هل رأيت نفسك في يومٍ من الأيام أين أنت؟ أو إلى أين وصلت؟ سواء كانت نظرتك لم أنت عليه إيجابية أو سلبية؟ هذا نتج عن ما رسخته من قيم ومعتقدات منذ الصغر، فظلت تكبر وتتضخم حتى وصلتَ لما أنت عليه، حينما تسأل مثل هذه الأسئلة فأنت تكون مدركًا لم ستستمر عليه؟

ألم تسأل نفسك في يوم من الأيام لماذا دعانا الإسلام إلى التأمل؟ فالكثير من الأنبياء كان محورهم الأساسي بالحياة التأمل، والتشابك مع القوة الكونية الروحية في هذا الوقت تكون بقوة عمق التأمل.

التأمل من صفات الأنبياء؛ لهذا هم من الأذكياء والعقلاء بجانب صفاتهم الخالدة، التأمل ما هوَ إلا روحانيات عن طريق روابط تربطها عما حصل معك بالماضي وربطها بالمستقبل، أو ما يحصل معك بالحاضر من خلال شغفك، وفهم الكون من حولك.

التأمل بالأركان الإيجابية من عدة زوايا يُغير من شخصيتك على أصعدة، سواء أنت أدركتها، أم لا؛ لأن من خلال تكرارها وممارستها تختزن باللاوعي حتى تنعكس على حياتك بنمط إيجابي، تعودنا أو بالأحرى المحيط الذي من حولنا زرع بداخلنا جملًا أو مقولات سلبية حتى نقيس بها على أنفسنا، تعلم شيئًا واحدًا عزيزي بأنك أنت شخص لا يقارن به، ولا بأي شكل من الأشكال؛ لأنك أعظم ما بالوجود! وأجمل ما بالوجود! وأكثرهم ذكاءً! فالتأمل يعزز بك هذا المضمار.

التعامل مع ذاتك، والتعرف على ذاتك من أهم أولوياتك باعتبارك إنسانًا، بغض النظر عن سلوكياتك، أن تسأل نفسك من أنا؟ اتساقك بنغمات ذاتك، أن تصل إلى أعماق الروح، الله لم يخلقنا لكي نتقمص شخصيات غير أنفسنا، كل شخص فينا فيه شيء يميزه عن الآخر، كأنها لمسة سحرية في كل منا، الدخول إلى الذات بحر، نعم عبارة عن بحر فضائي أو بحر (ماء) هو غوص بالأعماق تتعرف على أشياء لم ترها من قبل، إنسان اندثر على مر العصور، لكنه غاص في بحر نفسه؛ كي يدرك على ما هوَ عليه من قيم، ليتمعن بها، ويعيد ترتيبها ونظرياتها المعقودة.

هو فهم النفس، وإطلاق العنان لها، هو تقدير الذات وحبها، هو التخلص من أفكارك السلبية وبرمجتها اللامعقولة وإبدالها بأفكارك الإيجابية، أنت محور الإطار، أنت مركز الإيحاء والتيار، أنت لغز البشائر، وإنجازات المغوار، الأنبياء اكتشفوا دينهم عن طريق التأمل بكيفية المخلوقات، وتتبعها من شمس وقمر وسماء بغير أعمدة، وغيرها الكثير. سبحانه ما أعظم خلقه! واكتشفوا ذاتهم أيضًا من خلاله، أن نكتشف أنفسنا وذواتنا ونتحرر من المعتقدات النرجسية التي دعت بنا في نهاية المطاف إلى أذية أنفسنا فحسب.

أنت بصفتك إنسانًا لك الحق، والكثير من الحق بأن تعيش حياتك بسعادة؛ ولهذا خلقنا الله لا لنشقى، والمشقة هي حالات تمر بمراحل في حياة الإنسان، وأن نستخرج منها الحكم والدروس، هنا تبث الحياة العبر، بأن تستوجب على نفسك بأن تخرج نفسك من العقوبات والتحديات التي لا يسلم منها إنسان على وجه المعمورية، فكل إنسان يمر بتحديات يكاد لا يطيقها على وجه التحديد، أنت فَكّر بنوع من الحكمة والإيجابية، وافعل ما تقدم عليه من سعة صدر.

كيف يتم التأمل؟

يتم التأمل عن طريق تنفسك الصحيح من البطن وإخراجه من الفم، وتحرير أفكارك وذاتك من الأفكار السلبية التي تعلوك، أن تسيطر على نفسك بعقلانية قلبية، أن تعقل وتوكل أمرك لله الواحد الجبار، أن تستمر بتخيلاتك المستقبلية لما ستكون عليه، وتميزك الذي لا يضاهيه تميز، أن تكون نفسك التي تعرفها جيدًا، أن تكون محبًا لما تعمل، وستفعل مهما واجهتك الصعاب، أن تعد نفسك بأنك تستطيع، وأنك قادر على الاستمرار، هذا هو التأمل.

أصعب مهمة على وجه الأرض أن تفوز على ذاتك، وعلى الصراع القائم داخلك؛ لأنك تتعايش معه دائمًا وإلى الأبد، أن تفوز عليها بشعورك وتردداتك الخارجة منك بحب وامتنان وبهجة، وتكون أنت نفسك، وأن كل شيء يعمل لأجلي، والكون يمد يده إليّ، وأن تحصل جميع رغباتك بطريقة عفوية، لا تدري كيف حصلت؟ هذا البقاء الأزلي لشعورك الذي لا يوجد شيء بالعالم يستطيع أن يبدله؛ لأنك خُلقت للسعادة والنجاح والتميز لا لغير ذلك.

هنا كأننا في مفترق طرق نبحث عن السبيل الصحيح لكي نواصل المسير، ولكن القلق يودي بك في حفرة ما بين الطريقين، وكأنها عملية اغتيالية حصلت على غفلة، هنا يجب تنقية وتصفية النفس على مصفاة ومنخل لكي يُخرج جميع الشوائب الداخلية ويغربلها بسماحة، ورضا ذاتي، وتقبل معنوي وحياتي، وسبيل إلى حالة من الاستسلام الروحي لله وحده وهدايته.

التأمل بداية التميز لا النجاح فقط، أن تخلو بنفسك وذاتك بعيدًا عن أي مشتت خارجي، هذا بحد ذاته خطوة إلى النجاح؛ لأنك تحب نفسك وتفصلها عما يزعجها، وتنقيها من السلبيات التي يتعرض جميعنا بلا استثناء إليها يوميًا.

إنه راحة تريح بها نفسك خلال يومك للتحرر مما لا يُجدي نفعًا، أنت نفسك نفسك حتى ولو بعد مليون سنة، إن لم تقرر تنقيتها وتغيير مجرى أفكارها، والعبور بها خلال سلالم الصعوبات وتحديها، وروح المغامرة التي يخشاها أغلبنا خوفًا من السقوط وعدم الصعود.

اصعد درجة درجة، حتى ولو سقطت عدة مرات؛ في النهاية ستكتشف ما هي الأخطاء وتتجنبها، وستصل إلى مبتغاك الذي سمعته من حولك، بأنك مهما فعلت لن تصل إليه؛ لكنك وصلت.

سر على درب الأنبياء والعلماء، وتيقن بأنك ستصل، وتأمل بما هو خير لك لا عليك، هذا بما وعدت به نفسك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد