بمرتب قدره 275 جنيهًا في سنة الامتياز، 1400 جنيه في سنواته الخمس الأولى في العمل ما نطلق عليه نحن لفظ “النيابة” أو “الطبيب المقيم”، يبدأ الطبيب المصري حياته المتعثرة بعد كفاح سبع سنوات تعليمية، مأساة يمكن أن تتصورها فقط إذا علمت أن متوسط ما يحصل عليه الطبيب في سنوات نيابته ما يعادل 2.25 جنيه (جنيهان وربع الجنيه) عن ساعة العمل الواحدة! يجب عليك أن تعمل ساعتين ربما لتحصل على كوب من الشاي!

أزمات طاحنة تمر بالأطباء، سعار إعلامي ينال كل يوم من كرامة الطبيب ويصفه بالتسيب والإهمال، دون الالتفات إلي مستقبل البلاد الطبي الذي أصبح على المحك، أزمات الدراسات العليا والتخصصات الطبية النادرة، وأزمة الرواتب وساعات العمل غير الآدمية لم تعد الأزمات الوحيدة التي تمر بالقطاع الطبي (1)، حتي المستشفيات الجامعية نالت نصيبها من الأزمات، آخرها أزمة الصراع بين أطباء مستشفى أسوان التعليمي وجامعة أسوان التي حولت مبانيها إلي مستشفى جامعي بعد قرار جمهوري بإنشاء كلية للطب بالجامعة (2)، ومازالت الأزمات التافهة مستمرة.

طريق الهجرة كان ومازال مفتوحًا أمام الأطباء المصريين، بصعوبات كبيرة ولكن ممكنة، لحل أزماتهم، يكفيك أن تعلم فقط أن عدد الأطباء المصريين المسجلين في النقابة بلغ 220 ألف طبيب، من بينهم 51 ألف طبيب فقط (بشري وأسنان) يعملون الآن في مصر. عجز شديد وأزمة طاحنة نعلمها جميعا للمرضى في قائمة الانتظار! لكن الأسوأ لم يأت بعد.

2023.. العالم يغلق أبوابه

نالت كليات الطب نصيبها مما نال البلاد كلها في السنوات الأخيرة، دبت الواسطة والمحسوبية في اختيار أعضاء هيئة التدريس وتدهورت الطرق التدريسية والمحتو التعليمي والتدريبي، وحتي محاولات وزارة التعليم العالي لتجميل الصورة بإنشاء هيئة قومية لضمان جودة التعليم والاعتماد يظهر أنها لن تؤتي ثمارًا تذكر!

لا يخفى على الأطباء أن لكل دولة شروطًا معينة في اختيار الأطباء الراغبين في السفر إليها، أشهرها امتحان المعادلة الأمريكية USMLE الذي تضع ركائزه وقواعده المؤسسة الأمريكية ECFMG، التي نشرت على موقعها على الإنترنت أنه، وفي عام 2023، سيصبح خوض امتحاناتها محصورًا فقط في خريجي الكليات المعتمدة عالميًا للتعليم الطبي! أي أن خريجي جميع المدارس الطبية الأخرى لن يتم الاعتراف بشهاداتهم الطبية، وبالتالي لن يتم السماح لهم بخوض الاختبارات، أو ممارسة مهنة الطب في هذه البلدان، وبالتالي ستصبح هجرة الأطباء المصريين إليها شبه مستحيلة!(3)

الخليج.. لم يعد أرض الذهب الطبية

الأمر ليس محصورًا في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو دول التعليم الطبي المتقدم، دول الخليج العربي؛ المأوي الكبير لعمل الأطباء المصريين حاليا، تسير حثيثًا على نهج المتقدمين، مؤسسة حمد الطبية في قطر خير مثال لذلك، ففي عام 2011، وبعد رفض طلبهم الأول، وافق “مجلس اعتماد التعليم الطبي للخريجين الأمريكي ” بعد انشاء ذراعه الدولي، على النظر في اعتماد مؤسسة حمد الطبية ووافق في العام التالي 2012 على الطلب.

وبالتالي فإن مؤسسة حمد الطبية في قطر الآن، تقبل فقط الأطباء الحاصلين على امتحان المعادلة الأمريكية USMLE ، بنفس شروط اختيار الأطباء التي تطبقها الولايات المتحدة، ونفس برامجها التدريبية(4).

دول عربية أخري مثل الإمارات والسعودية تسير في نفس الطريق، لإنشاء نظام قوي متماسك، بنفس المعايير العالمية، ولذلك سيتوجب عليك في المستقبل القريب جدا، خوض المعادلات العالمية للعمل بتلك الدول، وفي المستقبل الأبعد قليلًا، بعد تطبيق الاعتماد الدولي، لن تستطيع خوض الامتحانات وبالتالي سيغلق الخليج أيضًا أبوابه!

الاعتماد الدولي.. من الذي يحدد الشروط؟!

في العام 2004، وافقت منظمة الصحة العالمية (WHO) والاتحاد العالمي للتعليم الطبي (WFME) على إنشاء شراكة إستراتيجية، لتطوير التعليم الطبي، كانت أحد أهم ركائزها، المساعدة في إنشاء مؤسسات الاعتماد العالمية، ووضع معايير التقييم للمؤسسات والمدارس الطبية. (5)

وكانت أول المؤسسات التي بدأت في تقديم الاعتماد للمدارس الطبية فعليا، طبقًا للمعايير السابق ذكرها، مؤسسة الكاريبي لاعتماد التعليم الطبي والعاملين في مجال الصحة (CAAM-HP)(6). وسيتوالى عما قريب عمل مؤسسات الاعتماد الأخرى التي تتولى إعادة تقييم البرامج التعليمية والتدريبية بالكامل طبقًا للمعايير الدولية التي لا مجال إلى مناقشتها في تقرير صحفي لشدة تخصصها. يكفي أن تعلم فقط أنها تقيم كل شيء بدءًا من معايير اختيار المدرسة الطبية للطلاب ومعاملاتها المالية وحتي تبادل الطلاب مرورًا بالتعليم الطبي المستمر ما بعد التخرج، ويمكن للمتخصصين متابعة المعايير من خلال روابط المصادر المرفقة. (7)

مصر.. التاريخ لا يبني الحاضر!

يجب علينا أولًا أن نعترف بشدة تردي التعليم الطبي في مصر – ككل أنواع التعليم الأخرى – في كل المدارس الطبية الجديدة منها والقديمة، وأن جميعها – وأولها مدرسة القصر العيني – لن تصمد في أي من هذه المعايير، واعتمادها في ظل أوضاعها الحالية يعتبر دربًا من المستحيل، والتفكير في أن الحكومة الحالية أو الجامعات تفكر أصلًا في تحقيق معايير كهذه شيء بالغ الصعوبة، فالمشكلة نظام بأكمله لم يفكر على مدار أحد عشر عامًا – منذ إعلان الاعتماد العالمي – على تغيير سياسته أو إنشاء خطة للاعتماد، والاكتفاء بمسلسل الاعتماد المحلي الذي لا قيمة له في أي مكان.

ربما تكون واهمًا وتتصور أن أزمة كهذه ستؤثر فقط على حياة الطبيب الراغب في الهجرة، أو حتي على الأطباء فقط، ما يجعلنا نفرد مساحة كهذه ليس أمرًا خاصًا بالأطباء فقط وإنما خاص بمستقبل شعب بالكامل!

 

الطبيب.. الذي لا تستطيع الاستغناء عنه

لن نلقي بالًا لحوادث الاعتداء على الأطباء الآن، ولا عن المهنة السامية، ولكننا سننظر إلى تصريح المستشار القانوني للأطباء، حين أشار – بشكل معيب – إلي أن أزمة الدراسات العليا، التي وصلت إلي قبول الجامعات ل 40% فقط من طلبات الأطباء، ستنعكس سلبًا على “سعر تصدير الطبيب المصري” (8)

نعم، دعنا الآن نتكلم بصدق، النظام المصري يعامل الأطباء كسلعة للتصدير ومصدر للعملة الصعبة، كسائر ثروات البلاد، ولسنا في مجالٍ مناسب الآن لتوضيح خسائر البلاد في ذلك. ولكن ما الذي سيكون الحال عليه عندما يمنع جميع الأطباء الجدد من مغادرة البلاد، مع نفس السياسة الحكومية في تخريج أعداد كبيرة لتصديرهم للخارج؟ واستمرار العمل بلا أدني تخطيط ولا تشابك مع النظام العالمي؟

الأعداد ليست كبيرة بالنسبة لحاجة المصريين، فكما أشرنا سابقًا نحن تقريبًا نتخلف بأربعة أضعاف على الأقل عن النسبة العالمية، ولكنها كبيرة بالنسبة لأعداد المقاعد التدريبية (النيابات) المتاحة في الأماكن المختلفة، وأعداد مقاعد الدراسات العليا (التي لن يعترف بها في المستقبل)، وبالتالي ستشهد كل هذه الأماكن اختناقًا حادًا ولن يتمكن الخريجون الجدد من استكمال تدريبهم الأساسي للحصول على وظيفة الأخصائي التي تؤهلهم إلي ممارسة المهنة فعليًّا.

ناهيك عن آثار انفصال النظام التعليمي الطبي تمامًا عن النظام العالمي، وما يترتب من تدهور فوق التدهور في حالته، لأن الإنتاج العلمي المصري شبه منعدم طبيًّا، وكل مصادر التعليم الدولية ستتم مراجعتها في هذه الحالة.

نحن أمام أزمة ستؤثر على تعليم وتدريب الأطباء، وحياتهم، وستمس صحة وحياة كل إنسان على أرض مصر، لست في حاجة إلي التنبيه على خطورة فصل النظام الصحي المتدهور أصلا على حاله هذا عن النظام العالمي، والشعارات الرنانة لن تحل الموقف، فهل نسمع قريبًا مسئولًا ما يشرح لنا – أو يفكر حتي – في مخرج معقول من أزمة طاحنة كهذه ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد