك ما شاء له التعلُّب.

 

ورأس كل “ثقافة” هو “الدين” بمعناه العام، والذي هو فطرة الإنسان، أي دين كان أو ما كان في معنى الدين، وبقدر شمول هذا “الدين” لجميع ما يكبح جموح النفس الإنسانية ويحجزها عن أن تزيغ عن الفطرة السوية العادلة، وبقدر تغلغله إلى أغوار النفس تغلغلًا يجعل صاحبها قادرًا على ضبط الأهواء الجائرة، ومريدًا لهذا الضبط.

 

فهذا “الأصل الأخلاقي” هو العامل الحاسم الذي يُمكِّن لثقافة الأمّة بمعناها الشامل، أن تبقى متماسكة مترابطة تزداد على الأيّام تماسكًا وترابطًا، بقدر ما يكون في هذا ” الأصل الأخلاقي” من الوضوح والشمول والتغلغل والسيطرة على نفوس أهلها جميعًا، وكل اختلال يعْرضُ فيُضعِف سيطرة هذا “الأصل الأخلاقي” أو يؤدي إلى غموضه أو غيابه وتناسيه أو قلّة الاحتفال به، فهو إيذان بتفكك الثقافة وانهيار الحضارة إيذانًا صارخًا لا مَعْدى عنه، مهما بلغت هذه الثقافة وهذه الحضارة في ظاهر الأمر أو في العيان مبلغًا سامقًا من الغلبة والانتشار، ومهما كان لها من اللألاء والتبرّج والزّينة ما يفتن العقول ويسبي القلوب”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد