من المسلم به أن المعرفة العلمية باتت في تطور مستمر، والاكتشافات التقنية والأجهزة الحديثة تتوالى يومًا بعد يوم، وفي مقابل هذا التطور يجب أن تكون هناك حركة جادة للدولة في استقطاب كل ما هو حديث من أجل إشباع حاجة المواطن، والتي تمثل في النهاية المصلحة العامة، وإشباع هذه الحاجات يكون عن طريق المرافق العامة.

وإذا كانت المصلحة العامة تتطور بتطور الزمن كان لابد للمرافق العامة مواكبة مقتضيات هذا التطور لكي تستطيع تقديم الخدمات التي أنشأت من أجلها على أكمل وجه، وهذا ما يعرف بمبدأ التكيف المرفقي، أو مبدأ نوعية، أو جودة الخدمة المقدمة من المرفق العام، وهو من المبادئ المعروفة في القانون الإداري، في ضوء ما تقدم، هل يمكن الحديث عن وجود هذا المبدأ في القطاع الصحي في العراق؟ وهل يمكن للأفراد إجبار الإدارة لكي تلجأ إلى هذا المبدأ في حال امتناع الإدارة عن استقطاب كل ما هو حديث؟

بادئ ذي بدء اختلف الفقهاء في تعريف المرفق العام، إلا إن المضمون واحد، وهو النشاط الذي تمارسه جماعة عامة بهدف إشباع حاجة عامة من الحاجات التي تحقق الصالح العام، أو نشاط تتولاه الدولة أو أحد الأشخاص العامة الأخرى كالمحافظة، أو البلديات، أو المؤسسة العامة مباشرةً، أو تعهد به إلى الآخرين، كالأفراد أو الأشخاص المعنوية الخاصة، ولكن تحت أشرافها ومراقبتها وتوجيهها لإشباع الحاجات العامة لتحقيق الصالح العام، وبما أن المرفق الطبي تقوم به الدولة، أو تعهد بها إلى الأشخاص المعنوية الخاصة، وبما أن الغرض منها تقديم خدمات عامة، وحيث إنها تؤدي خدمات عامة الأمر الذي يترتب عليه خضوعها لمبادئ المرفق العام.

فالمرفق الطبي يدار، إما من قبل مستشفيات عامة، أو خاصة تخضع لرقابة وزارة الصحة، والتي أضحت تستخدم أدوية ومعدات متهالكة قديمة وغير مواكبة للأصول العلاجية، وخير دليل على ذلك هو استجواب وزيرة الصحة قبل عدة شهور، وبغض النظر عن نتائج هذا الاستجواب، إلا أن ما يهمنا هو ما كشفت عنه الوزيرة خلال جلسة الاستجواب، حيث كشفت عن قدم الأجهزة المستعملة، والتي يجب استبدال بها أخرى حديثة مواكبة للتطور.

إن جميع ما ذكر من أضرار قد تصيب المواطن نتيجة عدم مواكبة المرفق الطبي للتطور التكنولوجي تكون مسؤولة عنها الإدارة بالدرجة الأولى ولعدة أسباب:

أولًا: إن الدولة ملزمة بضرورة توفر شروط الحد الأدنى من الأمان عند أبرام العقود الخاصة بتوريد المعدات إلى المستشفيات والمؤسسات الصحية، حيث يجب أن تكون تلك الأجهزة والمعدات ضمن المواصفات العالمية.

ثانيًا: نصَ الدستور العراقي لعام 2005 في المادة (31) على أنه: أولًا: لكل عراقي الحق في الرعاية الصحية، وتعني الدولة بالصحة العامة، وتكفل وسائل الوقاية والعلاج. ثانيًا: للأفراد والهيئات إنشاء مستشفيات أو مستوصفات أو دور علاج خاصة، وبإشراف من الدولة، وينظم ذلك بقانون، وبالتالي فإن من واجب الإدارة حماية الصحة العامة كنشاط ضبط إداري يتحتم عليها أن تتخذ كل الاحتياطات اللازمة لمنع وقوع أضرار صحية وتقصيرها بالإشراف والرقابة يحملها مسؤولية كاملة.

في كل ما تقدم هنالك سؤال يقدح في ذهن المواطن ما الحل الذي يمكن من خلاله تلافي مثل هذه الأضرار؟ الحل هنا يكمن في أمرين:

أولًا: إذا كان المرفق يدار من قبل أشخاص خاصة (مستشفيات خاصة)، فإن الأفراد لا يمكنهم الطلب من الأشخاص الخاصة مباشرةً التدخل لصالحهم كون الرابطة التي تربط بين الأفراد والمؤسسات الصحية الخاصة هي رابطة عقدية بالتالي تحدد الشروط مسبقًا في العقد، إلا أنه يمكن للأفراد أن يطلبوا من الإدارة التدخل لصالحهم؛ كونها مسؤولة عن الرقابة والتوجية على المؤوسسات الخاصة، وفي حالة امتناع الإدارة عن التدخل لصالحهم يمكنهم اللجوء للقضاء الإداري على اعتبار أن قرار رفض التدخل هو قرار سلبي، وقد فعل القضاء الإداري المصري مثل هذا الأمر، حيث ألزم الإدارة في حكم حديث بتشكيل فريق طبي لمعالجة الأطفال المرضى بالشلل الدماغي بأحدث الطرق الحديثة واستبدل بها التقليدية. انظر هذا الموقع.

ثانيًا: أما اذا كان المرفق الطبي يدار مباشرةً من قبل الإدارة (وزارة الصحة) فيمكن اللجوء إلى مجلس الوزراء؛ كونه المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة للدولة لإجبار وزارة الصحة على إصدار قرار يقضي باستبدال المعدات القديمة بمعدات علاجية حديثة حيث نصت المادة (80) من الدستور على أنه رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي عن التنفيذ المباشر عن السياسة العامة للدولة، والخطط العامة، والأشراف على عمل الوزارات، والجهات غير المرتبطة بوزارة، وفي حالة امتناع الوزارة عن إصدرا مثل هذا القرار فلمجلس الوزراء إقالة وزير الصحة بعد موافقة مجلس النواب؛ حيث نصت المادة (78) من الدستور على أنه يمارس مجلس الوزراء الصلاحيات الآتية: أولًا تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة، وله الحق في إقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب، وكذلك أيضًا يمكن الطعن على قرار الإدارة أمام محكمة القضاء الإداري في حال امتناع المؤسسة الصحية الحكومية عن الاستبدال بالأجهزة الطبية التي أكل عليها الدهر وشرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد