وأنا أتابع بعض وسائل الإعلام الغربية المرئية والمسموعة والمكتوبة، تستوقفني طريقة ومنهج التغطية الإعلامية التي تسلكها بعض هذه القنوات الفضائية والصحف في تناولها لقضايا التطرف والإرهاب وفي انتقائية واضحة وعدم موضوعية بحصر الإرهاب والتطرف بدين معين وكأنه الشماعة التي تعلق عليها مآسي العالم وتناقضاته النفاقية التي أضحت مكشوفة للجميع من أصحاب الألباب والعقول.

وفي إلقاء سريع على بعض تعليقات القراء الغربيين وأيضًا بعض المتصهينين العرب على مواضيع ومقالات تتحدث عن حوادث الكراهية والقتل بحق المسلمين، آخرها مجزرة المسجدين بنيوزيلندا والتي تصب أغلبها نحو الإشادة الضمنية لهذه الأفعال الشنيعة التي تمقتها وترفضها جميع الأديان السماوية جملة وتفصيلا، وترفضها جميع الفلسفات الإنسانية المرتكزة على الفطرة الإنسانية السوية.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الجهل والضبابية لدى المتلقي الغربي الذي يتأثر بما يشاهد عبر هذه الوسائل الإعلامية التي تخدم بقصد أو بغير قصد أجندات وبرامج التيارات والحركات اليمينية المتطرفة والتي يستعملها بعض الساسة المنتمين لهذه التيارات أو المناصرين لها داخل المنظومة السياسية الديمقراطية الغربية إلى استغلال خطاب الكراهية والعنصرية وتوجيه سهام الازدراء والتخويف والاستحقار نحو الآخر من المسلمين وغير المسلمين في بروباجندا إعلامية جبارة وتغذية الإسلاموفوبيا من خلال تنظيرات وآراء إقصائية رجعية، وهذا يشكل خطرًا جديًا على المدى المتوسط في زعزعة النسيج الاجتماعي الغربي الذي احتوى جميع الثقافات والأديان من مختلف الملل والنحل، كما أن تجشيع الإعلام الغربي لهذا الخطاب الكريه يشكل تهديدًا خطيرًا للتجربة الديمقراطية الغربية، وعلى منظومة حقوق الإنسان والعدالة والعيش المشترك.
فاﻹعلام عندما يستعمل مصطلح الإرهاب والتطرف ويربطه بثقافة معينة ويمططه حسب أجندات انتخابية وسياسية، مستغلًا بذلك حالة الجهل والخوف لدى معظم الجماهير واللعب على أوتار اللاوعي الجمعي للناس وربطه بالتاريخ وأحداثه من خلال زوايا معوجة وضيقة وإفراغه من محتواه وكينونته الموعظية وأهدافه التقريبية والاستفادة من دروسه وعبره التي يجب أن تصب نحو كيفية الاستفادة من الأحداث التاريخية الإنسانية نحو بناء مجتمع إنساني متنوع قائم على مرتكزات العيش المشترك وسيادة القانون وثقافة الاحترام والتقدير.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين. الروم 22.
ولكي يتحقق ذلك يجب أن يكون ذلك بعيدًا عن حسابات بعض الساسة والتيارات وبعض الحكومات التي تعيش على وقود حطب الكراهية واستجلاء الماضي وتحويره في المشهد السياسي وقت السباقات الانتخابية، وبالتالي الدخول نحو نفق مجتمعي وثقافي منغلق على نفسه أشبه بثقافة الجيتو التوراتية.
فالخطاب الشعبوي اليميني المتطرف لايفرق بين مسلم أو مسيحي أو يهودي أو هندوسي،لأن هذا الخطاب هو نفسه خطاب الأجنحة اليمينية المتطرفة لدى جميع الأديان والفلسفات الأرضية، وذلك لأن هذا الخطاب يتلاقى في نفس الأهداف التي ترمي إلى إفراغ جوهر الإنسانية وأصلها الرحموتي والرحماني المنبثق من نور الله سبحانه وتعالى.
صحيح أن تصاعد وتيرة العنف والإرهاب في العالم كان بمثابة طوق نجاة لليمين المتطرف في الغرب حيث وجدت فيها ملجأ ومتنفسًا لتقديم نفسها من جديد وهو ما تجسد في صعود أسهمها في عدة دول، إضافة إلى فشل الأحزاب التقليدية في تقديم حلول جذرية وبدائل واضحة في إيجاد حلول للتحولات التي يعرفها المجتمع الغربي وفي حالات المخاض التي يعيشها النظام السياسي الدولي الذي له دور أيضًا في دفع وخلق تنظيمات متطرفة من خلال أجهزة مخابراتها بمساعدة أنظمة عربية ديكتاتورية خدمة لأهداف سياسية واقتصادية لكبح رياح التغيير الديمقراطي والمؤسساتي الذي تتطلع إليه الشعوب العربية والإسلامية، وما تحريض بعض حكام الأنظمة العربية المتزعمة لتيار الثورات المضادة، في الهجوم والتحريض والتخويف من المساجد وتفسير الإسلام حسب هواهم الطغياني وتأجيج خطاب الإسلام فوبيا على ألسنتهم ما هو إلا امتداد لهذه التيارات اليمينية المتطرفة التي اعتبرها البعض كضوء أخضر للهجوم على دور العبادة من خلال التصريحات المقيتة التي أدلى بها غربان الدمار والخراب المتمثل في ابن زايد وابن سلمان والسيسي هذه التصريحات التي كشفت عن عورات هؤلاء الذين انقلبوا على أحلام شعوب الربيع العربي وحولوا ربيعها إلى صيف قائظ.
ولابد من الإشارة إلى أن بعض وسائل الإعلام العربية المتصهينة كقناة «العربية، وسكاي نيوز عربية»، التي هي امتداد لقنوات إخبارية غربية يمينية معروفة مثل «فوكس نيوز»، كانت من أكثر الوسائل الإعلامية التي خدمت أجندات اليمين المتطرف في الغرب من خلال بثها لبرامج تغذي الاسلاموفوبيا واستضافتها لضيوف وباحثين وبعض اﻷبواق العربية العلمانية المتطرفة، هدفهم الأسمى إلصاق تهمة الإرهاب والتطرف بالإسلام والمسلمين بأي شكل من الأشكال بعيدًا عن الأطروحات الأكاديمية والفكرية المتوازنة والموضوعية، وتناسوا أن خطورة أفكار وتنظيرات اليمين الشعبوي المتطرف على السلام العالمي يوازي خطورة اليمين المتطرف الذي يعتنقه بعض المسلمين، وكما نعلم فإن هؤلاء كانوا نتاج وضع سياسي في بلدانهم بسبب انغلاق الأفق السياسي والاقتصادي داخل أنظمتهم الديكتاتورية مما أدى بهم إلى اعتناق مسلكيات التطرف والإرهاب.
ويمكن القول إن المتطرفين من جميع أجنحة التطرف المختلفة يستغلون الإعلام من أجل نشر أفكارهم وإديولوجياتهم الإقصائية، فاستضافة الإعلام لشخصيات يمينية كريهة للرأي العام واستخدام نصوص دينية من مختلف الأديان وتوظيف التاريخ يمكن أن تتخذ سلاحًا يساء استخدامه، والغريب أن وسائل الإعلام يتغذى بعضها على بعض من موضوعات الإرهاب والتطرف وتوظيفها سياسيًا وانتخابيًا وقت الحاجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد