أدى وصول قنسطنطين (306-337م) إلى سدة الحكم في الإمبراطورية الرومانية إلى إعطاء حرية أكبر للنصارى في أوروبا، فبعد أن كانوا مضطهدين أصبح دينهم معترفًا به رسميًا في الإمبراطورية، وفي فترة حكم ثيودسيوس (378- 395م) أصبحت النصرانية الديانة الرسمية للإمبراطورية لتصبح الكنيسة أكثر قوة وأكبر ثروة.

انتهى الأمر عند وفاة ثيودسيوس سنة 395 إلى تقسيم الإمبراطورية الرومانية الكبرى بين ولديه إلى قسمين شرقي وغربي، فكان القسم الشرقي من نصيب ابنه أركاديوس في حين صار القسم الغربي من نصيب ابنه هونريوس[1].

بوجود عدة أسباب متداخلة يعتبر هذان التحولان الرئيسان اللذان أديا من بعد ذلك إلى سقوط روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 476م وتفكك الإمبراطورية، لتدخل بعدها أوروبا بشكل رسمي في مرحلة العصور الوسطى بقرونها المظلمة.

عصر تدهورت فيه العلوم ولكن

تمكنت الكنيسة في العصور الوسطى من احتكار العلوم، فتعصبت لرأيها واضطهدت كل من خالفها وحرقت كتبهم، قللت من أهمية العلم وعملت على تحريض الناس على الرّهبنة والتوجه نحو الأديرة بعيدًا عن المجتمع؛ مما أدى إلى تدهور العلوم وانتشار الجهل، لينتشر الفقر والأمراض والخرافات كنتيجة حتمية لذلك، خرافات جعلت الرهبان يعيشون أشد أنواع العذاب: محاربة النفس في كل ما تشتهيه، وقد أدى ذلك إلى انتشار القسوة والهمجية وسفك الدماء كانعكاس للحالة النفسية السيئة التي كانوا يعيشونها، ولكن في الجهة المقابلة وبطريقة عجيبة عرف الفن ازدهارًا وإبداعًا لا يقل أهمية عن الفن الروماني والفنون الأخرى، في العمارة والنحت والشعر والنقش على العاج.

لقد عمل رهبان الأديرة لعشرة قرون على إضاءة ظلمات القرون الوسطى بفنهم، عملوا وبتحكم مثير للاهتمام وبعزيمة لا تقل عن عزيمة الفراعنة على بناء أديرة نادرة في أماكن خيالية، على بناء كنائس عملاقة، على تشييد القصور البراقة، وعلى شق أنفاق لتصبح مدنا تحت الأرض، يقول الدكتور محمود سعيد عمران أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة الإسكندرية: «وكان للفن جانبا كبيرا في حضارة العصور الوسطى، فإن فنون الشعر والنثر والنحت والتصوير والموسيقى والحفر على العاج وصياغة الذهب وغير ذلك من الفنون المعمارية خاصة في الكنائس القوطية، وكانت هذه الفنون تقدم ثروة وعمقا في الزخارف تبهج النفس أكثر من العمارة الحديثة»[2].

الكنيسة البازيليكية.. المولود الجديد لعمارة العصور الوسطى

لم يوجد في بداية النصرانية مكان معين مخصص للعبادة، بل كان النصارى يجتمعون في أماكن مختلفة كقاعات البيوت أو غيرها يؤدون فيها طقوسهم الدينية، كان الاهتمام منصبا على وحدة المجتمع المسيحي والاجتماع الذي يحصل أثناء العبادة بعيدا عن التفكير في كيان معماري معين يتخذ كرمز حسي يعكس الوحدة المعنوية النصرانية. كانت تدعى هذه التجمعات بـ “إكليسيا”، وهو مصطلح يوناني يعني الجمع أو الاجتماع، ليصبح هذا المصطلح فيما بعد يطلق على البناء المشيد خصيصًا لأداء الطقوس الدينية فيه الكنيسة.

تطور الوضع وبدأ النصارى يفكرون في اتخاذ مكان مخصص للعبادة ولهذا شيدوا ما يسمى بالكنائس المنزلية، كانت كبيرة تسمح بتجمعهم بدون أي خصوصية معمارية مخالفة للنسيج المعماري المحيط فهي تمامًا كالبنايات المنزلية الرومانية المحيطة بها.

تعود البازيليكا النصرانية إلى القرن الرابع للميلاد وهي النموذج الأقدم كمكان عبادة للمسيحيين ومنها أخذت كل الأشكال المعمارية للكنائس حتى اليوم[3]، ويعود أصل هذه البازيليكا النصرانية إلى البازيليكا الرومانية التي كانت تبنى في الأسواق لأغراض تجارية، ثم أصبحت تستعمل كمحاكم. تأثروا بعمارتها، وذلك لأسباب منها:

• كون أوائل البازيليكا المشيدة كانت بأمر من القيادة الرومانية فمن الطبيعي أن تشيد على طراز روماني.

• اختيار البازيليكا خصيصًا بين الأنواع الأخرى يعود لملاءمتها كونها واسعة يمكنها احتواء عدد كبير من المصلين، ولم يتم اختيار المعابد اليونانية كونهم يعتبرونها رمزًا للشر والوثنية فاستقر الاختيار على البازيليكا.

يمكن القول إنه رغم تواجد العناصر والوحدات المعمارية المكونة للبازيليكا المسيحية في صور مختلفة في العمارة الرومانية المدنية، فإن البازيليكا المسيحية جاءت في شكلها النهائي شكلًا معماريًا متمايزًا، وغير منسوخ عن نموذج كامل في العمارة القديمة، بغرض تلبية احتياجات الديانة الجديدة. وهذا أمر بديهي حيث إن المسيحية كديانة تمثل محددًا أو عاملًا جوهريًا مؤثرا في إعادة صياغة المفردات المعمارية المتاحة واستيعابها من أجل تصميم كيان معماري جديد نسبيا – يتطور مع مرور الوقت- لعمارة دار عبادة للمؤمنين بها[4].

الأديرة.. العمارة في خدمة الرّهبنة

تحتاج حياة الرّهبنة التي كان يعيشها الرهبان الأوروبيون إلى عزلة وانطوائية بعيدًا عن المجتمع، يعتقدون أن ذلك يسمح لهم بترويض أنفسهم وخدمة الرب في صمت، من هنا بدأت فكرة إنشاء مجتمع رهباني. مجتمع يكون بعيدًا عن العالم ولكن يعمل على خدمته، أي لا يشتغل الرهبان بالعبادة فقط ولكن معها بالزراعة والبناء والحرف، فجاء قرار إنشاء الأديرة. أصل كلمة دير من الآرامية وتعني بيت الفلاح أو مزرعة، بالفرنسية موناستير من كلمة مونو اليونانية أي وحيد بالعربية.

في بلاد الغال (فرنسا حاليا)، القديس مارتان يشيد أول دير في الغرب حوالي سنة 360 بـليجوجي (بلدية فيين، فرنسا)[5]، لتنتشر الأديرة في أوروبا هنا وهناك. وبعد سقوط روما وعلى حين كان رخاء المدن يتضاءل مع انكماش حجمها لما كان يعرو استقرار النظم السياسية من زعزعة، كانت السلطة الدينية تنعم بالاستقرار حيث ازداد نفوذ الأساقفة وانفسحت قدراتهم على البناء والتشييد في الوقت الذي كان الملوك فيه يتنقلون مع بلاطهم من موقع إلى آخر دون أن تترك لهم ظروف الحروب لا الوقت ولا الرغبة في تشييد أبنية قيمة. وهكذا غدت الأديرة هي المركز الذي تدور حوله أهم التطورات المعمارية والفنية[6].

تغرس الأديرة في أماكن بعيدة في الجبال أو الهضاب، يتم اختيار الأماكن بعناية، أماكن يتوفر فيها الهدوء وجمال الطبيعة لأسباب دينية وتأملية، يقوم الرهبان بالتخطيط والتشييد بأنفسهم باستعمال مواد البناء المتوفرة في المنطقة، وقد شيدت أديرة فريدة في أماكن خيالية ليمتزج جمال الطبيعة بالإبداع المعماري البشري.

القلاع المحصنة.. بعيدًا عن الزخرفة رمز للقوة والسيطرة

ابتكار معماري أوروبي محض في القرن التاسع للميلاد، ظهرت بعد سقوط المملكة الكارولنجية وانتشار الصراعات بين النبلاء، تأثرت العمارة في تلك الفترة بالحالة السياسية المضطربة فتحول المعماريون من تشييد الكنائس والأديرة إلى تشييد القلاع المحصنة حتى أصبحت رمزًا لتلك الفترة، يقول المؤرخ موريس بيشوب واصفا الحالة المعمارية في ذلك الوقت: «في الفترة المضطربة من القرنين التاسع والعاشر للميلاد، والتي شهدت غزو الفايكنج للغرب الأوروبي، إلى جانب ما نشب من فتن وصراعات بين النبلاء المحليين، فإن حركة البناء تكاد تكون قد توقفت تماما، باستثناء ألمانيا في الفترة القصيرة للنهضة الأوتية من القرن العاشر للميلاد. وإن كان معظم العمارة عبارة عن قلاع وأسوار للحماية، حتى الكنائس التي تم تشييدها، كانت بمثابة أماكن حصينة أشبه بالقلاع، ذات صبغة دفاعية غير مفضلة، كما أن واجهاتها لم تكن مزخرفة ومثيرة للاشمئزاز، إلا أنها من الداخل يشعر الإنسان بالأمن والأمان وأنها مبان دينية»[7].

مباني عملاقة من الأحجار القاسية بأسوار عالية سميكة وأبواب محصنة، يتم عادة اختيار مكان غرسها بعناية لأسباب عسكرية إما في قمم الجبال أو في أماكن مسطحة غير محيط بالجبال ويتم حفر الخنادق في محيطها، وبعد اختراع طريقة الأنفاق للهجوم على هذه القلاع، بدأت القلاع تشيد في وسط البحيرات حيث يكون مصير المهاجمين الغرق داخل أنفاقهم، تشيد في محيط السور أبراج عالية يمكن منها استهداف الأعداء بمختلف الأسلحة، كانت الأبراج في بداية الأمر مكعبة الشكل، ثم تطورت لتصبح دائرية الشكل، لكي يسهل التحول من جهة إلى أخرى بالنسبة للجنود، ولحماية البرج من قذائف المجانق، فبشكلها الدائري لا تتضرر، بل يتحول مسار القذيفة مباشرة بعد الارتطام بها.

الكاتدرائيات القوطية.. كنائس من نوع آخر

في نهاية القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر اتسمت العمارة الأوروبية بنضج كبير وتمكن فريد في التقنيات المعمارية، أدى هذا مع الحاجة إلى كنائس أكبر للحشود النصرانية العظيمة إلى ولادة الكاتدرائيات القوطية الكبيرة جدًا والواسعة. وعلى العكس من كنيسة الدير كان لا مناص من نشأة الكاتدرائية القوطية في منطقة عامرة بالسكان تقع تحت ولاية أسقف يتخذ من مبناها مقره الرسمي، فيتحقق بذلك معنى لفظة كاتدرا، وهو كرسي الأسقف أو عرشه، ومن ثم لم يكن من الممكن أن تنشأ كاتدرائية في موقع مهجور مثلما تنشأ كنيسة الدير، فهي في حاجة لمدينة تستطيع التحليق فوق أسقف مبانيها المسنّمة المتجمعة حولها[8].

تعتبر كاتدرائية سانس الفرنسية أول كاتدرائية قوطية في العالم، بدأ المعمار جيلوم دو سانس تشييدها حوالي عام 1130 ولم يتمّ التشييد إلا عام 1168، منذ ذلك الوقت غزت الكاتدرائيات القوطية أوروبا، كاتدرائيات شاهقة واسعة جذابة، تستعمل فيها الأقواس المدببة والقباب المضلعة، بواجهات تدهش الناظرين بكثرة زخرفتها وتنوعها.

لم يعد داخل الكنيسة مظلمًا، وكما كان الحال من قبل، يقوم الناس بإشعال الشموع ومع هذا لا ترى إلا قليلًا من الظل، وغدًا داخل الكنيسة متمتعا بفيض من ضوء النهار، وفي كثير من الكنائس فإن الزخرفة الداخلية كانت متوافقة مع الألوان الجذابة للشبابيك، وأصبح خارج الكنيسة مليئا بالأبراج، والأسقف المتحدرة، والحليات المعمارية، والميازيب الناتئة، والشرفات المليئة بالتماثيل في الكوات الموجودة في حوائط الشرفات[9].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1]- سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية، بيروت، 1976م، ص.28.
[2]- محمود سعيد عمران، حضارة أوروبا في العصور الوسطى، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1998م، ص.11.
[3]- عبد الرحيم ريحان بركات، أصل وتطور البازيليكا، مجلة الإتحاد العام للأثاريين العرب، العدد السادس، 2005م، ص.77.
[4]- أحمد أمين، العمارة المسيحية المبكرة، سلسلة كراسات قبطية، مكتبة الإسكندرية، الإسكندرية، العدد الخامس، 2015م، ص.40.
[5]- Olivier laloux, Architecture monastique, Master, Faculté des sciences appliquées université de liège, Belgique, P.07
[6]- ثروت عكاشة، فنون العصور الوسطى، موسوعة تاريخ الفن، الجزء 12 ، الطبعة الثانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013م، ص.31.
[7]- موريس بيشوب، تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة علي السيد علي، الطبعة الأولى، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005م،ص.316.
[8]- ثروت عكاشة، المرجع السابق، ص.138.
[9]- موريس بيشوب، المرجع نفسه، ص.121.
عرض التعليقات
تحميل المزيد