ما رأيك إن جعلت كل ما تقع عليه عينك أو تلتقطه أذنك يوصل لك الفكرة نفسها، جميع قنوات التلفزيون والراديو تخبرك ذات الأشياء، تنزل غشاوة على عينيك فتُعمى عن مساوئ كل ما حولك وتسلط الضوء فقط على ما يريده سيدها؟ ما رأيك إن ظللت يوميًّا أمجد في هذا وأذم ذاك؟ ألن تجد نفسك تلقائيًّا تردد ما أقول ذلك طبعًا إن لم تبحث؟ حسنًا، ولكن ما رأيك أيضًا إن لم أوفر لك الوقت لتبحث ودفعتك في دوامة الحياة ولقمة العيش؟ ألن تعتمد عليّ مصدرًا لكل معلوماتك؟ فبالطبع حرمتك من الوقت ومن أي فكر آخر غير فكري، فليس لديك ما تتكئ عليه سوى أقوالي، مرحبًا بك إذًا في الإعلام.

للأسف هذا هو الواقع إن أردت أن تُخضع شعبًا بأكمله تحت رايتك، لا يخالفون لك أمرًا، ويطيعونك دومًا، يمجدونك في ظلمك، ويهللون لزلاتك، هذا هو الأسلوب في حال أردت أن تظل دائمًا في نظر الناس البطل الحامي الذي تسقط الأمم وتجف البحار بدونه، باختصار شديد أن تجعل الناس يعتقدون بأنه إما أنت، وإما الفوضى.

الواقع أيضًا أنك لا تستطيع فعل ذلك بالسلاح، فقط الإعلام يستطيع فعل ذلك، تستطيع تطويعه كيفما تشاء ليصدر للناس ما تريده أنت، حتى وإن كان ما تريده أنت عكس الواقع تمامًا، لا يهم فهم دائمًا وأبدًا جنودك الوفية، إلا من رحم ربي. ويحضرني هنا مشهد تصدر جميع القنوات المصرية في الأيام الأولى من ثورة يناير (كانون الثاني)، فحين كان ميدان التحرير مكتظًا بالجماهير وأثناء حدوث عمليات الكر والفر وتهديدات باقتحامه كانت كاميرات التلفزيون المصري تعرض مشهدًا هادئًا لكوبري قصر النيل، يتخلل المشهد نخلتان من ورائهما النيل في هدوء ساحر يعم الأجواء، وكأن ما كان ينقص سوى «اتنين حبيبة» حتى يكتمل ذلك المشهد الرومانسي.

وإحقاقًا للحق، وحتى لا ننسب إلى إعلامنا العربي السبق في «البروباجندا الإعلامية»، فإن أول من انتبه إلى قوة الإعلام في السيطرة على العقول كان جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازية الذي نُسبت إليه الكثير من المقولات أشهرها: «أعطني إعلامًا كاذبًا أعطيك شعبًا بلا وعي»، ولكن أكثر المقولات المؤكدة هي: «كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي»، فليس أكثر من ذلك دليل على أن الوعي والسؤال ما هما إلا مضادان لعملية غسيل الأدمغة التي يلجأ إليها كل ظالم أراد أن يكون بطلًا، وخلفه جيش من الإعلاميين الذين لم يروا ضررًا في الكذب؛ بل أكثر من ذلك لم يروا ضررًا في تشويه كل من خالف وحاول إيصال الحقيقة. بدأها جوزيف جوبلز، ثم سرنا نحن على دربه، فلا حاجة لأذكر نفسي وإياكم بالإعلام العربي النزيه، أو كما يطلق عليه إعلام النكسة الذي كان يتفاخر بجيوشنا العربية قائلًا بأننا على أعتاب تل أبيب حين كان الإسرائيليون يتقدمون في سيناء، ويعربدون في فلسطين والجولان.

والحقيقة أننا العرب إعلامنا –إلا من رحم ربي- لم يدخر كذبة إلا وقالها، حتى وإن كان قد قال عكسها من قبل «يا عم هو حد واخد باله»، فتجدهم يمجدون هذا ثم بعد فترة ينهالون عليه بأبشع الاتهامات، والمضحك في الموضوع أنه حين تأتي التعليمات تجدهم ينهالون جميعًا على ذات الشخص في الوقت نفسه في مسلسل فاشل، يثبتون فيه أنهم قد تلقوا التعليمات، وينفذونها؛ فتجد جميع القنوات والنشرات الإخبارية والبرامج الحوارية تهاجم ذات الشخص بذات التهم في ذات الوقت؛ مما يدفعنا للسؤال: هل فريق الإعداد واحد لكل القنوات التلفزيونية أم إنه…؟

في النهاية هذا ليس تعميمًا، ولكن لا يمكننا دفن رؤوسنا في الرمل كالنعام، فالغالبية العظمى هكذا متبعون نظام «عاش الملك مات الملك»، يتركون ضمائرهم على أبواب الاستوديو، ثم يجلسون على كراسيهم وتبدأ مرحلة رمي السهام الكاذبة في وجه المشاهدين، ثم يعيدون الكلام وكأننا في «كُتاب» يرددونه حتى تحفظه وتوقنه وتؤمن به، ولا يضر مهاجمة حقيقية بسيطة لأحد الشخصيات المعروفة متفق عليها مسبقًا بالطبع حتى يضفوا لمسة واقعية على محتواهم المسموم، والحقيقة أننا لا نستطيع أن نقول إنهم يدسون السم في العسل؛ لأنه بالأساس لا يوجد عسل، فقط يوجد تضليل، أو بالأحرى «تطبيل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!