تستقبل المستشفيات في دول العالم الثالث والأول على حد سواء أعدادًا لا تحصى من المرضى، ويتم إجراء عدد مهول من العمليات الجراحية يوميًا تتفاوت في صعوبتها وخطورتها من استئصال زائدة دودية كأبسط مثال لعملية جراحية حتى إجراء عمليات قلب مفتوح أو مخ وأعصاب ونقل الأعضاء.

لهذا أصبح من الطبيعي والمعتاد في عالمنا المعاصر أن تتم تلك العمليات المعقدة على مدار الساعة في الدول المتقدمة أو النامية بمعدلات متقاربة وإن تفاوتت النتائج، لك أن تتخيل أن أول عملية زراعة أعضاء ناجحة تمت في ستينات القرن الماضي، لكن لم تنجح لفترة طويلة بسبب مهاجمة جسم المريض للعضو الجديد، ولم تشكل زراعة الأعضاء نجاحًا فعليًا بشكل ملحوظ حتى ثمانينات القرن الماضي عندما طور العلماء أدوية مثبطة للمناعة تساعد بشكل كبير على زيادة عمر العضو المزروع لسنوات عديدة.

كذلك عمليات القلب المفتوح لم تتطور بشكل ملحوظ إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى ذلك الوقت كان الاطفال المولودون بعيوب خلقية شديدة في القلب يموتون في أيام أو حتى شهور بعد الولادة، لكن التطور الحقيقي أيضًا لهذه العمليات ظهر في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي مع بدء عمليات قلب مفتوح بدون ماكينة القلب والرئة الصناعية، ويمكننا الآن أن نجد أطفالًا ولدوا بعيوب خلقية خطيرة في القلب وعاشوا بعد العمليات ليصيروا كهولًا ويبلغوا 40 و50 عامًا.

مع بداية الألفية الجديدة شهد الطب تطورًا مذهلًا في العالم النامي بالذات بفضل البعثات الخارجية للدول الغربية في إمكانية توفر أطباء مهرة يقومون بعمليات معقدة في الدول الأقل تطورًا وساهم هذا في ارتفاع أعداد سكان تلك الدول في فترات وجيزة، فأصبحنا نرى في مصر مثلًا جراحين مهرة يقومون بمختلف أنواع الجراحات الصعبة بمهارة تضاهي أمثالهم في البلاد الغربية، ولا يفرقون عن الخارج إلا في جودة المستشفيات وارتفاع إمكاناتها والاهتمام بالمرضى في فترة ما بعد العملية.

هذا بالنسبة للعمليات الجراحية المعقدة لكن حتى إن نظرنا لعمليات أبسط كالولادة التي تحدث منذ بدء الخليقة سنجد انخفاض نسبة موت الأمهات بنسبة عالمية تقارب النصف في الفترة من 1990 إلى 2015.

الأمر لا يتعلق بالجراحات فحسب، بل حتى مضاعفات الأمراض الباطنية والقلبية يمكن الآن التحكم فيها وزيادة أعمار مرضاها بعد الثورة في العقاقير الحديثة والتدخلات العلاجية غير الجراحية، وارتفاع مستوى الرعايات المركزة وزيادة أعدادها لتخدم عددًا أكبر من البشر، في بلدنا منذ 30 عاما مثلًا كان من الممكن جدًا أن يشعر مريض القلب بآلام في الصدر ويصاب بجلطة في شرايينه التاجية ويموت في بيته مع شح وسائل المواصلات وقلة المراكز الصحية المؤهلة، أو يموت حتى بعد ذهابه للمستشفى لعدم تشخيصه بشكل صحيح وعدم توفر الأجهزة الطبية الأزمة.

بدأت ثورة الطب في الدول النامية في بداية التسعينات وبلغت أوجها في بلد مثل مصر في بداية الألفية، وقتها كان تعداد المصريين لا يتجاوز 68 مليونًا، وكان الجنيه المصري محتفظًا بقيمة سوقية جيدة نسبيًا مقارنة بالدولار، لهذا كان متوفرًا العديد من الأجهزة والمعدات الطبية، ولم يشكل تقديم الخدمة الصحية وصيانة الأجهزة عبئًا كبيرًا على الدولة مقارنة بالوقت الحالي، وكانت النتيجة المنطقية لارتفاع جودة الخدمة الصحية هي ارتفاع عدد المواليد وقلة عدد الوفيات – زاد عدد سكان مصر الثلث في 18 سنة فقط – وصاحب هذا اضطرابات اقتصادية خسفت بقيمة الجنيه المصري مقابل الدولار، ففجأة وجدت المستشفيات نفسها تعالج ضعف ما كانت تعالجه من 30 عامًا مع عدم توفر موارد كافية لمواجهة هذا الهجوم المضطرد على العلاج المجاني – أو الشبه مجاني – من قبل جمهور متزايد وموازنة لا تضع الصحة في أولوياتها وضرائب قليلة وحتى عندما تزايدت لم تتوجه نحو القطاع الصحي بشكل كاف.

الحقيقة التي لا يدركها الكثير أن الخدمة الصحية المثالية مكلفة جدًا ومجانية الخدمة الصحية ليست بالشيء السهل أبدًا حتى في واحدة من أفضل الدول في تقديم خدمات صحية مجانية مثل المملكة المتحدة، فثمن هذا هو ضرائب باهظة على الشعب، ومع ذلك لا تزال تكدسات المرضى في الطوارئ والعيادات مشكلة والعمليات الاختيارية قد تستغرق شهورًا لبعض المرضى، وهم على قوائم الانتظار يعانون حتى تتم معالجتهم، في المقابل توجد الخدمة الصحية الأقوى في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها ليست مجانية إطلاقًا وبتكلفة فلكية وإن لم يكن المواطن يتمتع بغطاء تأمين صحي، فهو في خطر كبير، وقد يواجه الإفلاس إن مرض وارتفعت تكلفة علاجه.

إن حاولنا تلخيص كل ما سبق سنجد أن تطور الطب الحديث بشكل ثوري تم في آخر 60 عامًا مضت أو أكثر بقليل، قبلها كان العالم يرتع في عصور ظلماء بشكل حرفي يكفي أن تنتشر عدوى إنفلونزا بسيطة لتحصد آلاف الأشخاص، ويحكى أن أوروبا فقدت حوالي نصف سكانها بعدوى الطاعون في القرن الرابع عشر، هذا المرض الذي أصبح مجرد تراث طبي حاليًا ويمكن القضاء عليه بمضاد حيوي بدائي.

لهذا نجد أن المشكلة الصحية الحالية مشكلة متشابكة، أهم عامل فيها هو ارتفاع تكلفة الخدمة الصحية الحديثة بشكل لا يستطيع مواكبة الأعداد المتزايدة للسكان مضاف إليه عدم تقبل الإنسان الحالي للخطأ الطبي في حين منذ 30 عامًا مضت لم يجد نفس الشخص نفسه الخدمة الصحية أصلًا كي يتقبلها أو يرفضها، لكن الإنسان كعادته ينظر تحت قدميه ولا يقارن حاله بما سبق. وفي النهاية تجد الدولة والشعب يشيرون بأصابع الاتهام نحو الطبيب، كبش الفداء دائمًا بغض النظر عن كل ما قيل سابقًا، وكأن الناس لا تفكر، أو لا تريد حتى أن تفعل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صحة

المصادر

1-Lawrence H Cohn (2007), Cardiac Surgery in the Adult
4-بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء بمصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد