يسابقون عزرائيل الذي يعمل (قابض أرواح مقيم) في الاستقبال فيحاولون أن ينقذوا المريض من يد عزرائيل بأي شكل حتى لو استلزم الأمر الدخول لغرفة الإنعاش لإنقاذه من رغبة عزرائيل طمعًا في رحمة الله، من يفعل ذلك ليست الملائكة بل بشر بثوب الملائكة وروح تتشبع بالرحمة، فوظيفة الطبيب كما هي محاولة الإنقاذ، أما أن يطول عمر المريض أو يقصر فهذا بيد الله وحده، هذا مشهد ستراه في كل لحظة ستقفها في استقبال الطوارئ المعد خصيصًا لاستقبال حالات الحوادث والحالات الحرجة من جلطات وكسور وغيرها!

فالعمل في الاستقبال سيكسبك مفاتيح كثيرة أهما النفسية منها، فتستطيع من نظرة وبدون كلام أن تفهم ما يجري وأحيانا السبب في وراء ما يجري منها مثلا،في إجرائك الفحص ستعرف من يعاني من ألم حقيقي و المتمارض وغيرهم!

فالطب هدفه باختصار أن تعيش حياتك اليومية المعتادة دون ألم وبشكل سليم صحيح، أما إطالة العمر أو تقصيره ليست من اختصاص الطبيب فالطبيب ليس ساحرًا ولا منجمًا ولا يملك عصا سحرية!

فهؤلاء (الأطباء) بشر أم ملائكة لا يشربون ولا يأكلون ولايقضون حاجتهم كما يفعل باقي البشر ولكن لا مانع لديهم من أن يعتدوا على من يعتبرونهم ملائكة ويسبونهم بألفاظ خادشة للحياء، بل ويحاول أن يتدخل في عمل الملاك ظنا منه أن هذا الملاك غير مؤهل لخدمته!

عدد الأيام الكاملة التي اعمل بها داخل المستشفى ولا أفارقها تصل إلى 24 يومًا كاملًا (24 ساعة كاملة لا راحة فيها يتكرر الأمر لمدة 24 يومًا في الشهر) هكذا تحدث لي صديقي الطبيب أسامة ناجي عن المأساة التي يعيشها كل طبيب مقيم مُوجهًا الحديث لي لكي أستمتع بأيامي الباقية قبل سنوات التكليف والنيابة التي تلتهم الوقت والنفس وتصادر الأحلام ولكن ما الذي يجعل الأطباء يتحملون كل هذا، إنه شيء لا يعرف إلا من عايشه من أهل الرحمة!

تلك المستشفى التي تعج يوميا بمئات المرضى المرهقة أرواحهم يرافقهم الواحد منهم العشرات ثم ينتهي الأمر إما بحجز من يتطلب الرعاية وإعطاء العلاج المناسب للآخرين أو توجيه البعض الآخر للبحث عن مكان خارج المستشفى لعدم توافر أسرة رعاية، المكان يُسجل أنات المرضى، صرخات المرافقين، المكان يسجل الدعاء، المكان يسجل التوسلات لله بطلب العلاج والدعاء على من يهملهم في تلقي العلاج والدعاء لمن يقف معهم، جنبات الطريق للمستشفيات وجدرانها شاهدة على أدعية وتقرب لله أكثر من جدران المساجد، فادخلوها برفق ونفوس منكسرة لله، فهواؤها يحمل أرواح عليلة وأخرى معلقة وأخرى ذهبت لخالقها، كل هذا حبيس تلك الحوائط وذلك العراء في المستشفى لتجد أن الطيب من العاملين يتكون حوله هالة من الطاقة الإيجابية فيحبه الناس جميعًا وتنفتح النفوس له تلك الهالة من هذا المكان الذي يحتفظ بكل شيء عن أي شخص، والله إني لأشفق على طبيب العنايات المركزة والإنعاش لأن أجسادهم منهكة ولكن أرواحهم تشاهدك وأنت تحاول إنقاذ جسدها وبعض الأرواح عنيدة لا تغفر لطبيب أنه قصر في عمله لأي سبب وتستعد لانتقام منه!

هذا المكان عجيب يوجد فيه كل شيء إنساني وكل شيء غير إنساني فيه الآلام والهموم ولطف الله الخفي والطبيب الذي يحاول أن ينقذ المرضى لينفذ رحمة الله وعزرائيل الذي يقبض الأرواح التي انتهت أعمارها لينفذ أيضًا أمر الله وفيه أيضًا مرافقي بعض المرضى يهدون إليك ببعض الدعاوي الإضافية ظنًا منهم أنك تبخل بالرد على استفساراتهم التي لا تفسير لها سوى ”الوهم“، حقيقة لا أرى في داخلي أي نشوة عند سماع تلك الدعوات على سبيل الرشوى الدينية ولكن ستظل مقبولة عندما تجد أحدهم داخلًا الاستقبال مطلقًا العنان للسانه ليتلفظ بما لذ وطاب من الشتائم المصحوبة بذكر أعراض جنسية للمشتوم، ستجد فيه أيضًا غير الإنساني ولكن بشكل أكثر فظاظة فهذا الشخص الذي يحث الأطباء لإسعاف زوجته ثم يبخل عليها بالتبرع بالدم، الأمر ليس مرض انفصام سلوكي ولا أي مرض نفسي، الأمر يتكرر دائمًا عندما تصاب الزوجة بفشل كلوي ويبخل الزوج والأقارب بالتبرع لها لإنقاذها وفي المقابل تتبرع الزوجة عندما يمرض الزوج، ومواقف كثيرة تحدث في كل يوم في المستشفيات، والابن الذي يريد أن يتبرع بالدم لأبيه ثم يتهمون الأطباء بالتقصير، فأحد المرات رأيت من مرافقي بعض المرضى السباب للطبيب لأنه قصير القامة والدكتور في رأيه لابد أن يكون طولًا بعرض، منتهى اللا معقول!

لقد تمسك الأطباء كثيرا بأخلاقيات ملائكية إلى أن ترسخ في أذهان الناس بأنهم ملائكة فعلًا، وأصبح الطبيب وخاصة الطبيب الشاب أمام منعطف بأن يسلك مسلك البشر الذي له حقوق مادية ومعنوية للأكل والشرب والزواج أو مسلك الملائكة فتتخلى عن كل شيء، في ظل وجود من لا يحترمون الملائكة ولا يقدرون البشر ستظل تلك المشكلة حصرية للأطباء فلا هم أهل سلطة ولا أهل بطش ولا أهل عصمة عن الخطأ والزلل، ولكنهم أهل رحمة، أهل رحمة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد