قبل ما يزيد على الشهر بقليل أخذني الحنين إلى زمن الطفولة إلى متابعة أحد برامج الرسوم المتحركة المحببة إلى قلبي، فاحترت أولا بين متابعة الحلقات التي تمت دبلجتها أو الانتقال لمستوى جديد بمشاهدة السلسلة بلغتها الأصلية والاستعانة بالترجمة العربية، ثم احترت مجددًا بين مشاهدة السلسلة بصيغتها القديمة عام 1997 أم بالصيغة المُحدثة والتي صدرت في اليابان عام 2011، لقد أتيحت لي كل هذه الخيارات رغم اعتقادي بأنني في هذه السن لا أنتمي للفئة المستهدفة بهذه الأعمال. وبعد أن أنهيت مشاهدة السلسلة المُحدثة بلغتها الأصلية وقفت مذهولة أمام الأفكار التي عُرضت في هذا العمل والجوانب الإنسانية والشخصيات والموسيقى, لقد تميزت السلسلة على الكثير من المستويات رغم أن النص الأصلي لم يمسه أي تغيير فهو أولا وأخيرًا مجرد إعادة صنع لسلسلة نجحت قديمًا!

وهذا يثبت أن نجاح العمل كان منطلقًا من أرض ثابتة وهي ذات الأرضية التي انطلق منها نجاحه قبل عقد من الزمن، فخصوصيته تكمن في كونه من وحي ثقافة الأمة التي قُدم إليها فمهما طال الزمن أو قصر لن يعجز عن إيصال فكرته لجيل بعد آخر، وإن كان بحاجة لاستحداث بعض تقنيات التصوير أو التحريك، وتغيير موسيقى السلسلة بأكملها، وإضافة لمسات حديثة على أشكال الشخصيات وطريقة رسمها، فهذا كل شيء. وأعتقد أن هذا الأمر هو أهم ما تفتقر إليه البرامج الموجهة للطفل العربي رغم تطور صناعة الرسوم المتحركة في العالم العربي وانطلاق عدة قنوات مختلفة مقدمة لفئات متنوعة.

الامتناع عن المتوفر في ظل الافتقار إلى البدائل:

وقد يكون المقام مناسبًا لنعرج على مشكلة من نوع مختلف قد تُعجز بعض صُناع هذا المجال، وهي مسألة التحريم. فقد وجدت قبل عدة أيام فتوى حديثة تقول بحرمة مشاهدة الرسوم المتحركة لعدة أسباب كان أهمها أن صناعها ليسوا مسلمين، وأود التوجه للقائل بحكم التحريم ولمن تقدم به على حد سواء بالجملة الشعبية المتعارف عليها في موريتانيا (اللي شقر شي، يدير شي فبله) أي: من اعترض على أمر فليوجد بديلًا له.

وفي الحقيقة إن هذا الرد هو الأنسب لأن مُقدم الفتوى استعان بكلمات للدكتور عبد الوهاب المسيري عن الرسوم المتحركة “توم وجيري” وأثرها على عقلية الطفل ونظرته لبعض الأمور, ولا شك أنه أضاف تلك الكلمات ليزيد من حجته ويثبت صحة ما أتى به. والمفارقة العجيبة أن الدكتور عبد الوهاب المسيري هو من قلائل المفكرين المهتمين بتقديم محتوى عربي أصيل ومتميز للطفل، وقد ترك لنا مجموعات من قصص الأطفال التي صاغها هو شخصيًا، إيمانًا منه بأن فكر أطفاله وعوالمهم الخيالية هو أحق بصياغتها من غيره، وقد أشار إلى ذلك بوضوح في كتابه رحلتي الفكرية عندما قال: “الذي دفعني لكتابة أدب الأطفال هو الهدية التي حباني الله بها، طفلاي نور ثم ياسر فقد كانت تنشئتهما مسألة موضع اهتمامي، خاصةً وأنهم قضوا جزءا كبيرا من طفولتهم في الولايات المتحدة. وقد لاحظت أن أفلام الكرتون الأمريكية مليئة بالعنف والكراهية. وكنت في طريقي مرة لشراء لعبة لنور، دُب صغير teddy bear. وفجأة اكتشفت أنني سأشتري لها أحد رموز الحضارة الغربية. فالدب حيوان لا نعرفه ولا يوجد في بيئتنا، ومن ثم فالعلاقة معه والتعلق به يولد إحساسًا بالاغتراب لدى الطفل العربي”.

ثم يكمل في موضع متقدم: “وكان لابد أن أملأ الفراغ الذي خلقته في حياة أولادي نتيجة لخوفي عليهم من اقتصاديات السوق ولرفضي الألعاب الأمريكية, ومن هنا بدأت في تأليف القصص التي تنقل للطفل نماذج معرفية حضارية أكثر إنسانية، وبدأت في نسج عالم أسطوري معاصر متكامل لطفلي، فأنا أؤمن بأن الذكريات والأساطير المشتركة بين الأزواج والأصدقاء وأعضاء الأسرة هي أهم العناصر التي توطد الصلة بينهم, وتزودهم بعالم خاص بهم يتحركون داخله، ويدركون العالم من خلاله فيزدادون ارتباطًا ومحبة. وقد وجدت أنه من خلال هذا العالم الخاص الذي نسجته، يمكنني تفعيل مفهوم الهوية والخصوصية، وهو مفهوم نتحدث عنه كثيرًا دون أن نتحرك لتطبيقه”.

ولقد كان يتمتع بحسٍ عظيم بالمسؤولية قلَّ نظيره إذ لم يكتفِ باستبعاد الخيارات المُتاحة لأنها تُضر بالطفل المُتلقي، لكنه أوجد بدائل أغنت أطفاله عن تلك الخيارات وهذا هو المطلوب.

وللأسف تطور الأمر من اقتناء الألعاب التي لا تناسب مرجعية الطفل الثقافية أو الحضارية إلى حد تعريضه لمختلف الأفكار التي يتساءل هو نفسه عن مدى ارتباطها بما يدور حوله، فمفهوم الهوية والخصوصية الذي أشار إليه الدكتور عبد الوهاب المسيري هو بحد ذاته سبب كاف لإشعار الطفل برغبة كبيرة في عدم الارتباط بما يتلقاه، حتى وإن بدا لصناع الرسوم المتحركة والعاملين في هذا المجال مادة تعليمية وترفيهية عظيمة، فهي ستظل نافرة من نسيج الأفكار والمشاهد المحيطة بالطفل من كل حدب وصوب، وهنا يتحتم علينا الاعتراف بأننا تفوقنا على أنفسنا في النقل وأغفلنا إعمال العقل.

بين صناعة النجاح ونقله:

إن الناظر إلى قنوات الأطفال العربية باختلاف مصادرها ومراكزها حول العالم العربي يدرك تمامًا أن القدر الأكبر من البرامج المعروضة وأساليب العرض والإعلان المستخدمة – إلا ما ندر – ليست من وحي عقول عربية، أو قد تكون كذلك لكنها من وحي عقول عربية تمت برمجتها على أن نقل التجربة الأمريكية أو اليابانية بخصائصها كافة يعني بشكل ما نقل النجاح والأثر الذي تركته الصناعتان على الإعلام الموجه للطفل حول العالم.

إن لكل حضارة وكل ثقافة وكل منطقة جغرافية خصوصية لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تتقاسمها مع منطقة أخرى، بدءًا من الأفكار والمعتقدات والموروثات الثقافية انتهاءً إلى الأجواء والأمزجة والأطعمة وملامح الأشخاص وألوان بشرتهم وطريقة لباسهم.

أذكر جيدًا كم كنت أستمتع بمشاهدة مُختلف أنواع الرسوم المُتحركة التي كانت تقدمها قناة سبيستون بتميز قل نظيره في ذلك الحين، حيث الشارات الموسيقية يتم العمل عليها بجهد والأصوات تكون مُعبرة ورائعة بلسانٍ عربيٍ فصيح، أما الصور فلطالما بدت غريبة ولطالما أدركت وأقراني بلا وعينا أنها لم تنتمِ لنا، وأنها معدة في بلد مختلف بمظاهر مختلفة، لكن مغامراتهم كانت تمتعنا وتجعل الوقت يمضي سريعًا ونتعلم منها مبادئ أخرى بسيطة.

ما الذي يمثلنا؟ وماذا نمثل؟

ربما سيكون من الإجحاف المقارنة بين ما وصلت إليه اليابان في هذه الصناعة وبين ما وصلنا إليه، لكن بدا الأمر مستحقًا للتجربة عند ملاحظتي لتسابق القنوات العربية المخصصة للأطفال لتقديم محتويات محلية الصنع وتتماشى مع هوية الطفل العربي، أو على الأقل هذا ما أراد لها صناعها أن تكون!

لكنها لم تكن كذلك، وفي جزء كبير منها لم تمثل تلك القنوات إلا العقل العاجز في محاولته للوصول إلى الصورة التي يعتقد أنها تمثله بالرغم من أنها لا تمثل إلا ما نجح الآخرون في الوصول إليه حتى هذا اليوم.

وهنا سؤال يتكرر في كل الأزمنة وفي مختلف الأحوال، ما الذي يمثلنا من كل هذا الذي نتناقله بلهفة لمجرد أنه حصد مشاهدات عالية حيث ينتمي؟

وماذا نمثل عند إقدامنا على صُنع محتوى لأطفالنا؟

وفي الإجابة على هذين السؤالين يكمن نصف الحل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أطفال, اعلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد