تشهد السّاحة الإعلامية للثورة السورية حربًا ضروسًا، استُلّتِ الأقلامُ فيها من أغمادها، وسال فيها حبر كثير، وكان ميدانها وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ رئيس، إلا أن المتحاربين فيها والخائضين -غالبًا- فقدوا بوصلتهم، فوجّهوا أقلامهم إلى أبناء ثورتهم من الإعلاميين والسّياسيين وقادة الفصائل الثورية المسلّحة وعناصرها، وكثير من الهيئات الإغاثية والمنظمات الخيرية. حتى صار المحتوى الذي صاغوه في حساباتهم مركّزًا بشكل رئيس على أخطاء الفئات المذكورة وكأن الثورة قامت عليهم وليس على النظام القمعيّ الجاثم على صدور السوريين لخمسين سنة خلت.

وهذه ظاهرة يرى بعض الباحثين في الشأن الإعلامي أنها ناتجة عن نقصٍ حادٍ في الكوادر الإعلامية على امتداد المناطق المحررة. فمعظم النّشطاء إنّما دخلوا المهنة عن رغبة لديهم، بدافع توثيق الانتهاكات التي ارتكبها -ولا يزال- النظام بحق شعبه، في كافة المدن والبلدات التي ثارت عليه في مارس (آذار ) 2011، دون دراستها أكاديميًا أو تطبيقها عمليًا في مؤسسات إعلامية يُشهد لها بالمهنية (إذ لا وجود لمثل هذه المؤسسات ضمن مؤسسات الدولة قبل الثورة).

ومن أمثلة ما سبق، إطلاق (وسم) على موقع التّواصل الاجتماعي (تويتر) بعد تهجير أهل الغوطة إلى إدلب، ركّز المغردون تغريداتهم تحته على اتهام أهل الغوطة بالتطبيع مع النظام وبيع أرضهم له على الرغم من أن الغوطة هي المنطقة السورية التي دام حصارها أكثر من غيرها وبقيت راسخةً رسوخ أشجارها، فهل جهل المغردون ضمن هذا الوسم ذلك أم تجاهلوه؟ وإن كنت أرجّح أن معظم من أشاع ذلك أو روّج له لا تساوي شدة المعارك والحصار الذي شهدته الغوطة لسنوات إلا خبرًا (دسمًا) يعود عليه بوابل من الإعجابات والمشاركات.

فيما انتشرت في المدة ذاتها مئات التغريدات والأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي، تؤكد -بزعم كاتبيها- بأن الفصائل العاملة هناك نسّقت سلفًا مع النظام لتسليمه المنطقة، وقبضت ثمنه بحيث يتخلى القادة قريبًا عن عناصرهم ليهربوا خارج المنطقة تاركين عناصرهم في المواجهة.

ومع التراجع الميداني على السّاحة السوريّة، وتعثّر الانتصارات، وجمود المعارك وتصدّع الجبهات، تبرز هواية هذه النماذج من المدوّنين والمغرّدين في التخوين، وإلقاء التهم يمنة ويسرة دون دليل أو إثبات أو برهان، وبحكم الحالة النفسية والمعنوية المتراجعة لدى غالبية سكان المحرر عمومًا وأهل الغوطة خصوصًا في مثل تلك الظروف، فقد كانوا مؤهّلين نفسيًا لتصديق كثير من الروايات والتهم التي كان من الصعب عليهم تصديقها قبل تلك الآونة.

ولا أكون مبالغًا إن قلت إن مثل هذا الطرح الإعلامي لقضية الغوطة وحصارها ساعد النظام في حملته لإضعاف همم من في الغوطة من المقاتلين والمدنيين على حد سواء، فدبّ اليأس في نفوسهم، وفقدوا الرغبة في الاستمرار والصمود. وحتى لو لم يصدّق الأهالي هذه التهم، فلا شكّ أنها أقامت حاجزًا بين الأهالي والهيئات الثورية، وكثير من مؤسسات المجتمع المدني كالمجالس المحلية وغيرها. ويا لفرحة النظام حينئذٍ.

نعم؛ إن الثورة خرجت مطالبة بحرية المجتمع السّوري بكافة أشكالها ومنها حرية الرأي والتعبير، وعمل الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية بعيدًا عن أعين الرّقباء من أجهزة الأمن والمخابرات، وأنا بهذا الكلام لا أدعو للسكوت أو غض الطرف عن إساءات من أساء في الثورة أو إنكار الأخطاء المرتكبة كائنًا من كان مرتكبها، وإلّا فأين حرية الصحافة التي نريد؟، وأين تطبيقها عمليًا باعتبارها سلطةٍ رابعة في المجتمع كما عرفناها في مناهج المعاهد والجامعات؟

إن الطرح الإعلامي الثوري إن استمر على هذا النحو فإنه يؤثّر سلبًا على المجتمع، وبصورٍ مختلفة ربما أبرزها إلصاق صبغةٍ سوداوية على الثورة والعاملين لها، ونزع التفاؤل المتبقي -على قلته- من نفوس الكثيرين من جمهور ومتابعي هذه الحسابات.

إننا بحاجة -بوصفنا إعلاميين وصحفيين- إلى إعادة النظر في خطابنا الإعلامي وصياغته بصورةٍ تبقي روح الثورة في نفوس الشّعب، دون إهمال التعرض للأخطاء والتجاوزات وقضايا الفساد من بعض العاملين في الثورة بصورة نقدٍ بناء على ألا يكون هذا هو الغالب على طرحنا الإعلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد