قبل أكثر من عشر سنوات وفي مدارس الإعدادية كنت أتميز بفصاحة لغوية تخولني لتقديم نشاطاتها والنشاطات الولائية، وتجعلني أحصد في ختامها قبولاً طيبًا ومدحًا وتشجيعًا على المضي قدمًا في مجال الإعلام.

تنامت الفكرة الصغيرة في رأسي وبدأت أتأقلم معها وأتعايش لتصبح مع المرحلة الثانوية جزءًا لا يتجزأ مني لكنها بدأت تأخذ بعدًا آخر، بدأت تأخذ شكل القضية التي أعيش لأجلها، أو لربما بدأت رغبتي الداخلية في تبني قضايا هذا العالم ومحاولة تغييرها بطريقتي الخاصة تطغى على خياراتي وبدأت أجد للصحافة والإعلام البعد الذي يتناسب معها، وبدأت الأحداث السياسية في العالم تصقلها أكثر وتوجهها نحو منطقة معينة ليزداد تشبثي بها أكثر.

ذات فاجعة فقدت شخصًا مقربًا جدًا مني بسبب خطأ طبي فادح، الشخص الذي كان يشجعني على خوض هذا العالم وخلق ميلاد جديد له، خلق شخصية جديدة من شأنها أن تغير نظرة الرأي العام للمواضيع والعناوين والأسماء.

كان يشجعني لأكون ما أنا عليه، ولتأدية ما أحبه بطريقتي الخاصة، ليعلم الجميع لاحقـًا أن الصور النمطية مجرد وهم يتعلقون به رغبة في إرضاء من حولهم ويتخلون عنه أيضًا نقصًا وضعفـًا منهم ليحاولوا تبرير ذلك أمام العالم لاحقـًا.

احتضن التراب جسمه وكنت حينها لم أصل بعد إلى آخر سنة لي في الثانوية، وتلقت والدتي بعدها جملة من الصدمات أثرت على صحتها، وكنت خارج دراستي أتنقل معها بين المستشفيات الحكومية والخاصة منها، وأرى كل الذي يحدث، «لدينا ما يكفي من الأطباء الذين لا يعبأون بمصائر الناس»، لدينا الكثير منهم، لذلك على أحدنا أن يقلب هذه الطاولة، أن يمزق هذه الصورة أو على الأقل أن يضيف لونًا زاهيًا ولو على إطاره، على أحدنا أن يحاول أن يكون طبيبًا يعبأ لمصائر الناس.

الإعلام كان يخدم ذلك الهدف لكن دخوله والتمسك به بالنسبة إلى فتاة من بيئة محافظة لم يكن تحديًا يرضي غروري، لم يكن تحديًا يرضي شغفي للنضال في سن المراهقة حينها.

لكن الفكرة بدأت في الاتساع كالورم، بدأت أتقرب من الأطباء شيئًا فشيئًا، من عالمهم الخاص وعملهم فوجدت أن الطب تكليف، وأن التشريف الذي يعاتبون عليه ليس في الحقيقة إلا تحصيل حاصل.

في نهاية المطاف، أخذت قراري، دخلت كلية الطب بتقدير «جيد جدًا» وتوقعت أنها ستكون كما تخيلتها

منصة التغير من أول يوم، لكننا جميعًا، في سنتنا الأولى في تلك الأرض المقفرة من شرق العاصمة الجزائرية، تلقينا تضييقـًا وعقبات خرافية.

السداسي الأول كان جحيمًا بالنسبة لنا، كل تلك المصطلحات والمجلدات التي كان علينا مراجعتها وإتقانها، وكل أولئك المطبلين الذي  وضعوا هنا فقط ليجعلوك تتعثر.

تخلّى البعض منا عن مقعده وقرر أن يجد له بديلاً آخر، بديلاً يتلاءم مع كفاءاته وشغفه، بديلًا يكون مناسبًا له، لم يترك أحد الطب لأن الطب كما يعتقد الجميع، من تركه، تركه لسبب شخصي، سبب وحده يستطيع أن يتفهمه، ودعمناه في الانتقال إلى تربة خصبة من شأنها أن تساعده على الإزهار أكثر مما قد تفعله كلية الطب به.

بعد مضي سنتين من الدراسة بدأت أفكر في صحة خياري، أيعقل أنه كان قرارًا غير ناضج؟
مع اقتراب المرحلة التي يجب فيها علي كطالب طب الالتحاق بالمستشفيات الجامعية، وقضاء ليلة كاملة خارج غرفتي وسريري، قضاؤها في قاعة باردة ذات لون أبيض، لا شيء فيها سوى رائحة الكحول وأصوات الأنين؟

لكن الشيء الوحيد الذي ساعدني حينها، هو الشغف الذي كنت أحمله في داخلي لتلك المهنة، نظرتي لها ويقيني أن قناعة مماثلة لا يجب عليها أن تضمحل أو تخفت.

الشخص الذي كنته لم يشبه يومًا صورة طلبة الطب الذين يتحدث عنهم المجتمع، أولئك الذين يرتدون نظارات طبية ويحرصون على تناول وجبات غذائية، يقضون جل وقتهم بين كتب التخصص، يحملون مجلداتهم ولا يجيدون فعل أي شيء سوى الحديث عن تخصصهم ومرضاهم والانحشار في زوايا مكاتبهم
بدأ الخوف من أن أصبح مسخًا مبرمجًا على الدراسة فقط أو العمل فقط دون أي دافع داخلي أو إنساني يتملكني، ووجدت كثيرًا من دفعتي يحملون في داخلهم ذلك الخوف ويعملون بإصرار للتغلب عليه قبل أن يحل بهم.

مرت سبع سنوات على التحاقي بكلية الطب، لكل سنة إنجازاتها الخاصة وذكرياتها الرائعة، التخطيط الجيد كان رفيقـًا طيبًا لأغلبيتنا، السفر ومشاهدة الأفلام والمطالعة كانت فاكهتنا التي نلجأ إليها عندما نتعب
لعلنا كنا نتناولها أكثر من أي شخص آخر.

عشنا تجارب مميزة في قاعات التشريح، غرف المرضى، أنفاق المترو والمشاريع العمرانية الكبيرة، حيث يجب على الطبيب أن يكون موجودًا، في القرى والمداشر، عند انتشار الأوبئة، كنا في كل مكان.

مكننا التخصص كطلبة طب في جامعة الجزائر من إنشاء مجموعة تطوعية لمساعدة مرضى السرطان يسعى كل من فيها لتوسيع فكرتها لتصبح مستشفى مجانيًا يعنى بالمرضى والحالات التي يصعب عليها تقديم تكاليف العلاج.

مكنتنا ساعات المراجعة في المكتبات من إطلاق أول مشروع جزائري لتسجيل الكتب الصوتية للمكفوفين

الكثير منا مارس شغفه باللغة العربية وراح يدون ويكتب، والبعض الآخر تمكن من نشر روايته الأولى وهو في سنواته الأخيرة قبل أن يتخرج تمامًا.

لجأنا إلى الجامعات والدورات لتعزيز كفاءاتنا، ثقة منا أن الطب ليس تخصصًا، أن الطب حضن عليه أن يحتوي الجميع ويجيد لغة الجميع ليكون هنا، متى ما احتاجوا إليه.

أثرى الطب في داخلنا ذلك الإنسان الذي ثبطته أنانيته في مراحل معينة، فرحنا نسعى ما استطعنا لإحيائه في غيرنا.

بعد سبع سنوات من دراسة الطب، لم أكتب خلالها يومًا عنه وعن شغفي به ولا عما حققته وأنا في كلية الطب، أجدني اليوم بعد أن قرأت تدوينة تعتبره مجرد تخصص يشبه كل التخصصات وتلقي بالتهم عليه وعلى نظرة المجتمع إليه ونية طلبته، أكتب بكل صدق أن الطب ليس تخصصًا، ولا مهنة، الطب أن تكون بشريًا أكثر من أي شخص آخر، الطب أن تكون إنسانًا أكثر من أي وقت كنته.

يمكنك أن تكرهه، ألا تختاره كتخصص، أن تبرر تركك له، لكن لا يمكنك في أية حال من الأحوال أن تنكر أن الطب، ليس تخصصًا بل إنسانية متفجرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد