لقد أسس الرئيس جمال عبد الناصر ما يمكن أن نطلق عليه “إعلام دولة”، بعد أن شيد مبنى ماسبيرو عام 1960، وأطلق الإذاعات الموجهة لتكون صوتًا لمصر تعرف العالم بسياساتها، ثم ما لبث أن تغير الوضع، فأصيبت المؤسسات الإعلامية بالترهل تارة، وخُنِقت مهنيًا بإحكام القبضة على خطابها الإعلامي تارة أخرى؛ فخطيئة “عبد الناصر” أنه أمم الصحف الكبرى التي كانت تعمل في إطار “وطني ـ حر”، فانتقال ملكيتها للدولة حولها من “إعلام وطن” إلى “إعلام نظام” يخدم أشخاصه ورموزه وأفكارهم.

لقد توحد الإعلام مع النظام  لحد التلاحم، لدرجة أنه بعد اندلاع ثورة 25 يناير، انهارت السياسات التحريرية لكل المنابر الإعلامية (الرسمية والخاصة)، وسقطت مع سقوط مبارك ونظام حكمه.

لم يتعود الإعلام أن يكون سيد نفسه، ولا يمتلك المهنية التي تمكنه من أن يكون له شخصيته وأفكاره التي يعبر عنها، لقد دُربت المؤسسات الإعلامية طيلة عقود على أن تكون “مجرد مكوّن” يسبح في فلك نظام، لا تشذ ولا تخرج عنه، ولما سقط هذا النظام كانت “الميديا” تشفّ سياساتها وتوجهاتها وخطابها الإعلامي من تحركات مؤسسات الدولة التي كانت تحكم البلد في هذه الفترة، وتحديدًا المؤسسة العسكرية.

تلك هي المنصة التي سننطلق منها للحديث عن إعلام الدولة والرئيس.

 

رحلة عبر مانشيتات إعلام الدولة تحت سياسة  ” عاش الملك .. مات الملك

تغيرت عناوين الصحف القومية على مدى الـ 18 يومًا لثورة 25 يناير.

 

جريدة الأهرام :

  • بدأت اليوم الأول للثورة بعنوان “وقفات احتجاجية وكردونات أمنية بوسط القاهرة والمحافظات وإصابات بين المواطنين وقوات الشرطة” .
  • أما في يوم 26 يناير فنجد المانشيت “تظاهرات حاشدة بالقاهرة والمحافظات واستشهاد مجند أمن وشابين بالسويس” .
  • وفي 27 يناير “وفاة‏ 4‏ وإصابة ‏118‏ مواطنًا و‏162‏ شرطيًّا والقبض على ‏100 ‏بالقاهرة والمحافظات”.
  • وقبل جمعة الغضب كان مانشيت الأهرام صباح 28 يناير “مبارك يتابع ويطمئن على المواطنين بالسويس. مصرع شخص وإصابة ‏86‏ وإحراق وحدة مطافئ”.
  • وبعد جمعة الغضب لم تتحدث الأهرام عن أنه غضب شعبي، لكنها قالت في يوم 29 يناير “مظاهرات حاشدة في القاهرة والمحافظات”.
  • وفي 3 فبراير تناست ميدان التحرير تمامًا ليكون المانشيت “الملايين يؤيدون مبارك في مسيرات بالمحافظات”، و”الآلاف يحتشدون بميدان مصطفى محمود”، وفي 6 فبراير تؤكد الأهرام على لسان رئيس الوزراء أحمد شفيق أن‏ “الوضع في مصر مطمئن للغاية”‏.
  • وفي يومي 9 و10 فبراير قبل تنحي مبارك بيومين بدأت الأهرام تعود مرة أخرى إلى المتظاهرين بمانشيتات “المتظاهرون يحاصرون مجلسي الشعب والشورى ومجلس الوزراء ووزارة الصحة”.
  • وبعد تنحي مبارك تحولت الأهرام إلى مساندة للمتظاهرين، ففي يوم 11 فبراير نشرت “الرئيس مبارك يتنحى عن السلطة”، وفي يوم 12 فبراير “المصريون يحتفلون بسقـوط النظام”.

 

جريدة الأخبار

  • في يوم 25 يناير 2011 كانت عناوينها “دعاة التحريض فشلوا في تحقيق أهدافهم والأمن تعامل بضبط النفس”، و”صفوت الشريف لـ “الأخبار”: الفرق كبير بين حرية التعبير والفوضى”.
  • أما 26 يناير في انحياز واضح قالت “الداخلية: سمحنا بتنظيم الوقفات الاحتجاجية والتزمنا بتأمينها رغم تحريض كفاية و6 إبريل”، وفي 27 يناير جاء العنوان “الحياة عادت لطبيعتها في وسط القاهرة.. ومظاهرات في السويس والإسماعيلية”.
  • وبعد خطاب مبارك قالت الأخبار في يوم 2 فبراير “مظاهرات تأييد الاستقرار تشهدها القاهرة والمحافظات”.
  • وفي 3 فبراير نشرت “عودة الروح إلى أقسام الشرطة”.
  • أما 4 فبراير فنشرت الأخبار “ليلة الدم والنار في ميدان التحرير.. وأصابع المؤامرة”، وفي 5 فبراير تساءلت الجريدة: “من هم المتظاهرون في ميدان التحرير؟ وما هي أهدافهم؟”
  • وفي يوم 9 فبراير نشرت الأخبار “عدوى المظاهرات تنتقل من ميدان التحرير إلى المحافظات والبرلمان تحت الحصار”.
  • وتحولت الأخبار بعد ذلك في عناوينها لتأييد للثورة، حيث ذكرت في عدد 11 فبراير أنه “بالإجماع.. مجلس نقابة الصحفيين يؤيد ثورة 25 يناير الشعبية”، وفي 12 فبراير كتبت “الحزب الوطني.. ينهار!”، وعنوان آخر “تحقق الحلم.. ونجحت ثورة الشباب”.

 

جريدة الجمهورية

  • يوم 25 يناير 2011 عنوان “فى حوار شامل لمجلة الشرطة.. مبارك: أنحاز للفقراء ولن أسمح بأعباء إضافية على المواطنين”.
  • أما يوم 26 يناير “المتظاهرون عطلوا المرور وأثاروا الشغب فى ميدان التحرير” .
  • وفي يوم جمعة الغضب 28 يناير قالت الجمهورية على لسان “صفوت الشريف: قيادات مصر لا تهرب.. وستظل واقفة بشموخ لخدمة الوطن”.
  • وبعد موقعة الجمل في 3 فبراير، نشرت الجمهورية عنوانين: الأول “مصر أقوى من الفتنة”، والثاني “الشعب للرئيس: نحن معك.. مبارك ينقذ مصر من الفوضى والخراب”.
  • وفي يوم 7 فبراير كان مانشيت الجمهورية “عهد جديد اتفاق نائب الرئيس.. والشباب والمعارضة والإخوان على وثيقة الوفاق الوطني”.
  • وقبل التنحي في يوم 10 فبراير اعترفت الجريدة بأن “المظاهرات تتخطى المليون”.
  • وفي يوم 12 فبراير بعد تنحي مبارك قالت الجمهورية: “سطعت شمس الحرية وأصحاب الملايين يتساقطون”.

 

إذن ماذا يريد إعلام الرئيس ؟

ترسيخ فكرة أن “الرئيس هو الوطن” عن طريق  استخدام عدد من الزملاء الصحفيين والمذيعين الذين تم ترقيتهم، تحت مسمى “شباب الإعلاميين” ليتولوا نشر هذه الفكرة، بعدما وجدت الدولة أن إعلاميين ما قبل ثورة يناير قد انكشفوا فى الشارع، ويستوجب خلق جيل جديد من “إعلاميي الرئيس” الذين يروجون لأنفسهم على أنهم “إعلام الدولة”.

القاعدة الثانية : إن ” إعلام الدولة ”  إعلام شعب لا صوت له ، لا يعبر عن الشعب بقدر ما يرمي لكبحهم وتقييدهم .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإعلام, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد