أنا تلك الفتاة الطامحة، التي طالما حلمت يومًا بأن تصبح أكبر إعلامية في الوطن العربي بل في العالم، وكنت ألتمس في الغد دائمًا الأفضل، فلي خيال خصب واسع وما زلت في سن الشباب المفعم بالطاقة. وحب الصحافة والكاميرات يسيران بدمي كنهر بأمواج لا تهدأ قط، فكنت فتاة «الإذاعة المدرسية» في فصل 5/5 وكان يعرفني الكثيرون، وحين كبرت فالتحقت بالمدرسة الإعدادية ثم الثانوية، انضممت إلى جماعة الصحافة فبدأت بالاشتراك في إعداد مجلات المدرسة ثم الإدارة حتى صرت نائبًا لرئيس التحرير، أتذكر أول حديث صحفي قمت به كان مع مديرة مدرستي التي منذ ذلك الحين أخذت تدعوني بالصحفية. وتمر الأيام وشاء القدر أن أتمسك بحلمي وشغفي بالصحافة والإعلام وألتحق بـ«كلية الإعلام» وبدا حينها أن الحلم قد اقترب، وأنني سأتخرج وأجد القنوات والصحف على مصراعيها تنتظرني.

ومع دخولي الجامعة بت أدرك أشياء عديدة، وها قد أزيل الستار عن عيني لأدرك الواقع بشكل واقعي أفضل لم تتح لي السطور التحدث عن كل الواقع باستفاضة ولكنني سأتحدث عن جزء منه ليس بهين.

فهمت أن شهادة تخرجي وحدها لا تكفي وأن الطريق الصحفي طويل لن يسع سوى لأصحاب النفس الطويل، فكان عليّ أن أتدرب في عدة أماكن، من أجل الخبرة والـ«CV»، فساعدني الحظ في أن أنضم لمكان أسعدني كثيرًا الانضمام إليه، تعلمت به كثيرًا وبدأت فيه وضع أول إنجازاتي في المجال الصحفي. فأحسست أنها إشارة من الله أننا في الطريق الصحيح وأن عليّ أن أستمر.

أتذكر كلمة قِيلت لي يومًا هناك «أنتِ  في جنة، بكرة تخرجي وتشوفي الواقع الصحفي اللي بجد والصحافة اللي بجد عاملة إزاي».

واستمر رنين هذه الجملة يتردد في أذني أيامًا ومنعني النوم تُرى ماذا عن الواقع الصحفي الذي يتحدثون عنه!

وتمر الأيام ويستمر انتقالي من مكان لمكان لمكان. وبت أدرك من الحقائق عن الواقع الصحفي والإعلامي بشكل عام ما كان كفيلًا لإصابتي باكتئاب حاد أسعى للشفاء منه حاليًا.

أولها أن هناك طريقًا مقتصرًا للوصول لصاحبة الجلالة. أتذكر أنني ذهبت لمقابلة عمل «إنترفيو» في مكان من أشهر الصحف في مصر. وعندما ذهبت وجدت في انتظار نفس المقابلة، ثلاث حسناوات ترتدي كل منهن من الملابس ما يظهر من جسدها ما يكفي لإثارة أي رجل.

وحينها جاءني هاجس في نفسي يحدثني أنه من المستحيل أن يختارني أنا الفتاة التي أتت للمقابلة بعد يوم طويل في الكلية أرتدي حذاءً رياضيًا وأحمل شنطة ظهر ثقيلة تكاد تصيبني بانحناء بالغ في ظهري، ولكنني رفضت أن أصدق هذه الهواجس وبدأت أقول لنفسي إنني أستطيع أن أرتدي وأظهر من جسدي كي ألفت الانتباه كما يفعلن ولكن أنا هنا أتقدم لعمل صحفي يتطلب مهارة في الكتابة والقدرة على ابتكار الأفكار، وأنا أتمتع بجزء من هذه المتطلبات فلمَ الخوف، وإذا تم رفضي بدافع عدم خبرتي في هذا أو تلك فسيكون دافعًا قويًا فأنا ما زلت لا أعرف الكثير في المجال فعمري به لا يتعدى السنوات الثلاث وما زلت طالبة فسأعمل على نفسي أكثر وسأكون خبرة جيدة.

وقد جاء وقت المقابلة، فدخلنا جميعًا. فرحب رئيس التحرير بالحسناوات وأخذ يداعبهن شيئًا فشيئًا وأنا لم يتحدث لي مرة وتجاهلني مع من تقدم من الذكور.

وطلب من كل منا كتابة أفكار للموقع الإلكتروني للصحيفة كي يحكم على كيفية معالجتنا للأفكار، فرحت كثيرًا لأن الأمر سُيقيم بحسب كفاءة الكتابة والأفكار وليست كفاءة ما يتعرى من جسدي، وحين انتهينا، بدأ يتصفح أوراق الحسناوات أولًا ويعطيهن فرصًا أخرى لكتابة أفكار أكثر، وأنا لا ينظر لورقتي قط، حتى مر ما يقرب من ساعة ولم ينظر لورقتي ولم يوجه لي كلمة، استأذنت إحدى الحسناوات بالرحيل فقام واقفًا يحييها ويعطيها رقم هاتفه لتتصل به لتعرف نتيجة المقابلة وتمنى لو أنها تستطيع أن تمكث أكثر.

فضاقت بي الأرض بما رحبت، وبدأت أتيقن من الهواجس التي أخذت تدور في رأسي، فأخبرته أنني أريد الرحيل أنا الأخرى فهبط رده علي كالصاقعة «لما حضرتك مش فاضية جاية الإنترفيو ليه» ونظر إلى ورقتي لأقل من دقيقة ثم تركها ولم يوجه لي كلمة واحدة.

فرحلت وأنا لا أرى في الدنيا شيئًا غير سواد حالك، وتتردد في أذني تلك الجملة دون سواها «أنتِ هنا في جنة، بكرة تخرجي وتشوفي الواقع الصحفي اللي بجد والصحافة اللي بجد عاملة ازاي»!

انتقلت بعد فترة لمكان أكبر مما تقدمت إليه، وتم قبولي متدربةً فيه، وسعدت برئيسي في العمل الذي شجعني على التميز فكان بمثابة طوق النجاة الذي جاء ليخبرني أنه ما زال يوجد أمل، وأن من لديه الموهبة فقط هو من سيستمر في العمل وأن علي أن أتعلم من اللغات وأنواع الكتابة ما يثبت خُطاي في هذا المجال وأخذت منه من النصائح ما لا يعد ولا يحصى.

ولكن لم يستمر الحال هكذا كثيرًا، فلم يتغير رئيسي ولم يتم حسابي على ما يتعرى من جسدي، ولكن وجدت الواقع الذي طالما تحدثوا عنه وجدت أن «فلانة» تعمل وتأخذ راتبًا عاليًا وهي لا يشتمل كشف إنتاجها الشهري على موضوع واحد، ترى على أي ثمن تأخذ مثل هذا الراتب؟ ورأيت من يأخذ نصف مرتبها وهو يعمل 24 ساعة ومتفانٍ في العمل، أي عدل هذا. أن أرى واحدًا من أكفأ الصحفيين الذي ينظر لمرتبه كل شهر وهو لا يدري أهذا المرتب مكافأة لعمله في المجال لمدة تزيد عن 10 أعوام أنجز خلالهم المئات من التحقيقات والموضوعات والملفات والمقالات!

ولم أخبرك عزيزي القارئ عن فتاة عرفتها يومًا، فتاة لم تُجِدْ كتابة خبر يومًا، ولكنها تجيد النوع الآخر من الإقناع أصبحت معدة الآن في إحدى أكبر القنوات بمصر، ليست هذه ما تسمى «نفسنة بنات» فأعلم غيرها من تمتلك من الإبداع في المجال ما لو وزع على أهل الأرض لكفاهم ترى أين أصبحت الآن؟ (هي الآن بين أربعة حيطان أصبحت تجيد شتى أنواع «الطبيخ»).

واقع مزرٍ في الصحف المصرية بل والإعلام ككل ناهيك عن التطبيل الذي يجب أن تتفننه وعن الموضوعات التي يتم حذرها بدافع قانون الطوارئ، دعني أخبرك صديقي القارئ أن هذا ليس تعميمًا يوجد استثناءات بالطبع.

ولكنه واقع إعلامي يعم أغلبه العفن، فأصبح المميز به شيئًا نادرًا. محظوظة أنا بمقابلة بعض هؤلاء الاستثنائيين.

أما عني فلن أستسلم يومًا لهذا الواقع فسأكون الاستثناء الذي حلمت به يومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد