الثورات التي تزيل الأقنعة وتظهر معادن الناس، والمجتمع المصري بتعقيداته وتناقضاته، هذا باختصار ما تعرّض له الأسطى محمود أبو حنفي في كتابه “مذكرات عربجي” الصادر في عشرينيات القرن الماضي، نعثر على الطبعة الأصلية للكتاب في المكتبة المركزية بجامعة الإسكندرية وهي من ضمن الكتب المصادرة بعد ثورة يوليو 1952 من قصر جعفر والي باشا أحد مثقفي تلك الحقبة، كما يقول د. فتحي أبو راضي المشرف على المكتبة، وقد خطّ عليها مؤلفها الإهداء التالي: من المؤلف سليمان نجيب.

 

 

إذا فالأسطى محمود أبو حنفي ما هو إلا اسم مستعار للفنان سليمان بك نجيب (1892 – 1955 )، وكان كتب هذه المذكرات على شكل مقالات مسلسلة صدرت في مجلة الكشكول عقب ثورة سعد زغلول في العام 1919 وما رافقها من اضطرابات وإضرابات، وما لبثت هذه المقالات أن جمعت في كتاب صدر لأول مرة في العام 1922، وقد أعادت إصداره قبل سنواتٍ قليلة كل من هيئة قصور الثقافة المصرية ضمن سلسلة ذاكرة الوطن ومؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.

 

 

وسليمان نجيب من أشهر ممثلي السينما المصرية في بداياتها، أول دورٍ له كان في فيلم الوردة البيضاء للمخرج محمد كريم (1932)، ظهر بعده في كثير من الأفلام السينمائية من أهمها: غزل البنات، لعبة الست، قطار الليل، فاطمة، ونهاية قصة، كما شارك في عددٍ من المسرحيات، كاتبًا وممثلاً.

 

 

قبل عمله في الفن، و بضغطٍ من عائلته ذات المكانة المرموقة، شغل نجيب وظائف حكومية؛ فعمل سكرتيرًا لعدة وزراء أوقاف، ونائبًا لقنصل مصر في أسطنبول، ثم سكرتيرًا لوزير الحقانية.

 

 

تولى خلال عمله في التمثيل مناصب فنية، عدة فكان رئيسًا لجمعية أنصار التمثيل ومديرًا لدار الأوبرا المصرية، فضلاً عن تأليفه العديد من المقالات الصحفية واقتباسه عددًا من الروايات العالمية.

 

 

في هذه المذكرات، اختار نجيب تقمص شخصية السائق الذي يجوب مدينة القاهرة بعربته فيتعرف على شتى أنواع البشر ويحلل سلوكهم وتصرفاتهم في ضوءِ القيم التي كانت سائدة في تلك الحقبة.

 

 

يحتوي الكتاب الذي يقع في اثنتين وثمانين صفحة من القطع المتوسط على مقدمتين وستة عشر فصلاً أو “مذكرة”، فضلاً عن فصلين ختاميين، “فين أنت يا حنفي” و”في الختام”.

 

 

المقدمة الأولى يتوجه من خلالها الكاتب إلى “الأستاذ النابغة فكري أباظة” راجيًا إياه  أن يكتب له”كلمة صغيرة يضعها في مقدمة مذكراته التي ظن بعضهم أنها جديرة بالنشر”، مضيفًا بخفة ظلّ مشهودةٍ له، “ومن كان من أخلاقه الكرم والبحبحة فلا أظن أن يضن على حوذيِّه القديم بما يطلبه، أبقاك الله وجعلك ظلاً لأمثالي المساكين الغلابة”، مؤرخًا مقدمته تلك في 18 رمضان سنة  1341 هـ، ما يوافق العام 1922 م.

 

 

يردّ أباظة في المقدمة الثانية شاكرًا المؤلف على حسن الظن، ومشيدًا بأسلوبه قائلاً “رأيت خفة الروح تنساب بين الأسطر انسيابًا ورشاقة العبارات تتدفق دفقـًا، لقد  لذعت بكرباجك العظيم ظهور المتهتكين والمتهتكات، المتحذلقين والمتحذلقات، وقديمًا كان الكرباج أداة التهذيب والتأديب، ولكن كرباج العهد الغابر كان يسيل الدم ولا يجرح النفس، أما كرباجك أنت فلا يُسيل الدماء، ولكن يجرح النفوس، ونحن إنما نريد معالجة الأرواح لا الأبدان، فشكرًا لك يا طبيب النفوس”.

 

 

يشبّه العربجي الأديب عربته التي امتطاها الآلاف بـ”برج بابل”، يقودها مفتوح العين والأذن، “منصتـًا لما يدور داخلها مشاهدًا في توصيلاته المختلفة غرائب الغرائز ومتباين الأخلاق”، فيطلع على “أسرار كثيرة منها المضحك ومنها المبكي”، فيخلص إلى أنه “كم راكب في المركبات تجره، ولو تنصف الأيام كان يجرّها”.

 

 

يرصد الأسطى حنفي بعيني ابن البلد الواعي نماذج إنسانية من البيئة الاجتماعية والسياسية في تلك الحقبة، ويتوسع في استعراض أصناف الزبائن، زاعمًا أنه تكفيه “نظرة واحدة للزبون” ليعرف قيمته الأخلاقية؛

 

فهناك المتكبر المتعجرف، وهناك المخنثون، والبخيل المدقق “الذي يدفع لك بالمليم”، والثري الذي “يبعثر ماله ذات اليمين وذات اليسار”، والشاب من “شباب العصر الأغنياء، فيجب أن أحتمل ممن يسيرون وراءه من سكرتارية وهواشين وأونطجية أنواع النكت الباردة والتعرض لما لا يعنيهم”، وهناك العاشقان اللذان يجعلان من عربته ملتقى لهما فيضطر “أن يترك لهما حرية الحديث والتنهد والتقبيل والبكاء والهمس والعتاب”، وهناك أيضًا “النفر من جنود جلالة الملك أيام الحرب، الذين ستتعلم منهم في فن الزوغان أحدث الطرق، وإذا خطر لك أن تتعرض لأحدهم طالبًا حقك أعطاك إياه لكمًا ورفصًا وجعلك تتعلم آداب المطالبة بطريقة إنكليزية”.

 

ويحضر أحيانًا في تلك المغامرات شرطيّ يحرر له مخالفة أو قد يضطر الأسطى للجوء إليه لحل إشكال، فينتهي الأمر إما في القسم أو بـ… (أي رشوة يكتفي الكاتب بالتلميح لقارئه الفطن).

 

 

كما نقع في مذكرات أبي حنفي على نموذج أحد البكوات الذي تنقل في ولائه بين الزعماء، فبدأ بـ (لا رئيس إلا سعد) ليتحول إلى (عدلي فوق الجميع) ثم هتف أن (لا حياة إلا ثروت)، و”الله أعلم أن المسألة ستنتهي على ما يرى نظري القصير بـشعار (لا رئيس إلا ما تقتضيه الأحوال)”، في إشارةٍ إلى توالي كل من سعد زغلول وعدلي يكن وعبد الخالق ثروت على رئاسة الوزراء في ظل نظام الحماية،

 

وهو إن كان ينتقد هذا النموذج المتلون، لكنه متسامح معه، يضحك منه في سره “لأن وجود هذه الشخصيات الجوفاء على مسرح السياسة في كل أمة لازم لتفريج الهم عند نزول الضيق”. وعلى الرغم من تساهله هذا، فهو لا يتردد في اتخاذ موقف حازم “لا يعرف أونطة السياسة” من الانقسامات السياسية التي أضعفت الموقف المصري؛ فبرأيه، “طالما كان الاتحاد ناشرًا رايته، والمركب بها رئيس واحد ينصاع لرأي الأغلبية”، فلا يمكن لأحد أن يتغلب عليه.

 

 

أما المظاهرات فقد أفرد لها صفحات يسرد ما كان يجري في كواليسها وعلى خلفية هتافاتها من مواقف إنسانية وغرامية.

 

 

كما يهجو الأسطى في مذكراته ظاهرة الكوكايين ومن يتعاطونه ويبذلون في الحصول عليه كل غالٍ، متهمًا أوروبا بتصديره إلى مصر: “والآن أصف لكم كيف يموت شبابنا، وتضيع تلك القوة التي هي عمادنا في المستقبل! لو تعلمون إلى أي حد انتشر لهالكم الأمر! فقد أصبحت زجاجات الكوكو مع أغلبية شبابنا ألزم من رباط الرقبة، من المنديل بل من زر الطربوش.”، ملمحًا إلى الثروات الطائلة التي جمعها تجار المخدرات وانتقلوا بفضلها من أوضع المراكز إلى أعلاها شأنـًا.

 

 

كما ينتقد تحرش الشبان بالسيدات المصونات، داعيًا الله في ختام مذكراته أن يحفظنا “من كابوس الرذالة وقلة التربية، وأن يهدي الجنس اللطيف ويمنحه الرزانة والثبات.”

 

 

يمكن تصنيف الكتاب ضمن خانة الأدب الساخر، وعلى الرغم من أن لغته مطعمة ببعض المفردات العامية المستقاة من محكيات تلك الفترة، إلا أن ذلك لا يقلّل من فصاحتها، فلكل مقامٍ مقال. وليس من المبالغة القول إن هذه المذكرات تشكل وثيقة أدبية تخلد ذكر الأمكنة، الكورسال ومقهى ريش وجروبي وكلوب محمد علي وبيت الأمة، وتحيي بالنسبة للقارئ المعاصر جزءًا من الذاكرة المصرية، كما أنها تغري بالنظر إلى الحاضر في مرآة الماضي،

 

فالثورات ما زالت نهبًا للانتهازيين ومقتنصي الفرص والمتلونين، يقفزون بين جبهاتها بحسب ما تمليه أهواؤهم ومصالحهم، والمخدرات ما زالت تفتك بالمجتمع المصري، وظاهرة التحرش الجنسي تزداد استفحالاً.

 

لو عاش الأسطى حنفي في أيامنا هذه، ماذا كان ليكتبَ في مذكراته؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد