تُقاس درجة كفاءة وجودة المستشفيات والأطباء العاملين بها، بقدر الخدمات والرعاية الصحية الحثيثة والمتطورة المقدمة للمرضى، هنا نتكلم عن مراكز ومستشفيات حكومية تستقبل المرضى لتقديم العلاج اللازم لهم، وإجراء العمليات الجراحية إن استدعى الأمر حسب حالة المريض، وهذا واجب مهنة الطب وكل طبيب تجاه كل مريض يحتاج لمساعدة طبية ناهيكم عن واجبهم الإنساني والأخلاقي في سياق هذه المهمة وما تحمله من تفاصيل.

لا أريد الخوض كثيرًا في مهام المستشفيات والمراكز الصحية التي أُنشئت أساسًا لرعاية كل مريض، وتقديم العلاج المناسب لكل حالة كونها معروفة للجميع، ولكن أريد أن أسلط الضوء على بعض التفاصيل الصغيرة التي تحدث هناك من إهمال طبي غير مسؤول من قبل الأطباء أو الممرضين، وما أكثر هذه التجاوزات في المستشفيات الحكومية مقارنة بالمشافي الخاصة وإن سمعنا المبررات من المتورطين في هذا الفساد لا يتبادر لأذهاننا سوى جملة عذر أقبح من ذنب.

يحدثني أحد الأصدقاء عن تجربته عندما ذهب لمشفى حكومي، لإجراء عملية جيوب في أنفه بعد أخذ الموعد والاستعداد الكامل للعملية تم إدخاله إلى غرفة العمليات، والتي وصفها وكأنها غرفة للمسالخ البشرية، وبعد التحضير والبدء بالعملية تفاجئ المريض بأن التخدير لم يؤثر به، وبدأ يشعر بألم شديد دفعه للصراخ من ذلك الألم، فسأله أحد الأطباء بماذا تشعر؟ ليجاوبه أن التخدير لم يؤثر به ليقول له الطبيب بكل برودة أعصاب هذا التخدير الموجود في مستشفياتنا الحكومية هل تريد إكمال العملية؟ فقال له لا أستطيع من شدة الألم ليقول له الطبيب حرفيًا، ما رأيك بأن أجري لك العملية ودون أن تشعر بأي شيء في عيادتي الخاصة، وبمقابل مالي بسيط تمت الموافقة وقام بعد أسبوع بإجراء العملية في عيادة الطبيب، وتم دفع المبلغ والذي لم يكن بسيطًا كما ذكر الطبيب، ولكن الحاجة للعملية دفعته لهذا الخيار.

الغريب في قصة زميلي أنها ليست بالجديدة، لطالما سمعنا عن أطباء قاموا باستغلال مرضاهم وتحويل عملياتهم من المشافي الحكومية المجانية إلى عياداتهم الخاصة، مقابل مبلغ مالي يحدده الطبيب، ولكن هذا السيناريو من حيث إدخال المريض لغرفة العمليات ورؤية الجو العام، وإقناعه عمليًا بأنه لا يستطيع إجراء العملية في المشافي الحكومية، بسبب سوء التخدير أو عدم جهوزية الآلات الطبية لأي عملية كانت، هذه الظاهرة إحدى متطلبات تحويل الطبيب للمرضى من المشافي الحكومية إلى المستشفى الخاص أو العيادة التي يعمل بها مقابل مبلغ مالي غير بسيط.

تجاوزات عديدة وجرائم صامتة بحق المرضى في المستشفيات الحكومية، والتي يَصفها كثيرون بأنها عبارة عن مسالخ بشرية ضحيتها المريض الذي لا يملك ثمن تكاليف العمليات الجراحية باهظة الثمن، والمجرم هنا الطبيب الذي تحول إلى أداة لإستغلال جيوب هؤلاء المرضى تحت مسمى تأمين لقمة العيش، وحصد أرواحهم في كثير من الأحيان تحت مسمى الخطأ الطبي .

ذكرت العديد من التقارير أن الفساد الذي يتفشى في بعض المستشفيات الحكومية يأخذ أشكالًا عديدة، من بينها التمييز بين مريض ومريض والاهتمام هنا والإهمال هناك، وتسخير بعض المرضى كحقل تجارب لحديثي التخرج، ناهيكم عن قلة التجهيزات الطبية وقلة خبرة المتخصصين، كل ذلك يدفع الطبيب لتصدير المرضى من المستشفى الحكومي لعيادته الخاصة، ويتم ذلك عن طريق التنسيق بين مدير المشفى أو مسؤول القسم وعدد من الأطباء الذين يعملون لصالح عياداتهم الخاصة، وكأن المريض الذي لجأ للمشفى الحكومي لتلقي العلاج عبارة عن أضحية يريد الجميع تقاسمها، وكل هذا لأنه لا يملك ثمن تكاليف العملية في المستشفيات أو العيادات الخاصة، وما الذي يدفع الطبيب لإجراء عشرات العمليات لكل عملية ثلاث ساعات في مشفى حكومي مقابل راتب شهري بسيط، في حين بإمكانه إجراء هذه العمليات في عيادته الخاصة مقابل مبلغ مالي يساوي أضعاف مضاعفة من راتبه الشهري في المستشفى الحكومي يتساءل أحد الأطباء؟

يقف المريض هنا حائرًا ما بين قلة التجهيزات الطبية والإهمال والفساد الطبي في المستشفيات الحكومية، والاستغلال والمبالغ المالية الهائلة المترتبة عليه في العيادات والمستشفيات الخاصة؛ ليقرر في نهاية المطاف أن ينصاع لغطرسة الطبيب ونواياه الدنيئة، وأن يضحي بأي شيء يملكه لإجراء هذه العملية بعيدًا عن مخاطر تهديد حياته وكابوس فشل العملية الجراحية.

السؤال الذي يطرح نفسه هل وصل الحال ببعض الأطباء لدرجة بيع ضميرهم الأخلاقي والمهني، واستغلال مرضاهم لصالح جيوبهم الخاصة وبهذه الصورة البشعة، التي تبتعد كل البعد عن صورة وأخلاقيات مهنة الطب الحقيقية، يتساءل أحد المرضى الذي باع قطعة من الأرض لإجراء عملية له في الكبد في إحدى العيادات الخاصة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!