عندما يتعلق الأمر بالمرض؛ فإن الإنسان لا يجد نفسه إلا متطلعًا للاستشفاء، وإزالة ما لحق به من أعراض لم يعتدها، حتى وإن كان مرضه كامنًا بغير ما آلامٍ إلا أنه يبادر إلى كل دواء يمكن تحصيل الشفاء به، فلا يترك بابَ رجاءٍ لا يطرقه، وبين دواءٍ موصوف ووصفة دواء يتردد أمل المريض بين هذا وذاك، ولا يتردد هو في إصراره على الشفاء.

تحت المجهر

فالدواء وإن كان يحمل اسمًا علميًّا، ويضم مادة كيميائية به إلا أنه لا يكونُ دواءً في جسم المريض إلا عندما يكونُ دواءً في عقله أولًا.

فأثر الدواء وتأثيره موجودٌ في عقل المريض قبل أن يكون في حقنةٍ مدفوعة، أو قرصٍ مدوَّر، أو شربةٍ لاسعة. وكم من متداوٍ بدواء لم ينَل به شفاءً لأنه جازعٌ فيه؟

ولا يخفى على القارئ – مما يعاينه في يومياته- صدق هذا الأمر، فكثيرًا ما نجد إنسانًا ينتقل من دواءٍ إلى دواء حتى يعتريه الملال واليأس من بُرئه، وفجأة يتعلقُ شفاؤه على كوبِ عشبٍ ساخن كالينسون أو النعناع تُحضِّره له زوجته/ ابنته لكن تقلِّبُ معه بلسانِها بضع كلمات آملة في الشفاء، ومحفزةٍ للأمل، تلقيها على مسامعه؛ فيتثبَّت ويطمع في الشفاء؛ ويُشفى!

فالمريضُ عندما يغيرُ دواءَه، فإنه في الحقيقة يغيرُ طبيبه، ودور الطبيب يقوم على إدخال أمل الشفاء من الدواء المعين في نفس المريض، فإيمانُ المريض في دوائه هو دواؤه.

الخداع بالدواء

جرت دراسة في جامعة «Plymouth» على مجموعة من الطلاب لاختبار درجة التركيز والمهارات الإدراكية، عُرِضَ على الطلبة أكواب القهوة بنسب كافيين معلومة، وذلك قبل الاختبار الذي كان عبارة عن بعض المسائل الرياضية والاختيارات المنطقية. في أحد المرات تعمدت اللجنة تقديم القهوة منزوعة الكافيين لجواب السؤال التالي: «هل الكافيين فعلًا هو الذي يؤدي إلى زيادة اليقظة ويرفع كفاءة المهارات العقلية؟».

وبالفعل لم تتغير النتائج كثيرًا، وخرجوا باستنتاج أن إيمان واعتقاد الطلاب في قدرة الكافيين وآثاره هي التي تؤثر في عقولهم وليس الكافيين نفسه ولا آثاره الفعلية.

دور الشعور في تحسين المرض العضوي

ويُحكى أن طبيبًا فارسيًا شهيرًا ويُدعى «رازيس» كان قد استُدعيَ لمعالجة أمير من أمراء فارس ويُدعى الأمير منصور، وكان هذا الأمير يعاني من الروماتزم في مفاصله، والذي لم يكد ينجح أحدٌ من أطباء قصره ولا عصره في تقريب الشفاءِ إليه. حاول رازيس الطبيب طرق العلاج المختلفة التي كانت معروفة لديهم آنذاك، إلا إنها جميعًا ذهبت أدراج الرياح، حتى قال للأمير: «سوف أحاول طريقةً جديدةً في العلاج غدًا، ولكنها سوف تكلفك أفضل جوادٍ وأفضلُ بغلٍ في اسطبلاتك»، فوافق الأمير بلا تردد ووضع الجواد والبغل تحت تصرفه، فأمر رازيس بالأمير على الجواد وركِب هو بغلته وساق بهم إلي خارج المدينة. حتى وصلوا إلى موضعٍ بعيد فيه كوخٌ كان قد أُعِدَّ فيه حمامٌ ساخنٌ للاستشفاء.

لكن ما أن وصلا إلى الكوخِ، ولم يكن معهم أحدٌ، وكان قد ربط حصان الأمير إلى شجرة، فإذا برازيس الطبيب يُخرجُ سكينًا ويهدد به الأمير داخل الحمام، بأنه سيقتله طمعًا في ملكه وماله، وفجأة قام الأمير على قدميه بقوة بالرغم من عجزه السابق، وهرب الطبيب رازيس من أمام الأمير إلي مدينة أخرى، ثم كتب إليه: «إنني أيها الأمير لم أكن لأهددك بسكينٍ لولا أن علمت أن في ذلك دواءك، لقد أدركتُ أن أصل الداء هو نقص الحرارة الطبيعية فيك، فلجأتُ إلي العلاج النفسي، وعمدتُ أن أستثيرَ فيك شعور الخوف والغضب حتى تسخنَ مفاصلُك وتتحرك، وقد نجحت فكرتي عندما رأيتُك تقف على قدميك». اهـ

وقصةٌ أخرى رواها الطبيب ابن سينا، عن طبيب أحد الملوك يعالج امرأةً من حاشية الملك، كانت تعاني من تورم في المفاصل، فلمَّا لم تجد معها وسائل العلاج التقليدية، لجأ أيضًا للعلاج النفسي؛ إذ استعان في علاجه بانفعال الخجل، فبدأ يخلع عنها ملابسها، بدأ بالبرقع ثم الفستان، وما إن وصل إلى هذا الحد حتى سرت الحرارة في جسد المريضة وبدأت تدافعه عن نفسها. (1)

من الداء إلى الدواء

لقد تطور علم العقاقير وظهر ما يُسمى بـ «بلاسيدو» أو الدواء الكاذب، وهو جرعة مادة غير مؤثرة في المرض يصفها الطبيب للمريض ويحثه على ضرورة الالتزام به لأنه العلاج الوحيد، وبالتالي تتعلق جُل آماله به، ويؤمن فيه، وهو لا يعلم أنه بلا أثر ولا يحمل أي خصائص علاجية، فيحصل له الشفاء من دواء فعلي. فـ«بلاسيبو» يعتمد على الحالة النفسية للمريض لمعالجة مرض عضوي.

ولهذا تُعد الحالة النفسية للمريض أساس علاجه، وأهم عناصر هذه المنظومة، فإيمان المريض في الشفاء، هو الذي يشفيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد