لا شك أن الهدف الرئيس للإعلام هو تكوين رأي عام مؤيد أو معارض تجاه أي قضّية أو حدث من الممكن أن تتناوله وسائل الإعلام، ناهيك عن الدور الإنساني إذ إن الرسالة الإعلامية تتوجه من هيئة أو مؤسسة للناس لتحقيق الغرض منها، مؤخرًا نادت العديد من المدارس الصحفية على مستوى العالم بأنسنة الإعلام ليكون في خدمة الجمهور المتلقي.

خلال سنوات الربيع العربي ظهر نوع مختلف من الإعلام والذي يهدف لنقل حقيقة ما يجري بعيدًا عن الالتزام بقواعد المهنة، إذ استطاعت كاميرات الهواتف النقالة لناشطين توثيق ما حدث في تونس ومصر وليبيا وسوريا من أحداث.

لم يراع في التصوير جودة الصورة ومدة اللقطة ونوعها… إلخ، لكنها تمكّنت وبدون أدنى شك من إيصال الهدف والتأثير في الرأي العام العربي والعالمي وتسليط الضوء على مشاكل بلدانهم وآلية تعامل السلطات الحاكمة معهم.

بالنسبة للوضع في سوريا يختلف بعض الشيء عن غيره من دول الربيع العربي التي تنعمت بشمس الربيع قبل وصول متطرفي العسكر للسلطة.

الثورة في سوريا ما زالت مستمرة منذ ست سنوات وثقت عدسات الناشطين الأيام والسّاعات الأولى لخروج المتظاهرين والطريقة الوحشية لتعاطي قوات النظام معهم.

لم تكن الإمكانات تساعد في نقل الصورة بالشكل الذي يرقى لحجم المأساة وفظاعة المشهد.

مع تسارع الأحداث وتحول الثورة من سلمية إلى مسلّحة بدأت عدسات الناشطين تتطور وتحسن التقاط الصورة والتوثيق الصحيح للحدث، كان ذلك نتيجة خضوع العديد من النشطاء لدورات تدريبية وتزويدهم بالمعدات اللازمة.

اليوم وبعد مضي سنوات على الثورة بات هناك وسائل إعلام تختص بالشأن السوري دون غيره – فضائيات – مواقع إلكترونية… إلخ – إضافة لمواقع التواصل الاجتماعي التي استثمرت لخدمة القضية السّورية، لكن وبالرغم من توافر الإمكانات لم تستطع وسائل إعلام الثورة تقديم موادَّ مقنعة للرأي العام العربي والدولي واقتصر نشاطها على تصوير الأحداث دون الخوض في خلفيات الحدث وأسبابه.

على سبيل المثال، لم تقدم وسائل الإعلام تلك أي فيلم وثائقي يمكن أن يدخل مهرجانات عربية أو دولية من الممكن أن يحدث خرقًا في جدار الصمت العالمي حيال ما يجري في سوريا.

كذلك لم تتمكن من إنتاج فيلم روائي أو مسلسل تلفزيوني بالرغم من وجود الكوادر القادرة على ذلك – فنانين – مخرجين – كُتّاب سيناريو – منشقين عن مؤسسات النظام الإعلامية بالطبع.

هذا الفشل المهني وعدم تسخير الإمكانات بالشكل المناسب كان بمثابة سند لوسائل إعلام النظام والدول التي تساعده في إظهار الثورة والثوار على أنها لا تتعدى كونها أعمالًا إرهابية.

من خلال المحتوى الإعلامي الذي يقدمه لا سيما الأفلام الوثائقية والمسلسلات التلفزيونية التي تغزو الشاشات العربية في شهر رمضان ومنذ بداية الثورة.

هذه المواد تقدم النظام على أنه حمل وديع يواجه مجموعة من الذئاب المخربين، كما لا تخلو تلك الأعمال من نقد للمؤسسة العسكرية الهدف منه زيادة الإقناع من خلال الموضوعية في الطرح.

أبرز ما قدمته وسائل إعلام النظام خلال سنوات الثورة «الولادة من الخاصرة» بأجزائه الثلاثة، والذي غزا وسائل إعلام عربية لا يسعنا ذكرها، إضافة لمسلسل «عناية مشددة» والذي من المرتقب عرض الجزء الثاني منه خلال موسم رمضان المقبل، وغيرها العديد من المسلسلات والمواد التي تهدف لخدمة غرضه لا سيما أجزاء «باب الحارة» التي حاولت إظهار ما يحدث في سوريا حربًا كونية وأن الشعب السوري متلاحم لصد العدوان الخارجي وفقًا لنظرية المؤامرة التي يدعيها النظام السوري.

في سياق الحديث عن وسائل إعلام الثورة لا بد من ذكر بعض الأقلام الحرة التي ساندت الشعب السوري، فيصل القاسم حاول تسخير كل إمكاناته في برنامجه الاتجاه المعاكس خدمةً لقضية شعبه ضد النظام.

القاسم كان فيصلًا في العديد من المواقف الأمر الذي دفع بقوات النظام لمصادرة أملاكه وإصدار حكم بالإعدام في حقه.

عمل القاسم جاهدًا على إيصال الحقيقة للشعب السوري وما يحاك ضده واستطاع إقناع الشعب العربي بحق الشعب السوري بالحرية وتقرير المصير، عالج العديد من القضايا التي تهم أهله حتى إنه تعرض في العديد من حلقات البرنامج للمعارضة وخلافاتها الموضوع الذي تخفيه وسائل إعلام الثورة غالبًا، ما دفع تنظيم الدولة للخروج بإصدار مرئي موضوعه إحدى حلقات البرنامج.

وإن دلّ ذلك على شيء فإنه خير دليل على التأثير بالشعب العربي عمومًا والسوري خصوصًا على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم.

ربما الثورة اليوم بأمسّ الحاجة لأقلام حرة كالقاسم مثلًا فهذه الأقلام أشد خطرًا وأكثر تأثيرًا من الأسلحة النوعية التي تطالب بها المعارضة السورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إعلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد