“إن نولان بلا ريب يملك عقلًا عظيمًا.”
(ماثيو ماكوناهي)

 

كان جوناثن نولان آنها تلميذًا، ينصت بعناية لدروس علم النفس، التي تُلقى عليه في جامعة جورج تاون. بفضل هذه الدروس قد نبتت في عقله فكرة، تصلح لأن تكون قصة قصيرة أو ربما سيناريو لفيلم سينمائي. لم يجد التلميذ أفضل من شقيقه الأكبر كريستوفر نولان ليقص عليه فكرته تلك، تروق الفكرة لكريستوفر ومن ثم يقرر مباشرة أن يحولها لفيلم. ستنتجه له زوجته ومنتجة كل أعماله السيدة إيما توماس. وسيُعرض لأول مرة في مهرجان البندقية السينمائي عام 2000 باسم Memento. بيما قرر جوناثن أن يحولها إلى قصة قصيرة ستُنشر في عام 2011 بعنوان Memento Mori.

 

هذا هو إذن أصل Memento ثاني أفلام الفنان الإنجليزي كريستوفر نولان، وأول أفلامه التي صنعت شهرته في واقع الأمر ووضعته في مصاف المخرجين الكبار؛ إذ أن فيلمه السينمائي الأول (Following 1998) والذي حققه وهو في الثامنة والعشرين من عمره بميزانية زهيدة تمامًا، كان فيلمًا قصيرًا (60 دقيقة تقريبًا)، تم عرضه في نطاق محدود، ولم يلق قدرًا كبيرًا من الرواج.

كيف يمكننا أن نقرأ Memento؟ تتوزع مضامين هذا العمل على ثلاثة مستويات: علمي (طبي)، فلسفي، وفني. سنقدم هنا قراءة تخترق هذه المستويات الثلاثة.

 

H.M. case: مأساة أن يكون المرء بلا ذاكرة
يحرص نولان دومًا على أن تكون أعماله ذات مضامين علمية، أحيانًا تكون المادة العلمية مبثوثة في ثنايا العمل، وأحيانًا ينهض العمل برمته عليها؛ نجد مثلًا المعرفة الفزيائية حاضرة في عمله (The prestige 2006) حيث استحضر نولان كل من توماس إديسون ونيكولا تيسلا مركزًا على الأخير بدرجة كبيرة وخاصة اختراعه The magnifying transmitter. وكذلك سنراه يبني عمله ( Interstellar 2014) على تطبيقات نسبية أينشتين الفلكية (فكرة السفر عبر الزمن) تحديدًا من خلال أبحاث كيب ثورن Kip Thorne أستاذ الفيزياء النظرية والفلكية بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech). أيضًا تحضر المعرفة الطبية بدرجة كبيرة في أعمال نولان؛ فمثلًا نجده يبني عمله (Insomnia 2002) على حالة مرضية معروفة وهي chronic insomnia أو الأرق المزمن. كذلك يبني عمله ذائع الصيت ( Inception 2009) على أفكار التحليل النفسي الفرويدي ومفاهيمه (كمفاهيم: Subconscious، projections،uncanny ، dream).

 

والحال، أن Memento، عمل ينهض كلية على فكرة مستعارة من علم النفس المعرفيCognitive psychology، وهي حالة مرضية تُعرف بـِAnterograde Amnesia أو ما يُعبر عنه عادة بـ H.M. case . وهذه هي الفكرة التي التقطتها أذن جوناثن نولان من دروس علم النفس، ومن ثم كتب منها قصته القصيرة، وحولها كريستوفر نولان لفيلم سينمائي. فما هي طبيعة هذه الحالة؟

 

لم يكن هنري مولايسن (Henry Molaison 1926-2008) ذلك الرجل البسيط يعلم أنه سيكون المريض الأكثر شهرة في التاريخ، وأن كل من درس الطب يومًا ما سيتحتم عليه أن يعرف قصته: سقط هنري وهو في السابعة (أو التاسعة) من عمره من على دراجته، مما أسفر عن إصابته بداء الصرع Epilepsy، تطورت حالته مع العمر حتى أصبح في 1953 وهو في سن السابعة والعشرين عاجزًا تمامًا عن ممارسة حياته بصورة طبيعية بسبب زيادة عدد وحِدة نوبات الصرع، آنها قرر جراح الأعصاب وليام سكوفيل William Scoville أن يجري لمريضه عملية جراحية يستأصل فيها البؤرة الصرعية من مخ هنري، بالفعل أجريت العملية بنجاح وتوقفت نوبات الصرع، ولكن ليست وحدها؛ لقد توقف شيء آخر غاية في الأهمية عن العمل، فما هو يا تُرى؟

 

لقد أصبح هنري عاجزًا عن تكوين أية ذكريات جديدة، بمعنى أنه ينسى بطريقة مذهلة كل ما يحدث له خلال اليوم، فقط بعد مرور فترة وجيزة جدًا من وقوعه، وبالأحرى هو إذن لا يذكر إطلاقًا ما وقع له بالأمس أو أول أمس، كل يوم هو يوم جديد تمامًا ويكأنه أول يوم له على ظهر الأرض. ولكنه يتذكر أشياءً سابقة بفترة طويلة عن توقيت إجراء العملية، كذلك لا يبدو عليه أي خلل في قدراته الإدراكية والمعرفية أو في مواهبه وخبراته؛ فهو يفهم جيدًا، ويستطيع أن يقرأ ويحسب. ويعتذر للشخص عن كونه قد نسي اسمه الذي قد أخبره به فقط منذ دقائق معدودات، ومازال قادرًا على قيادة السيارة وغيرها من الأمور.

 

كان هذا الوضع محيرًا لعلماء النفس والأعصاب، ومن ثم تحول هنري لمختبر بحثي حقيقي، وكانت النتيجة الأولى والأهم التي خلص إليها الباحثون هي أنه ليس ثمة مكان واحد من المخ موكول به كل مهام الذاكرة، وأن الجزء الذي استئصله سكوفيل من مخ هنري وهو الـ Medial temporal lobe مسؤول وفقط عما يُعرف بالذاكرة الواعية (المرتبطة بتسجيل الحقائق والأحداث) وعن تحويل الذاكرة قصيرة الأمد أو المؤقتة short-term memory لذاكرة طويلة الأمدlong-term memory . ومن ثم إزالة هذا الجزء من مخ هنري أورثه الـ anterograde amnesia، ولكنه لم يؤثر على أي من قواه الإدراكية المختلفة.

 

في memento نقابل ليونارد شيلبي والذي يحكي لنا أنه كان موظفًا في شركة تأمين (كمحقق يتقصى عن أهلية العملاء للتأمين)، حتى تعرض لعدوان هو وزوجته من قِبل رجلين، ماتت الزوجة بعدما اغتصبت، وهو تعرض لإصابة أسفرت عن فقدانه لذاكرته قصيرة الأمد، استطاع أن يقتل أحد الرجلين بينما فر الرجل الآخر بجريمته.

 

لقد تحول ليونارد إذن إلى H.M. جديد: “كيف تبدو الأحداث؟” يسأله برت موظف الفندق، فيجيب ليونارد: “كالاستيقاظ، كأنني أستيقظ للتو في كل مرة”. تمامًا كجواب هنري مولايسن عندما طلب منه أن يصف حاله: “إنه كالاستيقاظ من الحلم، كل يوم هو شيء مستقل تمامًا بنفسه”.

 

“ما هو آخر شيء تتذكره؟” تسأله ناتالي، فيجيب: “زوجتي” ترد ناتالي مبتسمة بقدر من الغيرة النسائية المبررة: “إنه لشيء جميل”. أي أن يكون الشيء الوحيد الذي يتذكره رجل ما من حياته برمتها هو زوجته، أن يكون عقله خاويًا تمامًا ممن سواها، لا ثمة شيء ليزاحمها! ولكن ليونارد يكمل كلامه بأسف: “زوجتي وهي تحتضر”. هذه هو الفرق إذًا بين هنري مولايسن وبين بطل memento؛ فعلى عكس هنري الذي كان يعيش حياة باسمة حتى وهو بين الباحثين تُجرى عليه الاختبارات العلمية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا المرموق (MIT) كان ليونارد يعيش مأساة حقيقية؛ إذ أن صورة زوجته وهي تحتضر بعدما اغتصبها المعتدي، وحدها ووحدها فقط ما يملأ رأسه.

 

من بعد الحادثة لا يصير لـليونارد هدف سوى القصاص ممن “قتل زوجتي، وسلبني ذاكرتي، وأفقدني المقدرة على أن أكون حيًا”. وجوهر المأساة هنا لا يتمثل فقط في كون ليونارد سيظل معذبًا في كل آن بهذه الصورة، وإنما في كونه حتى بعدما يصل لذلك الشخص ويقتله فعلًا، لن يتذكر أنه قد قتله واقتص لزوجته، فقط بعد مرور أقل من خمسة دقائق على فعل ذلك! لن يستقر في ذهنه إذًا الشعور بإنجاز القصاص. ولكن بماذا يرد علينا ليونارد عندما نورد عليه هذا الإشكال؟ “إن زوجتي تستحق أن أنتقم لها، بغض النظر عن وعيي بذلك من عدمه. إن عدم تذكري للأشياء لا يجعل أبدًا أفعالي بلا معنى؛ إن العالم لا يختفي حينما يغلق المرء عينيه”.

 

ماذا سيفعل ليونارد إذًا لتحقيق مبتغاه وهو غير قادر على التذكر؟ سيحاول الرجل ببساطة أن يصنع ذاكرته بيديه ولكن خارج رأسه هذه المرة: على صور سيجمعها وملحوظات سيكتبها على جسده ويكأنها تاتو أو وشوم. إنها ذاكرة بديلة إذًا وإرادية تمامًا يضع فيها ما يشاء ويحذف منها ما يشاء. إن ليونارد ليجادلنا بأن ذاكرته الصناعية هذه أكثر دقة وأهل للاعتماد عليها من ذاكرتنا الطبيعية: “الذاكرة يمكنها أن تغير شكل الحجرة أو لون السيارة. إن ذكرياتنا عرضة للتشوه، إنها مجرد تأويلات للواقع وليست تسجيلًا وفيًا له، وعندما يمتلك المرء الحقيقة لا تعود هذه الذكريات أمرًا ذا بال”.

في رحلته للقصاص هذه يعلق ليونارد في براثن شخصين يستغلان حالته العقلية تلك أبشع استغلال؛ سيوظفانه بالطبع دونما وعي منه كقاتل وبلا أجر. إنهما ناتالي النادلة والشرطي سابقًا تيدي؛ ناتالي المتورطة بين تجار مخدرات تطلب من ليونارد أن يقتل أحد أولئك الذين يطاردونها والذي يدعى دود. وبالفعل يحاول ليونارد أن يقتله. ثم تحيل ناتالي ليونارد على الشرطي موهمة إياه بأنه هو الشخص الذي يبحث عنه، انتقامًا منه لأنه قد دفع ليونارد قبل ذلك لقتل صديقها جيمي تجار المخدرات. فالشرطي بدوره كان يستغل ليونارد في تنفيذ أحكام إعدام تخصه هو، وفي كل مرة يوهم ليونارد بأن هذا الشخص هو قاتل زوجته الذي يبحث عنه، فيقتله ثم ينسى، ليدله تيدي على رجل آخر موهمًا إياه أيضًا بأنه هو بغيته، وهكذا مرات ثم مرات، حتى يقوم ليونارد بقتل تيدي في نهاية الأمر.

 

درس في الإبيستيمولجيا: نولان بين هيوم ولوك
يحرص نولان دومًا على أن تكون أعماله ذات مضامين فلسفية رصينة؛ نجد ذلك بوضوح في ثلاثيته التي حققها عن شخصية باتمان: ( Batman began, the dark knight and the dark knight rises 2005, 2008, 2012) حيث نجد فيها نقاشات فلسفية حول المعنى والعدمية، وحول سؤال الأخلاق والخير والشر. وكذلك يمكننا أن نتلمس فيها بحسب الفيلسوف اليساري المرموق سلافوي جيجك نقاشات حول الأسس اللاأخلاقية التي تنهض عليها سياسات الدولة الحديثة. أيضًا في عمله inception نجد أفكارًا هامة حول سؤال الحقيقة، والنظرة ما بعد الحداثية للواقع، وسؤال الإرادة البشرية، والمسؤولية الأخلاقية.

والحال، أن Memento قد اشتمل على محتوى فلسفيًا غزيرًا، ربما يتجاوز في دقة طرحه وصرامته باقي أعمال نولان. فما هي أهم المضامين الفلسفية التي التأم عليه هذا العمل؟

 

من ناحية الموضوع فإن مضامين Memento تتمحور حول الأسئلة الفلسفية التالية: المعنى، الحقيقة، المسؤولية الأخلاقية، والهوية. أما عن الفلاسفة الذين يمكن اعتبارهم أبطال العمل الحقيقيين، فهم رواد الفلسفة التجريبية: جون لوك (1632-1704) وديفيد هيوم (1711-1776). إن درس نولان الفلسفي هذه المرة درس إبيستمولوجي في المقام الأول وليس درسًا ميتافيزيقيًا. (ثمة باحثين قد قاموا بتأويل Memento على أساس فلسفة هنري بيرجسون. أو فلسفة فيتجنيشتين. ولكننا سنقتصر هنا على التأويل الهيومي واللوكي له).

 

1- أولوية الصورة: هيوم والعقل البشري
يمكن اعتبار هيوم أهم من قدم تنظيرًا صارمًا ودقيقًا للفلسفة التجريبية، كانط يشهد على ذلك قائلًا: “لقد أنقذني هيوم من سباتي الميتافيزيقي”. إن المذهب التجريبي ينهض ببساطة على الفكرة التالية: ليس ثمة أفكار فطرية في العقل البشري، وإنما تتشكل كل التصورات العقلية من خلال التجربة الحسية وحدها. إننا لا نفكر بواسطة معطيات فطرية وإنما بواسطة شيئين: الصور التي نكتسبها من الخبرة الحسية واللغة. بحسب هيوم فإنه يمكن تقسيم التصورات العقلية إلى نوعين: أولًا؛ الانفعالات أو الانطباعات، وثانيًا: الأفكار. أما الانفعالات فتشمل: الأحاسيس، المشاعر، العواطف، والرغبات،..إلخ. بينما الأفكار فهي عبارة عن تصوراتنا الذهنية التي نكونها عن هذه الانفعالات بعدما نجربها. فمثلًا: أن نغضب هذا انفعال، ولكن أن نفكر بعد ذلك في أسباب هذا الغضب ونتائجه فهذه هي الفكرة. مشاهدة فيلم ما هي انفعال، بينما التفكير في الفيلم بعد ذلك هو الفكرة. يؤكد هيوم على أن الانفعالات تكون أكثر حيوية والتصاقًا في أذهاننا من الأفكار. إن هيوم يرى أن كل تصوراتنا ليست سوى انعكاسًا لانفعالاتنا، وبالتالي فليس بإمكاننا أن نكون أفكارًا حول شيء ما حتى نجربه حسيًا. ولكن ماذا عن الذكريات؟ هيوم يرى أن الذكريات ليست انفعالات خالصة وليست أيضًا أفكارًا خالصة، وإنما هي تقع في نقطة بينهما.

 

إذن المعرفة العقلية تنبني وفقط على الخبرة الحسية، فلنختبر ذلك على أحوال ليونارد: لو تدبرنا في هذه الأحوال سنجد الرجل يعي ما حوله فقط على أساس الخبرات الحسية التي جربها قبل الحادثة؛ فمثلًا، في بداية الفيلم يصحو ليونارد فجأة فيجد نفسه في مكان ما، لا يدري ما هو أو أين هو أو متى وكيف وصل إليه، كيف يفهم ويتعقل ليونارد هذا الوضع المأساوي؟ إنه يبدأ في فحص المكان بناءً على خبرته السابقة: “أين أنت إذن؟” يسأل نفسه ويجيب: “أنت في غرفة فندق” مستدلًا بوجود المفتاح بجواره. لكن الخبرات السابقة لا يمكن لها أن تسعفه في تحديد الزمن الذي قضاه في هذا المكان: “ربما أسبوع، أو ثلاثة أشهر” يقول ليونارد معلنًا عن جهله.

 

كذلك بناءً على الخبرة السابقة، كان ليونارد يعرف الخدمات التي يمكن أن تقدمها له العاهرات. وكان يعرف أن بإمكانه أن يطلب إحداهن لتأتيه في الفندق.

أيضًا وهو مختبئ في الحمام متربصًا بدود ليقتله حماية لناتالي وبيده زجاجة خمر كسلاح، بعد فترة وجيزة من الانتظار نسي لماذا هو في هذا المكان! وليدرك واقعه اعتمد اعتمادًا كاملًا على خبراته الحسية السابقة: رجل وبيده زجاجة خمر يعني أنه في سبيله للسكر. ولكنه لا يشعر بالثمالة: “لستُ ثملًا!”، إنه لم يع زجاجة الخمر هنا كسلاح وإنما كشراب مسكر.
وبالمثل فإننا نجد ليونارد يعتمد على خبرته الحسية السابقة في وعي واقعه وتنظيمه من خلال استحضاره المستمر لنموذج سامي جينكز عميل شركة التأمين الذي كان يعاني من نفسه حالته والذي انتحرت زوجته على يديه عندما تركته يكرر إعطاءه لها جرعة الإنسولين ناسيًا في كل مرة أنه سبق وأعطاها إياها بالكاد منذ دقائق قد خلت: “تذكر سامي جينكز” هكذا كتب ليونارد على يده، ليستحضر تجربة الرجل على الدوام.

والحق، أن التمثل الأوضح لأفكار هيوم التجريبية في Memento يظهر لنا كالآتي: إننا نفكر بحسب التجريبيين من خلال شيئين: “الصور” الذهنية التي نجمعها من خلال التجربة الحسية واللغة. الصورة الذهنية هنا أساسية بينما اللغة مجرد أداة مساعدة فهي التي تنظم كمية الصور المهولة التي يتلقاها العقل يوميًا. وهذه حرفيًا هي الطريقة التي يفكر بها ليونارد؛ هو يعتمد على الصورة اعتمادًا أساسيًا: حيث يصور الأعداء والأصدقاء ومحل إقامته وسيارته، ثم بمساعدة اللغة يكتب على كل صورة ملاحظة توضيحية. إن الصورة هنا أهم من الكلمة بالنسبة للعقل البشري، وهذه هي أهم تعاليم هيوم.

 

ومن هنا نفهم لماذا كان ليونارد يوكل فشل سامي جينكز في إدارة حياته بعدما أصيب بالـ Anterograde amnesia، إلى كونه كان يعتمد على الكتابة فقط: “لقد كان يكتب ملاحظات لا نهائية، لقد تشوش تمامًا.” لقد تعلم ليونارد إذن وصار يعتمد على الصور أكثر من اعتماده على الكلمة. ومن هنا أيضًا يتضح لنا إصراره على عدم تلقي مكالمات هاتفية ممن لا يملك صورهم: “لا تجب أبدًا على الهاتف” هكذا وصى ليونارد نفسه، منعًا للتشويش الذي قد تحدثه الكلمة.

 

 

حتى إنه عندما يستعين بالكلمة فإنه يطبق عليها شروطًا صارمة: ينبغي أن تكون بخط يده هو: “يجب أن تتعلم الوثوق في خط يدك، إنه سيصبح جزءًا هامًا من حياتك”. ومن ثم هو يحتفظ بصورة لخط يده ليقارن به كل كتابة أخرى، لقد كان هذا التحفظ تجاه الكلمة في واقع الأمر سبيل نجاته من برت موظف الفندق الذي أراد أن يغرر به ويؤجر له غرفتين وليس واحدة. الصورة هنا بوصفها قاضٍ يحكم على الكلمة.

2- الهوية والذاكرة: وجهة نظر لوك
هل ثمة علاقة بين الذاكرة والهوية والمسؤولية الأخلاقية للشخص؟ بحسب جون لوك فإن الهوية ترتبط بالذاكرة بميثاق غليظ؛ إن هوية المرء ليست سوى وعيه بذكرياته. فكل ما يتذكره المرء هو جزء من هويته الشخصية، بينما أفعاله الماضية التي لا يتذكرها لا تعتبر جزءًا من هويته بالرغم من كونه قد فعلها يومًا ما. الهوية عند لوك إذًا ليست ثابتة وقارة وإنما هي تتسم بالديناميكية أما فيما يتعلق بهيوم، فالرجل يبدي قدرًا فظيعًا من الشك فيما يتعلق بإثبات الهوية الشخصية؛ فبحسبه ليس ثمة سبيل للتحقق من هذه الهوية، لماذا؟ لما كانت تعاليم هيوم الإبيستيمولوجية تقضي بأن تكوين فكرة عن شيء معين يستلزم أولًا تجريبه حسيًا بواسطة انطباع ما: عاطفة، إحساس، أو شعور، كان من غير الممكن أن نكون فكرة عن الهوية أو الذات، لأنها لا يمكن أن تخضع لهذه التجربة الحسية. الهوية إذًا ليست شيئًا ثابتًا، إنها مجرد حزمة من التصورات العقلية المختلفة.

 

والحال، أن هذه الرؤية التجريبية للهوية تظهر لنا بوضوح في شخصية ليونارد. الهوية بوصفها شيئًا متغيرًا على الدوام، وبوصفها حزمة من التصورات العقلية عن النفس، والذاكرة بوصفها جزءًا من الهوية الشخصية.

بداية ليونارد شخص يشعر بأزمة في هويته: “إنك لا تعلم من أنت” هكذا يصرخ تيدي في وجه ليونارد. “نحن جميعًا نحتاج للمرايا؛ لنذكر أنفسنا بحقيقتنا، أنا لست حالة شاذة في هذا السياق”، يقول ليونارد ليذكرنا بقول هيوم “إن عقول الرجال بمثابة مرايا لبعضهم البعض”، إن ما يحمله الآخرون عنا من تصورات هو جزء من هويتنا إذن، إننا نرى أنفسنا في عقول الآخرين.

 

إذا كان هيوم يرى أن الهوية هي حزمة من الانطباعات، فإن هوية ليونارد تمثل الحالة النموذجية لهذه الهوية، إنه في حالة تشكيل انطباعات على الدوام من غير تثبيت أي منها على شكل أفكار تحدد هويته.

 

والحق أن Memento في هذا السياق أكثر التصاقًا بأفكار جون لوك عن الهوية؛ إذ أن تحديد هوية ليونارد متوقف تمامًا على موضوع الذاكرة. هل ليونارد قبل الحادثة هو ليونارد بعد الحادثة؟ إن نولان في واقع الأمر قد عرض لنا مقتفيًا خطة لوك لتحديد الهوية ثلاث هويات لليونارد: الأول هو ليونارد ما قبل الحادثة والثاني ليونارد ما بعد الحادثة، وهذا الأخير منه هويتان: الأولى وهي التي عرضها لنا ليونارد بنفسه، أما الثانية فهي التي عرضها لنا تيدي حيث أكد لليونارد أن زوجته لم تمت وقت الحادثة، وأنه هو الذي قتلها بعد ذلك بسبب جرعات الإنسولين التي كان يعطيها لها بلا حسبان، نعم ليونارد هو من فعل ذلك بحسب رواية تيدي وليس سامي جينكز، فسامي ليس سوى شخص أسقط ليونارد عليه ذكرياته الخاصة وبنى مكانها ذكريات مغلوطة تمامًا. هنا الذاكرة هي من حددت إذًا هوية ليونارد في كل مرة.

أية رواية هي الحقيقية إذًا؟ هذا لا يهتم به نولان إطلاقًا، هو لا يعنية تقديم جواب عن هذا السؤال وإنما ما كان يعنيه هو طرح السؤال. الفكرة هي: إن وعينا بذواتنا ليس أبدًا جامدًا ونهائيًا، وإنما هو عرضة للتغيير على الدوام.

 

في حتمية البحث عن معنى: نولان ضد العدمية
“ينبغي أن أكون مؤمنًا بأن العالم موجود خارج ذهني، وبأن أفعالي لا تزال ذات معنى بالرغم من كوني أنساها. وبأن العالم لا يختفي حين أغمض عيني”، هذه هي مواعظ ليونارد لنفسه في خاتمة الحكاية، ينبغي أن يكون ثمة معنى يعيش له في هذه الحياة. حتى وهو في تلك الوضعية العقلية البائسة.

 

لقد كان على ليونارد أن يصنع لنفسه “سردية كبرى” تعطى معنى لحياته، حتى لو كان هذا المعنى هو مجرد الانتقام. “أنت حي” يقول له تيدي “لكي أنتقم” يرد عليه ليونارد.

لا بد من الحصول على هذه السردية مهما كان الثمن: فـ “كلنا نكذب على أنفسنا لكي نكون سعداء” بحسب رواية تيدي فإن ليونارد في سبيله لخلق معنى لحياته غير الذي في ملفات الشرطة عن الحادثة، ليتفنن في صنع ألغاز يجري وراءها فقط ليكون لحياته معنى: “أنت لا تريد الحقيقة، لقد صنعت حقائقك الخاصة” يقول له تيدي.

 

أيضًا ليونارد قد حرق بيده صور جثة جيمي وصورته التي التقطها له تيدي بعدما قتل الشخص الذي يدعي تيدي أنه هو المجرم الذي يسعى خلفه، لكي يمحو احتمالية أن يكون الهدف الذي يحيى له قد أنجز بالفعل، ومن ثم يعيش بلا معنى. لذلك هو قد كتب ملحوظة على صورة تيدي: “لا تصدق أكاذيبه” فتيدي كان سيحرمه من معنى حياته. لن يكذبه وفقط بل سيجعل منه هدفًا للقتل سيعيش لينجزه يومًا ما.

 

Memento كتجربة: عندما يصير المشاهد بلا ذاكرة
لقد صمم نولان فيلمه هذا بطريقة فريدة بحق: ثمة نوعين من المشاهد في الفيلم تعرض بالتبادل: مشاهد بالأبيض والأسود ومشاهد ملونة. أما المشاهد الأبيض وأسود فتعرض لنا ليونارد وهو في حجرته في الفندق يتحدث بالتليفون مع تيدي ويكتب ملاحظاته على جسده، ويحكي لنا عن سامي جينكز وعن زوجته المغدورة. والمشهد الأبيض والأسود الأخير هو المشهد الأطول الذي يخرج فيه من الفندق ويقتل جيمي جرانتز صديق ناتالي. بينما باقي الأحداث تعرض لنا ملونة.

 

المشاهد الأبيض وأسود تُعرض بترتيب زمني طبيعي، بينما المشاهد الملونة تُعرض بترتيب زمني معكوس، فنهاية كل مشهد ملون جزء من بداية المشهد الذي يليه، ولكن المشهد الثاني يعرض قبل الأول. هذا الترتيب المعكوس للمشاهد الملونة قد نبهنا إليه نولان في أول مشهد في الفيلم وهو مشهد ملون، يقتل فيه ليونارد تيدي حيث عرضه بطريقة معكوسة.

 

بحسب التسلسل الطبيعي للأحداث فإن المشاهد الأبيض والأسود تسبق المشاهد الملونة. وآخر مشهد أبيض وأسود (مشهد قتل جرانتز) هو الذي يربط المشاهد الأبيض والأسود بالمشاهد الملونة، ينبهنا نولان إلى ذلك عن طريق تحويله من الأبيض والأسود للملون.

وعليه فلو أردنا أن نشاهد الأحداث بترتيب زمني طبيعي سيكون علينا أن نشاهد أولًا كل المشاهد الأبيض والأسود بنفس ترتيب عرضها في الفيلم، وبعدما تنتهي نبدأ في مشاهدة المشاهد الملونة ولكن بعكس ترتيبها في الفيلم. والحال أنه ليس بميسورنا أن نفعل ذلك، فلا سبيل لمشاهدة الفيلم إلا بتلك الطريقة الفريدة التي صممه بها نولان.

ما غاية نولان إذًا من وراء هذا التصميم؟ إن الغاية تتمثل ببساطة في إرباك المُشاهد لأقصى درجة ممكنة؛ فترتيب المشاهد على هذا النحو يجعل من المستحيل عليه أن يتذكر المشهد السابق. أي أن نولان أراد من المُشاهد أن يعاني مثل معاناة ليونارد حيث كل منهما لا يذكر ماذا حدث منذ دقائق. المشاهد هنا يتم الزج به فجأة في وسط الأحداث كأنه للتو قد استيقظ، تمامًا كحال ليونارد، بحيث لا يستطيع إدراك بداية أو نهاية واضحة للأحداث، إن المُشاهد بعدما ينتهي من مشاهدة Memento لن يكون قادرًا على سرد ما جرى على وجه الدقة، ويكأن نولان قد حول جميع المشاهدين إلى نسخ مؤقتة من H.M. !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم, نولان

المصادر

1- Memento script, by Christopher Nolan, 2000
2- Bragues, George, memory and morals in memento: Hume at the movies, film philosophy 12.2. 2008.
3- Kania, Andrew, Memento, Routledge, 2009.
4- Molloy, Claire, Memento, Edinburgh university press, 2010.
5- Baron, Richard, film and philosophy: memento and personal identity.
6- Smith, Basil, John Locke, personal identity and memento, Phil papers, 2006.
7- Larry R. Squire, The legacy of patient H.M. for neuroscience, neuron journal, 2009.
عرض التعليقات
تحميل المزيد