كورونا
بزمن الاستسلام للقيود التي نتجت عن انتشار فيروس كورونا وعدم النوم الناتج عن الجلوس المميت في البيت، تذكرت بأني قد قرأت ذات مرة في كتاب (فلسفة التاريخ) (للدكتور جاسم سلطان) كلامًا نقله عن المفكر (مالك بن نبي) أقتبسته هنا:
(ويرى مالك بن نبي أن المشاكل التي تمر على الأمم لا تهزمها، بل تمحصها وتزيدها قوة. فيقول: … أن مالك بن نبي يرى هذا التحول الروحي، ويؤمن أن الأفكار التي تحل بالمجتمعات تولد معها حياة وأفكار ورؤى جديدة، ثم يرى أن على الإنسان أن يغير ما بنفسه ويأخذ بقانون التدافع، حيث يوصله إلى قانون التداول ويصل إلى مقعد الصدارة) انتهى.
الغاية من هذا الاقتباس التوضيح بأن ما نمر به الآن هي الذروة التي لا يأتي من بعدها سوى الانحدار نحو القاع (وهنا أقصد المصائب والتحديات) إذ أنها وصلت حد اللامعقول في اعتقادي وكأنها بلغت سم الخياط من كل الجوانب، فالحجر المنزلي والتضخيم الإعلامي الذي تسبب بكل هذا الهلع العالمي إلا أني أراه يبعث في النفس الراحة ويدخلها بحالة من السكون فمن السهولة بمكان الآن أن نجلس مع أنفسنا لنتعرف عليها أكثر ونسألها عن دورنا في الحياة؟ وندقق في غايتنا فيها ونتحقق من رغبتنا منها، إذ إن هذه الأيام فرصة لا تعوض، حيث إن الواحد منا يجد أنه قد عزل نفسه طوعا عن الحياة التي خارج أسوار المنزل وجدران الغرفة، فلا أعمال ولا خروجات لا متنزهات، لا جلسات سمر ولا مطاعم ومقاهي ولا ولا ولا … إنما أنت وعائلتك وبيتك.

وهنا خطر على البال بعض الأسئلة التي قد تكون من البديهيات في مثل هذه الظروف ولا بد من الإجابة عنها بدقه ويجب إطالة النظر بها قبل إعطاء الإجابة عنها.

ما هي أولوياتك؟ لماذا أجلس في المنزل؟ ولماذا لا أخاف على نفسي فقط، بل أخاف على أهل بيتي أكثر؟ وإذا كان الأمر كذلك! فلم كنت أهملهم أغلب الأوقات الماضية؟ لم الانشغال عنهم بكثير من الأمور التي لم أعد أوليها أية اهتمام! أو التي أجدني الآن مستغنيا عنها بالكامل ولم أمت بسبب استغنائي عنها الآن! أو أني قد تأقلمت على العيش بدونها الآن؟ ما هي الحاجات الأساسية التي أحتاجها كي أبقى على قيد الحياة؟ الطعام والشراب والكثير من النظافة!، فما المقدار الذي كنت أصرفه على هذه الاحتياجات قبل الحجر؟ أين ذلك المكان الذي كان لا يكتمل يومي حتى أمر به؟ …وإلخ من هذه الأسئلة.

أتوقع وأكاد أجزم أن الجميع قد رضي بما هو فيه الآن وتأقلم معه تمامًا، وغاب ذاك التذمر الذي كنا به ببداية الحجر أو قل مستواه لدرجة كبيرة، حيث إن طلبة العلم وجدوا الآن الوقت الكافي للمطالعة وطلب العلم من دون تطفل من أحد عليهم! وفتحت لهم آفاقًا كثيرة لطلب العلم عن بعد وهم اليوم أعلى قدرة على استغلال يومهم بالكامل فيما لو شاؤوا ذلك. وأما الكسالى محبي النوم الذين كانوا ينزعج نومهم بسبب صخب الحياة ودوران عجلتها التي توقفت فهاهم اليوم يعيشون عصرهم الذهبي! فلا انفكوا عن أسرتهم ولا تزحزحوا عنها. أما الباحثين عن التأمل وطول النظر والخلوه فهذه خلوة الخلوات قد جاءتهم لا يتوقع أن يجيئهم خلوة أفضل منها! فلينيخوا ركابهم وليكتموا النفس تلو النفس ولتعتدل أنفاسهم مع دقات قلوبهم وليسرحوا بأخيلتهم بعيدا. وأما الراغبين بتطوير مهارة ما فقد شرع المحترفون أبوابهم للهواة والراغبين في التعلم، فهذه هي مواقع الشبكة العنكبوتية تعج بآلاف الدوارت المجانية بشتى أنواع العلوم والمعارف وتعدى لذلك ليصل الأمر إلى جولات في المتاحف وهذا من فضل التكنولوجيا على الحياة، وهذا ما تفوقت به كورونا عن الإنفلونزا الإسبانية … إلخ.

فإذا كانت الحياة كذلك، فما هي الحياة إذن أو ما هي حياتنا السابقة وأين نحن منها؟

فاذا ما تفكرنا فيما أسلفت أو بما استحضرته من أسئلة وقطعًا لكل منا أسئلته الخاصة وأجوبته الخاصة كذلك، أتوقع أننا سنخرج من هذا الحجر ونحن في تمام القوة والتجدد والرغبة في الحياة والإقدام عليها ليس لشوق إليها فقط، بل لمعرفة أدق بها فنخرج ونحن قد فهمناها جيدًا واستوعبنا حقيقتها أكثر والأهم إِنَّا قد عرفنا أنفسنا وغايتنا وحسبه من دافع بالاستمرار في الاغتراف من نهر الحياة وأن نهبها ما بأيدينا ونستثمر كل لحظة تمر علينا بمعانقتها، وهنا أستذكر حوارًا لي مع الصديق عمر المصري عن آخر انتكاساتنا النفسية وقد ذكرني حينها بالحديث الصحيح الذي أورده الإمام أحمد في مسنده وصححه الألباني عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حيث قال: (إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا) .

وهنا الكلام لأخ عمر المصري: (يعني بالرغم من انو عمل عبثي بس انت مطالب تقوم فيه فحط ببالك هالشي) انتهى كلامه وفقه الله.

 الغاية والخلاصة من هذا كله هو التذكير بما ما هو مهم في هذه الحياة واستغلال الوقت لصالحنا لتعديل مسارنا نحو المستقبل الذي سنحياه ونبذ العجز والحث على العمل بل الحرص عليه (والقصد الأعمال النافعة للفرد والمجتمع وحتى الأمة جمعاء) والصد عن المغريات الخداعة والأهواء الكذابة، فحياة مقوماتها أكل وشرب قيمتها ما بعد هضمهما! وما بين الأكل والهضم وجب الحرص على اغتنام الخير بكل وجوهه وأشكاله.

فلا تكترث لما يصيب العالم من أزمة اقتصادية أو سياسية جراء ما يحصل الآن من صراع حول الكمامات وولا تدافع الدول العظمى على قيادة العالم، لا تجزع لتعري منظومة القيم والمثل الإنسانية لدى العالم الغربي فأنت في العالم العربي لم تخلعها بعد وأن تعرى بعض جوانبك، لكن الأهم والأفضل لك هو أن تجد نفسك وتحيا معها وتستدرك ما فاتك من الحياة ولا تعبأ لأحمال الحياة الزائفة، فكم تبين لنا أن هناك أمورًا كنا قد أخذناها على محمل الجد، وكانت تقدم حتى على الصلاة في بعض الأوقات، أما الآن فقد نسفناها نسفا وما تغير أو قل منا شيء فهذه الحياة تعطينا استراحة مقاتل، فحري بنا بعد أن تنقضي هذه الأيام أن لا نعود كما كنا أو لما كنا عليه، والفطن من يغتنم هذا فقد لمعرفه ما هو ضروري وما هو زائد وزائف وزائل، فمعرفة هذا فقط اعتبرها كافية وفيها من الخير ما فيها، وتكفي صاحبها والحياة عابرة ولكل منا دوره فيها فهنيئًا لمن عرف دوره وأدى عمله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد