​الدنيا أيام يذهب بعضها ويجيء غيرها، تحمل في طياتها أفراحًا وآلامًا، والخاسر من سعى فيها إلى الراحة، وقد علم أن لا راحة هنا ولا قرار، ويخيل إلى كثيرًا أن ثمة صدوع وشقوق في كل قلبٍ حي تعادل ما ابتلى صاحبه في أيامه، وكلما تقدم العمر كلما اشتد الصدع، فأواه لو كنا نملك الكشف عن الصدور.

فلا أكاد أنسى ذلك اليوم حين كنت شاهدًا على مأتم فقيدٍ لي، فوقفت أقلب نظري تارةً أتلمح عظمة الموت وقهره، وتارة أخرى أتأمل آهات الحاضرين وجزعهم، إلا أن بصري وقع على إحداهن وقد ذهلها الخشوع عن التبرم، إلا أن وجهها يشي بوجع وتألم، وعلمت من بعض الحضور دنوها رحمًا وقرابةً من الفقيد، فعجبت لرباطة جأشها على كبر سنها؛ فدنوت منها قائلًا: «يا خالة عظم الله أجرك، رأيتك أثبت الحاضرين فؤادًا، وأعظم الجالسين ثباتًا فعجبت لحالك وأنت التي يجمعك بفقيدنا رحم ودم، أولستِ أولى بالبكاء والنحيب؟

فصاحت مبادرة: «حسبك بني، إنما الولاية لله الحق إذا ما نزل الموت».

فقلت لها: ونعم بالله.

فاستكملت: «يا بني إن من بلغت من العمر مبلغي تعلم من الدنيا حقيقتها، إن مثلي لا تغرنها زينة الدنيا الآثمة، ولا يخدعنها زخرف الحياة الباطلة، فكم من وليد ولدت وكم من عزيز بكيت.

يا بني إذا ما رحل عنا الأحباب، وإذا فارقتنا أيام الشباب، فما الحياة بعد ذلك؟

فقلت: «ألا يحزنكِ مشهد الموت يتخطف الناس من حولكِ؟».

فأطرقت هنيهة ثم ردت: «يا بني إنما الموت لقاء وإن مثلي لا تجد في الموت ما تخشاه ما دامت قد أسلفت صالحًا» .

فتأملت قليلًا ثم بادرتها قائلًا: «يا خالة إني أرى في وجهك علامات ألمٍ مقيم، ولقد بلوتِ من الدنيا ما بلوتِ إلا إنني أراكِ اليوم بالثبات راسخة، وأجدك اليوم بالصبر شامخة، أفلا تعطيني سر الحياة؟».

فقالت لي: «يا بني كلما تقدمت بك الأيام كلما سطت عليك الدنيا واستولت، فإن وجدت منك فراغًا تملؤه، أو حيزًا تشغله ملكتك ولم تملكها وأورثتك شقاءً ينوء به ظهرك، ويعجز عنه صبرك».

فبدت على وجهي سيماء القلق، وقلت لها متلعثمًا: «وما أفعل أنا إذ ذاك -بالله خبريني- يا خالة علميني يا خالة وأنا الحدث الجاهل، أعطيني يا خالة وأنا الفقير السائل، ما أفعل إذ ذاك؟»

فسكتت حينًا ثم ردت: «يا بني اجعل في قلبك حياةً دائمًا، لا يتخللْنه شقاءٌ ولا وهن».

– أيفرغ قلب إنسان من الحياة وهو يعيش فما تلك الحياة إذن؟ وأنى لي بها؟

فأطرقت ثم قالت: «أي بني، الحياة في كل معروف ابتغيت فيه رضًا من في السماء، ولو سخط من في الأرض، الحياة في كل بسمةٍ رسمتها لم تبتغ عليها جزاء ولا شكورًا، الحياة في كل نسمة تستنشقها حين يخلو قلبك من زيف الدنيا وكذبها، ألا ترى أن المرء أسعد ما يكون إذا كان صغيرًا وحين يشيخ وما يجمع بين الاثنين – على بعد المسافة – إلا خلو قلبيهما من آثام الدنيا، وفراغ نفسيهما من هموم الحياة».

فقاطعتها: «ولكن من ينظر في وجهك يظن أن في نفسك همومًا وكربًا».

فصاحت مقاطعة: «خاب ظنك وكذب فألك، يا بني هذا ما تظنون، والحقيقة وراء ذلكم، إنني في هذه الحياة لا ألوي على شيء، لا أحمل لليوم عبئًا، ولا أضمر للغد هما، يا بني قالوا إن الياس إحدى الراحتين، فليس اليوم أسعد مني نفسًا، ولا أهنأ مني بالًا».

فقلت لها: «إني لأجدٌ في حديثك سكينةً تطمئن إليها نفسي، وهدوءًا تسعد به روحي، آه لو كنت لقيتك منذ زمنٍ لعلي خففت من هذا الشقاء الذي يملك جوانبي، ولعلي أضفت من سكينة نفسك إلى اضطراب نفسي فابرأ مما علق بها».

فوقعت كلماتي منها موقع العجب والاندهاش لتبادرني: «عجبًا لك أيها الشاب، أي بأسٍ وأنت ما زلت في مقتبل العمر؟ وأي يأسٍ وأنت لم يشبْ منك الشعر؟ إنما اليأس صنيعة الإنسان يرتكبها بنفسه، وجريمةٌ يقترفها المرء بحقِ روحه، ثم يتهم القدرَ بالترصد له، ويعاتب الزمانَ على التعنت ضده، وهو الفاعل نفسه.

فخجلت من أثر كلامها قائلًا: «يا خالة أنى لك ذلكم الثبات؟».

فقالت: «إني أتقرب إلى ربي بذلكم الثبات، حسبي أن أقف أمام ربي وقد عشت دهرًا ما جزعت فيه على فرط الأوجاع، وقد قضيت عمرًا ما مسني فيه اليأس على كثرة الفواجع، حتى إذا وقفت للحساب شفع لي عند ربي حسن ظني به، فما كان ليبلونا فنصبر إلا ليرفعنا بذلكم درجات تنسينا ما سلف. إني على وهن جسمي قوية بروحي راسخة بقلبي».

– «يا خالة ألكِ حاجةٌ نقضيها لكِ؟».

فقالت في صوت ساكن وديع: «ما عند الله خير، ما عند الله خير»، وأخذت ترددها إلى أن خفت صوتها واختفى.

وأذكر أني عدت إلى ذلك الحي -في يوم- فسألت عنها، فقالوا ذهبت فقلت إلى أين؟ قالوا: إلى لقاء ربها.

فأطرقت حزنًا، وما زلت أردد قول الشاعر:

تطلب الراحةَ في دار العنا … خابَ من يطلب شيئًا لا يكون

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

موت
عرض التعليقات
تحميل المزيد