إلي من يهمه الأمر.. خريج الطب.. مفلس معلوماتيًا وماليًا.. مفتقد القدوة والتوجيه.. عاريًا بلا منظومة..!

 

المُقدمة والإشكالية(1):

عندما يصل طالب الطب إلى تلك المرحلة الدراسية في كليته وهي السنة الأخيرة (السنة السادسة)  التي تعقبها سنة تدريب في أحد المستشفيات الجامعية، والذي يطلق عليه في تلك المرحلة مشروع طبيب أو طبيب مستقبلي، يشعر حينها بشعور مخيف حول مستقبله الذي ظل منذ صغره يعد له ولكنه يشعر أنه أمام سراب لا نهاية له، بدءًا من عدم وضوح المنظومة لتي سينتمي إليها ثم إلى متطلبات تلك المنظومة، خلافـًا عن حياته الشخصية ومتطلباتها المالية الكثيرة التي تحتم عليه أن ألا يقل دخله الشهري عن حد معين على أقل تقديرًا لوضعه الاجتماعي.

تلك العيون الساهرة المتعبة التي تنتشر الهالات السوداء تحت أعينهم والأجساد التي لم تعرف الراحة سبيلاً إليها والروح التي لم تعرف للشباب طعمًا غير الجد والاجتهاد لهم أولى للإجابة على تساؤلاتهم المشروعة.

ولكن لن نتساءل تلك المرة عن المطالب المالية المشروعة والتي هي بالتأكيد أقل من أية مهنة في الدولة، ولا تليق بمن يطلق عليهم ملائكة الرحمة إلا إذا كان هناك ملاك رحمة يمد يده للناس ليطلب المال ثم يعود إلى عمله سعيدًا!

ولكن الآن سنتكلم عن تلك المنظومة التي يسأل عنها في مثل عمري من هم أكبر منهم من الأطباء ولا يجدوا إلا ضبابًا ويا ليته ضباب أبيض تنقشع غيومه ولكنه ضباب أسود تختلف فقط درجة قتامته!

وتبدأ تلك التساؤلات بأن طالب الطب يقع بين مطرقتين، إحداهما “تحصيل المادة العلمية” والأخرى “حساب ما تم تجميعه من درجات” ليكون مؤهلاً أن يشغل مكان أكثر اهتمامًا بالعملية التعليمية الإكلينيكية فيتحول الطالب من متعة تعلم الطب إلى جمود تحركه حول تجميع الدرجات وحسابه ويكون همه الأول والأخير كيف أن يتحصل على درجات ويجمعها معًا فيخرج من الست سنوات طب متقنـًا للعمليات الحسابية والطرق التي تنتهي بكل عملية حسابية للمكان الفلاني الذي سيجد فيه تعيينه؛ فيكون همه الحساب لا الطب، الأمر ليس فُكاهيًا، ولكنه واقع مرير نتعلم فيه “كيفية تجميع الدرجات والأشطر هو من يجمع أكثر” فيصير الطالب كأنه سيصير مُحاسبًا وليس طبيبًا مُصابًا بالإفلاس المعلوماتي ويتقن أكثر ما يتقن “الرياضيات”!.

فيواجه بضعف في المنظومة التعليمية يتطور إلى انزواء عن التعليم على أمل أن يلتقي بأستاذ بعد تخرجه ليعلمه كيف يفحص المريض ويتعامل مع مرضه بعد أن جنى بحفظه للمواد درجات عالية مكنته من مكان متميز من وجهة نظره.

وتستمر التساؤلات من المسئول عن بزوغ نجوم الدروس الخصوصية وظهورها في كليات الطب لتلخيص المعلومات الطبية التي ستؤهل هذا الخريج ليعرف المرض الذي يعاني منه المريض ويكتب له الدواء المناسب؟! على الرغم أن الطب كالفقه لا يصلح كرؤوس عناوين، بل تصبح الملخصات هي المسيطرة والمقدسة ونهاية المطاف لا هي تفي بغرض الامتحان أو لغرض التعلم عمومًا فيصاب الخريج بالإفلاس المعلوماتي!

وهل سننضم إلى منظومة سواء تابعة للنظام الجامعي أو إلى وزارة الصحة لكي نتعلم ممارسة الطب الصحيحة التي تحفظ حياة الناس أم سنضطر إلى الجري وراء العلم الزائف الذي يتضمن حفظ أسماء أدوية ومسكنات لكل مرض وإعطائه للمريض عملاً بمقولة إذا فاتك العلم فلا تترك المال يذهب كهذا فنتحول تدريجيًا ولا إراديا من مهنة سامية إلى مهنة غير أدمية؟!

هل سيجد الطبيب الشاب أيًا كان مكان تعيينه أستاذًا أكبر منه يعلمه كيف ينفع الناس لا أن يضرهم بجهله؟ يعلمه معنى الإنسانية قبل الطب ويكون سندًا للطبيب وخاصة الطبيب الشاب في بداية حياته المهنية التي تأخذ بيده للتعرف والتأقلم على تلك المنظومة أم سنجد القوانين فقط عبارة عن عقاب دائم للطبيب؟

هل سنجد هيئات كالنقابة للحفاظ على هيبة الطبيب بدءًا من حمايته من الضرب من أهالي المرضى في استقبال المستشفيات إلى تعسف بعض الدكاترة ضده؟ أم أننا سنجد قوانين دون هيئة تدافع عن القوانين أو نجد العكس أم سنجد الاثنين معًا!

تقول الأسطورة إن القانون والهيئة لا تجتمعان معًا لكي يستمر الوضع الحالي كما هو عليه.

وتساؤلات كثيرة في صميم المنظومة المهنية فالكل في مثل سني يخشى تلك الصورة المطبوعة في مخيلتنا عن ذاك الطبيب الذي تم تعيينه كنائب في مستشفى جامعي ويواجه صعوبات شديدة في عمله وعمل ليل نهار مقابل راتب لا يكفي بيته وزوجة لا يراها إلا صدفة.

أو ذاك الطبيب الذي ألقاه حظه العاثر في إحدى الوحدات الصحية المتهالكة كما نسمع ممن تم تعينهم فيها، ولا يجد أحدًا يعلمه ممارسة الطب الصحيحة فيجري وراء العلم الزائف ليلحق بركاب المال!

نحن وبكل موضوعية أمام وضع بائس لا يختلف عليه من يعلمه حق العلم فكل من هم في مثل وضعي يفكرون في الجحيم المقبلون عليه، أيكون الخلاص منه هو ترك الوطن إلى بلد آخر لمعالجة مرضى من غير شعبه وخدمتهم؟

أم الخلاص يكون على هيئة إعادة هيكلة لكل تلك المنظومة!

أيأتي وقت لكي ينتهي ذاك البؤس الذي يحتم عليك الاختيار بين سيئ وأسوأ ويتحول للاختيار بين نعيم ونعيم آخر؟

هل ستنتهي تلك التساؤلات المشروعة التي تتردد بين من هم في مثل وضعي إلى إجابات على أرض الواقع؟

هل سيُجيب على تلك التساؤلات أحد؟ بلغة أهل الباطنة “انتظر وتابع”، وسننتظر ولكن…!

أم سنرجع لمقولة الأسطورة : “الحال سيبقي على ما هو عليه والمتضرر اللجوء للمطار”!

 

المُستقبل المرسوم حديثًا(2):

في تقرير مجلس الوزراء الذي عقد يوم الثلاثاء 19 يناير وافق المجلس على إنشاء الهيئة المصرية للتدريب الإلزامي للأطباء، وذلك بحيث تهدف الهيئة إلى تطوير مستوى التدريب الطبي السريري لخريجي كليات الطب وامتحانهم للتحقق من استيفائهم للتأهيل الكافي للممارسة الطبية الآمنة.

 

وتختص الهيئة بما يلى :

أولاً :وضع المواصفات القياسية لمحتوى التدريب الطبي التخصصي على مختلف المستويات.

ثانيًا: وضع مواصفات المؤسسات الطبية التي تملك مقومات التدريب في الطب بتخصصاته المختلفة واعتمادها والمراقبة المنظمة لمستوى التدريب بها.

ثالثًا: وضع أسس تقييم الأطباء للتأكد من استيفائهم التدريب الملائم، ويشمل ذلك عقد الامتحان القومي للتأهيل لمزاولة مهنة الطب، وعقد الامتحانات القومية لقياس استيفاء التدريب للتخصص في فروع الطب المختلفة.

رابعًا: إصدار أية شهادات مهنية واعتمادها في تخصصات دقيقة، وتعتبر الشهادات التي تصدرها الهيئة في هذا الشأن من مسوغات الترقية.

وأنا هنا لن أعرض وجهة نظري الشخصية ولكن سأعرض تفصيليًا وجهة نظر “النقابة” التي أرفقته مع الخبر الوارد على موقع النقابة وآراء مجمعة لبعض الدكاترة الخبراء في هذا المجال:

وفيما يلى نعرض للنتائج السلبية التي قد يترتب عليها عقد ما يسمى الامتحان القومي للتأهيل لمزاولة مهنة الطب :

1 – هذا الامتحان لا يمكن أن يؤدي لأي تحسين لمستوى التدريب الطبي العملي لخريجي كليات الطب، ولا يمكن أن يضمن لهم الممارسة الطبية الآمنة، طالما لم نعالج الأسباب العديدة المعروفة لقصور التدريب العملي والإكلينيكي لطلبة الطب خلال 6 سنوات الدراسة وخلال السنة السابعة للامتياز بعد تخرج الطبيب، حيث تهدر سنة الامتياز المخصصة بالأساس للتدريب العملي في تسخير الأطباء لنقل الأشعات وأكياس الدم من قسم لقسم في المستشفيات الجامعية مترامية الأطراف وهي مشكلة قديمة ومزمنة، ولها حلول عملية، ولكن للأسف يترك أطباء الامتياز بلا نظام محكم للتدريب، ليجدوا أنفسهم في النهاية أمام محاولة لفرض “امتحان قومي” جديد عليهم !

والسؤال هنا: ماذا سيضيف هذا الامتحان القومي لعشرات الامتحانات التي عبرها هؤلاء الأطباء أثناء دراستهم؟

وهل يمكن أن تكون له أية قيمة في تحسين مستوى التدريب السريري أو ضمان ممارسة طبية آمنة؟

2 – إن ربط ممارسة المهنة بهذا الامتحان، يفرض على الأطباء حديثي التخرج رسوم جديدة تدفع لهذه الهيئة المفروضة علينا فرضًا “هيئة التدريب الإلزامي للأطباء”.

3 – لا نفهم تحديدًا ما هو مصير الخريجين اللذين لم ينجحوا في اجتياز هذا الاختبار؟ هل سيمنعون من ممارسة المهنة للأبد؟ أم سيطلب منهم حضور دورات تأهيلية تقدمها الهيئة الجديدة، بمقابل مادي باهظ، للحصول على التدريب المؤهل لاجتياز الدورة؟

4 – إن ربط ممارسة الطب بهذا الامتحان يفتح الباب وفقـًا للجزء الخاص بتحرير الخدمات في اتفاقيات الجات لمنافسة أي طبيب من أية جنسية غير مصرية، للأطباء المصريين، مما قد يترتب علية قدوم أطباء من مناطق فقيرة مثل جنوب شرق آسيا أو أفريقيا، لمنافسة شباب الأطباء في فرص العمل داخل مصر.

وتؤكد النقابة العامة للأطباء أن هذا القرار الوزاري لا يستطيع أن يلغي قانون النقابة الذي يمنع ممارسة الطب في مصر إلا لمن تجيزه نقابة الأطباء.

وهذا كان قرارًا من قرارات وزارة الصحة لتجنب الوقوع في فخ ومصيبة الإفلاس المعلوماتي لحديثي الخريجين فيتم معالجته بقرارات لا تأتي نتيجتها إلا بهروب حديث التخرج بما بقي من عمره وصحته ليتعلم من جديد خارج البلاد، أو ليجلس في البلد يتعلم بعض المهارات الطبية ليتكسب منها ليستطيع أن يحيا في حلال من أجل ألا يخسر دنياه وآخرته!

ويصبح حديث التخرج:

مُفلسًا معلوماتيًا وماليًا، مُفتقد القدوة والتوجيه، عاريًا بلا منظومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كلية الطب
عرض التعليقات
تحميل المزيد