في كل مرةٍ كنت أشاهد فيلمًا أو أقرأ قصةً تتضمن صراعًا، أجد نفسي على غير عادة الجميع أتعاطف مع شخصية الـ(Antagonist) أي الخصم أو البطل المضاد.

لا يعني ذلك أنني كنت طفلًا مؤذيًا أو أمتلك الحدّ المقلق من صفات الشر التي تجعلني محل توجّس الآخرين، بل كان كل من حولي يعلم أن طبيعتي على العكس تمامًا.

لم يكن لي ذنب، في الحقيقة صُنّاع الأفلام وكاتبو الروايات هم من دفعوني لذلك. دعني أقلها بصراحة؛ الخيالُ المصريّ كان يمتهن كرامة الأشرار لدرجة جعلتني أتعاطف معهم.

(2)

«لا مانع لدينا أن ينتصر الخير دائمًا في الأفلام ما دامت خيالًا، وفي الكتب ما دامت حبرًا على ورق، وفي أي عالم افتراضيّ آخر طالما كان بعيدًا عن عالم الواقع» رئيس مجلس إدارة العالم.

(3)

كل فيلم جديد كنت أشاهده للثنائيّ فريد شوقي ومحمود المليجي، كنت أقول إن المليجي قد تعلّم الدرس واستعاد لياقته هذه المرة، ولكن دائمًا ما كان يُخيّب ظني سريعًا بتلقيه لكمات متتالية وتهشّم الطاولة على أم رأسه، ثم السقوط المخزي على الأرض في وضعية لا تليق أبدًا بأيقونة الشر في السينما المصرية.

كنت أتساءل أيضًا: لماذا يخسر عادل أدهم دائمًا في النهاية برغم كل هذا المكر والدهاء والحيل التي يعجز الشيطان عن مجاراته فيها؟! وبدأت أتشكك في انتمائي الوطني عندما بدأ حماسي يقلّ تدريجيًا لأدهم صبري عددًا تلو الآخر بسبب الملل، فلا جديد، انتصارات متتالية لصبري وإخفاقات لا تنتهي لأعتى المخابرات الدولية. وهو نفس السبب الذي لأجله فتَر حماسي للأهلي، فالزمالك لم يكن شريرًا بهذه الدرجة حتى ينال كل هذا العقاب.

(4)

يبدو أنها لم تكن ظاهرة مصرية فقط؛ الخيال العالمي أو دعني أكن دقيقًا ما سُمح لنا بمشاهدته أو قراءته كان قاسيًا على أهل الشر أيضًا.

بين الحين والآخر، وتحديدًا في الأعياد، كانت القناة الثانية المصرية تعرض أفلامًا هندية وأمريكية جديدة قبل ظهور الفضائيات وعصر السماوات المفتوحة.

كان البطلُ الهنديّ يُصعَق بالكهرباء مرتين، ويصطدم بسيارة تُطوحه في الهواء لمسافة تبلغ ارتفاع برج القاهرة، قبل أن يسقط على حاجز الجسر الحديدي ويظلّ ينظر إلى ماء النهر من تحته قرابة الدقيقتين، قبل أن يقرر المخرج نجاته ومنحه القوة اللازمة لتدمير كافة خصومه وتحرير حبيبته، مع قبلة تمتد إلى نهاية الفيلم يقابلها راحة وسعادة في نفوس المشاهدين.

أفلام «الأكشن الأمريكي» كانت أكثر إثارة وحبكة درامية، وملأى بالمفاجآت وعناصر الإبهار التي تمنع الملل أن يتسلل إليك على عكس الحالة المصرية، ولكن كانت نهاياتها أيضًا متوقعة؛ البطل يمضي بخطى ثابتة في طريق خالٍ طويل وعلى وجهه آثار المعركة، بينما يلقي بقنبلة وراء ظهره لتقضي على ما تبقى من عصابة الأشرار، في الوقت الذي تبتعد فيه الكاميرا عن المشهد شيئًا فشيئًا حتى تغيب ملامح البطل وينتهي الفيلم.

(5)

اختبرت على أرض الواقع صحة الرسائل التي أراد صنّاع الخيّال أن ينقلوها لنا، والنتيجة كانت العكس تمامًا.

فهؤلاء الأوغاد الذين حباهم الله بسطةً في الجسم فنصّبوا أنفسهم رؤساء على الضعفاء أمثالنا في الفصل الدراسيّ، كنت أمقتهم في نفسي وأبادلهم الابتسامة، وانتظرت أن تُكسَر شوكتهم في النهاية وفقًا لمعادلة الخير والشر السينمائية، طال الانتظار ولم يحدث ذلك، بل اليوم بعد عشرين عامًا صاروا يتمتعون بنفوذٍ وسلطةٍ رسميةٍ وأصبحت مجبرًا على عدم إزعاجهم وإلا انتهيت.

هذا الطفلُ السمجُ البدين الذي يتحكّم فينا أثناء اللعب، ويهددنا دائمًا بالحرمان من اللعب إن لم ننصع لقراراته فقط لأنه صاحب الكرة، كنا نتحمله على أمل أننا يومًا سنصبح أغنياء كأبيه وسنشتري كرتنا الخاصة، لأننا طيبون وسننتصر في النهاية؛ بعد أن نجحنا في شراء الكرة كان هو قد اشترى الملعب كُله.

تلامذة المليجي وأدهم كانوا منتشرين بشدة في الحياة الواقعية، ولكن الفرق بينهم وبين معلميهم أنهم لا يخسرون؛ لقد حفظوا للشر مكانته.

(6)

إذن اكتملت الصورة، وباتت الرسالة واضحة. لكل منا دور محدد ومساحة معينة للتحرك ينبغي عليه الالتزام بها.

لا مانع أن يُجرّ الفاسدون إلى القضاء ويُحاكموا بالسجن بل وبالإعدام شنقًا، وأن ينالوا حتى مصير سلمان الحلبي ما دام كان ذلك كله في إطار الشاشة.

ولا مانع أن يتزوّج علي ابن الجنايني الأميرة إنجي ويمنحه رؤساء القبيلة السلطة اللازمة، ما داموا واثقين أن «عليًّا» لن يشبّ عن الطوق وسيكون مخلصًا وفيًا لهم عشرات السنين.

ولا مانع من الحديث قليلًا عن الأشرار وجعلهم مثارًا للسخرية وفضحهم بمشاركة الفيديوهات والصور ما لم يخرج ذلك عن عالم مواقع التواصل الافتراضي فقط.

ولا مانع أيضًا أن يقوم الشباب بثورة حقيقية للتنفيس عن آلامهم ما دام كل شيء سيعود إلى مجراه سريعًا.

(7)

الخير لا ينتصر دائمًا إلا على شاشات التلفاز، وبين أوراق الكتب، وفي أحلام الضعفاء، وحكايات الآباء، أما في أرض الواقع فلا ينتصر إلا استثناءً وللحظات مؤقتة، فقط لكسر حدة الملل. حدة الملل فقط يا عزيزي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد