كعادتي في يوم الأجازة، صحوت متأخرًا من النوم، كان أول ما فعلته أني قمت بإشعال جهاز التلفاز، انفتحت شاشته فوجدت صورة وزير الأوقاف يتكلم بانفعال وصوته قد تهدج، أنصت جيدًا للحوار، فوجدته يتحدث عن سماحة الإسلام ووسطيته ومبادئه السمحة الراقية التي تدعو لاحترام الآخر.

لا مشكلة في ذلك، ولا جديد تحت الشمس.

كلام مكرر ومُعاد أصبحنا نسمعه آناء الليل وأطراف النهار.

هرعت إلى (الريموت كنترول) بسرعة وقمت بتغيير القناة، ذلك أني بالتأكيد لن أقضي يوم إجازتي بطوله متابعًا للسيد الدكتور الشيخ وزير الأوقاف.

ولكن يا للعجب، فقد وجدت شيخ الأزهر يتحدث عن نفس الموضوع على قناة فضائية أخرى

لا مشكلة في ذلك، فالمصادفات من ذلك النوع تحدث كثيرًا هذه الأيام نظرًا لندرة الموضوعات الفكرية المتاحة للنقاش على الساحة، هكذا قلت لنفسي وأنا أحاول أن أبحث عن تبرير مقبول يفسر تلك المصادفة.

هرعت مرة أخرى للريموت كنترول وقمت للمرة الثانية بتغيير القناة، فإذا بي أجد مفتي الجمهورية، يتحدث في نفس الموضوع، الذي كان يتحدث فيه سابقوه وبنفس النبرات المتوترة القلقة والعواطف الجياشة والانفعالات المبالغ فيها.

هنا أصبحت نظرية المصادفة غير قابلة للتطبيق في ذلك الموقف، فالمصادفة لا تصلح لتفسير ظهور الرجال الثلاثة في ثلاث قنوات في نفس التوقيت للحديث عن نفس الموضوع.

ما الخيارات المتاحة إذن للإجابة عن ذلك الاستفسار؟

سرعان ما وصلت إلى إجابة عن سؤالي عندما وجدت شريط الأخبار في أسفل القناة يتحدث عن وقوع عمليات إرهابية وتفجيرات في بروكسل عاصمة بلجيكا، وأن هناك عشرات القتلى والمصابين، تلك هي الإجابة إذن، فالحديث عن سماحة الإسلام ومبادئه السمحة في بلادنا لا يظهر على الساحة الإعلامية، إلا للرد على التطرف والإرهاب والعنف.

فبمجرد أن تحدث أي عملية إرهابية في أي بلد غربي قد يُشتم منها رائحة التدخل العربي أو الإسلامي، نجد أن الدولة تسارع إلى إخراج رموز مؤسساتها الدينية الرسمية للإعراب عن القلق والاستنكار، وللتأكيد على كون الإسلام بريء من تلك العمليات براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب.

بسرعة تصدر الأوامر إلى رموز المؤسسة الدينية، فينتشروا في القنوات التلفزيونية الفضائية منها والأرضية، وفي طريق كل واحد منهم إلى برنامجه يتم تزويده بورقة أو ورقتين كُتب فيهما معلومات سريعة حول الحادث الذي سوف يكون موضوع النقاش.

التفاصيل لا تهم كثيرًا، فالكلام الذي تم ترديده منذ أربعة أشهر سابقة عن التفجيرات التي حدثت في فرنسا، هو نفسه الكلام الذي سيتم ترديده اليوم عن تفجيرات بلجيكا، وبالتأكيد فإن كل تلك التعليقات والأحاديث قد خرجت من مشكاة واحدة، وهي تلك المشكاة التي ظهرت على الساحة الإعلامية عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 م.

هناك خطوط رئيسية في الحوار سوف يتم اتباعها، بل إن الحوار نفسه سيكون أشبه بلعبة محفوظة مكررة سيشترك فيها كل من الشيخ والإعلامي الذي سيحاوره.

لا جديد في ذلك إذن.

بعين الخيال أرى الحوار الدائر بين الطرفين.

السؤال الأول سوف يكون بالتأكيد عن حرمة الدماء في الإسلام، وسوف يكون الرد من جانب الشيخ بأنه من المقطوع به أن الإسلام قد حرم قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق،

وسوف يذكر بعد ذلك عدد من الآيات القرآنية التي تؤكد على الوجه السمح للإسلام، وحتمًا سوف يردد الآية القرآنية:

 (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) البقرة 256

ثم سيردف تلك الآيات بتشكيلة من الأحاديث النبوية التي ستبدأ بموقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من اليهودي الذي كان يضع القمامة أمام بيته ويؤذيه ليلَ نهار حتى إذا ما مرض هذا اليهودي عاده الرسول -صلى الله عليه وسلم-وزاره ليطمئن عليه.

ونهايةً بالعفو الشامل الذي أصدره الرسول -صلى الله عليه وسلم- لجميع أهل مكة يوم الفتح وقوله لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، مرورًا بالكثير من القصص والحكايات عن معاملة الرسول -صلى الله عليه وسلم-  وخلفائه الرقيقة العطوف لأهل الذمة من المسيحيين واليهود.

ملاحظة 1

في بعض الأحيان يتم حشو قصة عمر بن الخطاب وبائعة اللبن داخل سياق الأحاديث والروايات السابقة، ولن ينتبه إلى ذلك الإعلامي أو أحد من المشاهدين، بل ومن الممكن ألا يلتفت إليها الشيخ نفسه، وذلك لما في القصة من بعد درامي تراجيدي أخاذ يتماشى مع الرومانسية الغالبة على سياق الحديث ككل.

أما السؤال الثاني الذي سيوجهه الإعلامي للشيخ، فسيكون حول توصيف مرتكب العمل الإرهابي

هنا يحصل الشيخ علي فرصته الكاملة في استعراض موهبته الخطابية وكفاءته البلاغية وقدراته الإنشائية، تلك المواهب والكفاءات المدفونة تحت ركام السنين التي تفصل بين حاضر الشيخ وأيام دراسته الأولى في المعاهد والكليات الأزهرية، تلك الأيام التي كان يُقيم فيها الطلبة بحسب قدراتهم الخطابية الإنشائية لا إمكانياتهم العقلية الذهنية.

وعلى غرار محمد سعد في مشهد كوميدي ساخر من أحد أفلامه عندما قال (أدونا فرصة بقا) منتهزًا فرصة وقوفه أمام الكاميرا، يأخذ الشيخ نفسًا عميقًا، ثم يبدأ في إلقاء محاضرة طويلة عريضة عن تفسيق وتضليل -بل وفي بعض الأحيان تكفير- مرتكبي هذا الحادث الإرهابي البشع، فيتهمهم بأنهم مجرمين فسقة خارجين عن الإسلام الحنيف.

ملاحظة 2  

قد يبالغ بعض الشيوخ أثناء حالة النشوة واللذة التي تصيبهم بسبب الإحساس بقوة كلمتهم وعظم تأثيرها، فيخرجون قليلًا عن السياق الأصلي المعد سلفًا،كأن يقول أحدهم إن هؤلاء الإرهابيين «خوارج» وأنه «طوبي لمن قتلهم وقتلوه»، أو أن يبالغ شيئًا ما فيصف «رائحتهم بأنها منتنة».

وهنا يأتي توقيت السؤال الثالث والأخير في الحلقة، وهو السؤال الرئيسي أو ال master seen كما يقال عن اللقطات المهمة في الأفلام.

السؤال يكون عن أثر تلك العمليات الإرهابية في مصر وعن جهود الدولة المصرية في التصدي للإرهاب.

هنا ينطلق الشيخ الأزهري من جديد، فيضرب بكل قوة، ذلك أنه يجد فرصة في إظهار ولائه للسلطة الحاكمة وللتعبد في محرابها وذبح الأضاحي على نصبها وتقديم القرابين لسدنتها.

فيبدأ بالاستشهاد بدعوة الرئيس الجادة لتجديد الخطاب الديني وتنقيته من الشوائب والأفكار المتطرفة، ثم يؤكد على أن الأزهر ومؤسسات الدولة الدينية الرسمية هي الجهة الوحيدة الموكل إليها النهوض بتلك المهمة الصعبة.

ثم -ومن باب الشيء بالشيء يذكر- يؤكد الشيخ الأزهري أن الإرهاب هو خطر يهدد جميع الدول شرقًا وغربًا، وأن ما حدث في بلجيكا وفرنسا قد حدث من قبل في مصر وأن هذا يؤكد ما دعا إليه الرئيس المصري من قبل في جميع المحافل الدولية من ضرورة اصطفاف جميع الدول في مواجهة الإرهاب والتطرف، وأنه يجب على جميع الدول أن تساعد مصر في حربها ضد جماعة الإخوان الإرهابية التي هي أصل كل البلايا ومبتدأ كل الشرور.

ملاحظة 3

يمكن اعتبار أن هدف اللقاء كله هو الوصول لتلك العبارة الختامية، وأن كل الحوار الذي سبقها كان بمثابة تمهيد أو افتتاح ليس إلا.

وفي نهاية اللقاء يتم اختتام الحلقة وينصرف الشيخ الأزهري بعد أن يكون قد أكمل مهمته علي خير وجه، ولا ينسى قبيل الانصراف من الأستوديو أن يمر على منتج البرنامج فيتقاضى أجره، ويضعه في الجيب العلوي لردائه الأزهري، ثم ينصرف عائدًا إلى بيته وقد تردد في عقله بيت شعر المتنبي

بذا قضت الأيام ما بين أهلها     مصائب قوم عند قوم فوائد

والحقيقة أن القراءة السريعة للمشهد الذي حاولنا أن نتناوله بالوصف في السطور القليلة السابقة، يفتح أمامنا بابًا واسعًا لعدد من التساؤلات المرتبطة بالنواحي السياسية والدينية والفكرية المرتبطة بالمجتمع، وهو ما سنحاول أن نتطرق إليه في المقالات القادمة إن شاء الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد