دخلت الطبيبة الشابة فجر العادلي التاريخ عندما استطاعت بمفردها كسر أنف قائد الانقلاب الدموي في برلين، الأمر الذي أثلج صدور الملايين من داعمي الشرعية في مصر والحرية في العالم، ولكن المفارقة الملفتة للنظر أن فجر لم تدخل التاريخ من باب الطب، إنما دخلته من باب الصحافة، مع أنها لا تزال منتسبة لطائفة الهواة فيها. ولا داعٍ للإشارة إلى موقف العالم الرافض لتوقيف السيد أحمد منصور في مطار برلين.

لا شك أن التوجهات التعليمية السائدة بيننا تحتاج إلى مراجعة، فعقيدة أن كليات الطب والصيدلة والهندسة هي كليات القمة التي يجب أن يبذل في دخولها الغالي والنفيس أثبتت أنها عقيدة فاسدة يجب تغييرها، هذه العقيدة التي حولت صفوة العقول الحرة أسيرة أعمالها اليومية وعطلت في سبيل ذلك أي فرصة للتفكير أو إعمال العقل في الشئون العامة.

صحيح أن هذه المهن توفر لأصحابها حدًّا أدنى من الدخل وفرصًا أفضل في العمل والزواج وغيرها، وأعذر أولياء الأمور في الإصرار على هذا التوجه لأن المجتمع عمومًا تم تشكيله في هذا الاتجاه، ولكن إذا اجتهد كلا الطرفين أولياء الأمور والأبناء في الكليات الأخرى اجتهادهم في هذه الكليات كان الناتج مبهرًا حقًّا، فخريجو كليات التجارة والحاصلون على ماجستير إدارة الأعمال من جامعات دولية – على سبيل المثال- فرصهم لا تقل جودة عن خريجي الطب والهندسة مع فارق المجهود والنفقات.

 

لقد تبنت الحكومات الاستبدادية على مر العصور إظهار هذه العلوم بهذا المظهر البراق ليخلو لها الجو في استعباد شعوبها، وليس أدل على ذلك من التوسع في مدارس تعليم الطب والهندسة في الجامعات العربية فلا تكاد تخلو جامعة مصرية – على سبيل المثال- من كليات الطب والصيدلة والهندسة، وفي مقابل هذا التوسع انحسرت مدارس الاقتصاد والعلوم السياسية والإعلام ومثيلاتها، كما أن محاربة العلوم الأخرى يكون بعدم توفير وظائف لحاملي شهاداتها والتحقير من شأنهم ولن تخطئ العين المعاناة التي يلقاها خريجو كلية الآداب قسم الاجتماع على سبيل المثال.

يقول الكواكبي في كتاب طبائع الاستبداد “لا يخاف المستبد من العلوم الصناعية محضًا لأن أهلها يكونون مسالمين صغار النفوس، صغار الهمم، يشتريهم المستبد بقليل من المال والإعزاز”، هذا الكلام وإن كان مستهجنًا للوهلة الأولى إلا أنه وبلا شك يصف الواقع، فأصحاب هذه المهن يصلون الليل بالنهار عبيدًا لمهنتهم، وبعيدًا عن الجدل بخصوص أهمية هذه المهن، فلا بد من توفير جزء من الجيل القادم من أبنائنا لدراسة العلوم المؤثرة فعلًا.

مرة أخرى يقول الكواكبي: ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم، وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس وتوسع العقول وتعرف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ، وأخوف ما يخاف المستبد من أصحاب هذه العلوم المندفعين منهم لتعليم الناس بالخطابة أو الكتابة.

كل ما أريده ألا نتسرع في الحكم على هذه الفكرة وإعطاء العقل فرصة للتمعن فيها والتكيف معها، الفكر الثوري يبدأ من هنا وقد حان وقت الثورة على الطب والهندسة وكافة الأفكار التي حولها طول الزمن إلى عقائد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد