يقول المراغي: سوف يبقى يوم 26 يناير (كانون الثاني) 1952 في تاريخ مصر يومًا من أهم أيامها، ففي هذا اليوم بدأت مرحلة اللااستقرار الرهيبة التي عاشتها مصر. وهو الذي مهد نفوس المصريين لاستقبال حركة الجيش فجر 23 يوليو (تموز) استقبالًا طبيعيًّا.

وبالرغم أنني منذ توليت وزارة الداخلية يوم الاثنين 28 يناير 52 قد حاولت جهدي – عن طريق الأجهزة التي كانت موجودة بالطبع- معرفة من هو الفاعل، فإن كل المحاولات التي جرت لم تستطع أن تقبض على يد محددة توجه إليها الاتهام.

مع ذلك، وقبل أن أنتهي من الفصل الخاص بحريق القاهرة وأغلق ملف أوراقي، فإنني وعلى الرغم من مرور كل السنوات التي مضت لا أستطيع أن أغفل عددًا من الملاحظات المهمة التي أصبحت تدعم وتؤكد يقيني بأن فاروق نفسه ملك مصر هو الذي كان وراء هذا الحريق، وإذا كان التعبير القانوني الشهير (من ظاهر الأوراق) هو الذي يجعل القضاة في بعض القضايا يصدرون حكمهم. فإنني أستطيع أن أقول إنه كانت هناك إلى جانب (من ظاهر الأوراق) التي تشير إلى اتهام فاروق، ما هو أكثر، بل إلى حد استخدام (من باطن الأوراق) لا من ظاهرها.

لقد كان لافتًا للنظر بل والدهشة، أن يشترك ضابط من الجيش، وهو محمد علي عبد الخالق، ومعه جنود السواري، اشتراكًا علنيًّا واضحًا في المظاهرات التي قامت صباح السبت 26 يناير 1952 كرد فعل لأحداث الإسماعيلية في اليوم السابق، وهي التي أوضحت في الفصول السابقة كيف بدأت باشتراك جنود بلوك النظام.

لم تكن هذه المظاهرات مقصورة فقط على البوليس والطلبة وفئات من الشعب المختلفة التي انضمت إليها، وإنما كان الغريب أن يشترك فيها ضابط جيش وجنود جيش. ولم يكن من المعقول أن يجرؤ هذا الضابط وهؤلاء الجنود على السير في هذه المظاهرة وحدهم دون أن يكون لديهم ضوء أخضر يسمح لهم بذلك. لأن الترجمة الواقعية لاشتراك ضابط عسكري في مظاهرات تمرد من قوات مسلحة هي قوات بلوكات النظام تعني أمرًا خطيرًا، وعقوبات صارمة جدًّا.

فهل يمكن تصور أن هؤلاء الضباط والجنود لم يقدّروا مغبة وعاقبة ما أقدموا عليه؟

الجيش يطلب محاكمتهم

لم يكن اشتراك الضابط محمد عبد الخالق سرًّا، فقد تم تصويره وهو محمول على الأعناق في المظاهرات، وعقوبة مثل هذا التصرف صارمة جدًّا كما قلت، لكن الغريب أننا بعد أن قبضنا على محمد عبد الخالق وعلى جنود السواري الذين عرفنا شخصياتهم من الصور الفوتوغرافية وأحلناهم إلى النيابة، فإن قادة الجيش، وعلى رأسهم الفريق محمد حيدر، تدخلت لدى النيابة وطلبت تسليم هؤلاء العسكريين إلى سلطات الجيش لتتولى محاكمتهم بمعرفتها عسكريًّا، وتم تسليمهم بالفعل إلى الجيش.

ولكن وكما عرفت وتأكدت، فإن أحدًا منهم لم يعاقب، لا الضابط ولا أحد الجنود فمن الذي كان يمكن أن يحميهم ويوفر لهم الأمان في ذلك الوقت غير القصير؟

السلطانة ملك تحذر فاروق!

غير ذلك أذكر حادثتين لهما دلالتهما:

أما الأولى فهي أنني شخصيًّا سمعت أن السلطانة ملك «زوجة السلطان حسين، وكان فاروق يعتبرها بمثابة أمه ويستشيرها في الكثير من الأمور»، أقول سمعت أن السلطانة ملك أزعجها ما حدث في الإسماعيلية بين الإنجليز والبوليس يوم الجمعة 25 يناير، وأنها اتصلت بالملك فاروق تسأله تفاصيل الحادث. وعندما عرفت السلطانة ملك بما حدث من فاروق أوضحت له بخبرة السيدة المحنكة أن هذا الحادث خطير يعرض البلد إلى منزلق خطير. وكان رد فاروق كما عرفت أنه يوافقها على انزعاجها، ولكن لا بد من إيصال البلد إلى منزلق حتى يمكن إصلاحه بعد ذلك!

أغلق ملف حريق القاهرة!

ذلك حادث سمعته، لكن الحادث الثاني عشته.

فذات يوم – وأنا في الوزارة- اتصل بي الدكتور حافظ عفيفي رئيس الديوان الملكي في ذلك الوقت وقال: إنه يود رؤيتي وقابلته. وما إن صافحته وجلست حتى قال ضاحكًا وغليونه في فمه: أنت تاعب نفسك كثيرًا في موضوع حريق القاهرة ليه؟

قلت: وما وجه العجب في ذلك؟ وهل هناك ما هو أخطر من هذا الحادث؟

قال حافظ عفيفي: هذا موضوع انتهى وفات. والبلد أمامه مسائل كثيرة أخرى تستحق الاهتمام أكثر من حريق القاهرة.

قال حافظ عفيفي دون أن يتركني أتحدث: إن كثيرين من موظفي وزارة الداخلية لا يزالون خائفين من أن تحملهم المسؤولية، وقد بلغنا أنك عاقبت بعضهم بتهمة التقصير في كشف الفاعل وهذا يكفي. إنني أرجو أن تغلق ملف حريق القاهرة. وهذا رجاء أقوله لك يا سيد مرتضى وأنت حر فيما تقرره.

قلت له: حافظ باشا، هل هذا رأي شخصي أو رأي جلالة الملك! قال بابتسامة لا تغيب عن فطنة من يحدثه: لا تنس يا أستاذ مرتضى أنني رئيس ديوانه! وخرجت من عند رئيس الديوان الملكي وأنا أفهم بالطبع معنى الرسالة، وكنت قد عاقبت بالفعل بعض رجال الأمن الذين ثبت عليهم من تحقيقات النيابة التي جرت تهمة الإهمال في القيام بواجبهم.

ومع أنني ترددت كثيرًا قبل توقيع العقوبة على أساس أنهم كانوا تحت ظروف قاسية يصعب فيها القيام بشيء يوقف الدمار؛ لأن موجته كانت أعلى من قامتهم، إلا أنني وقعت هذه العقوبة ضمانًا للمستقبل، وحتى لا يقصر من تقع عليهم المسئولية اتكالًا على أنهم سيكونون بمنجاة من العقاب.

التعليق

تشير الفقرة الأولى في هذا الجزء من الحلقة الرابعة إلى أن الأستاذ المراغي عجز عن معرفة الجاني الحقيقي الذي قام بحريق القاهرة، رغم تأكيده بأن الشرط الأساسي لتقلده منصب وزير الداخلية هو معرفة من هو الذي قام بحوادث حريق القاهرة في 26 يناير 1952؟

والسؤال التقليدي الذي يثور في هذه الحالة وهو، لماذا لم يقدم الأستاذ المراغي استقالته عندما فشل في تحقيق الغرض الذي من أجل تحقيقه تولى منصب وزير الداخلية؟ لقد ألقى المراغي اللوم على كثير من الوزراء، وخاصة وزراء حكومة الوفد بسبب تقاعسهم في حماية أمن البلاد، ولكن الأستاذ المراغي من أجل تغطية فشله قام باختراع موضوع تدخل رئيس الديوان الملكي حافظ عفيفي بإيعاز من الملك فاروق لإثنائه عن معرفة محدث حريق القاهرة.

والدليل على ذلك أن حافظ عفيفي باشا، بالرغم من أنه كان في تلك الفترة رئيس الدوان الملكي، فإن كانت علاقته بالملك فاروق كانت سطحية جدًّا طول فترة رئاسته للديوان الملكي، التي لم تتعد سبعة أشهر «من 24 ديسمبر (كانون الأول) 1951 حتى 20 يوليو 1952»، فحافظ عفيفي عُين في 24 ديسمبر 1951 والمراغي عُين وزير داخلية في 28 يناير 1952. وقد عُين حافظ عفيفي رئيسًا للديوان الملكي لضرورة خاصة اضطر إليها الملك، والحقيقة أن الذي كان يقوم بمهام الديوان الملكي الفعلية آن ذاك هو وكيل الديوان الملكي حسن يوسف باشا.

كما أن حافظ عفيفي كان بعيدًا عن القصر الملكي قبل تعيينه فقد كان يعمل في بنك مصر، وكان يعد رجلًا من ضمن رجال الإنجليز، والملك فاروق كان لا يحب الإنجليز. فكيف لشخص يبدو على هامش أعمال القصر الملكي يكون هو رسول الملك إلى المراغي لكي يبلغه بغلق ملف حريق القاهرة؟ والمراغي يقصد بهذا الأمر لكي يعطي ذريعة بأن الملك أرسل له تبليغ رسمي بغلق ملف حريق القاهرة، والملفت أن الأستاذ المراغي لم يذكر اسم حسن يوسف باشا القائم الفعلي بمهام الديوان الملكي في هذا الأمر، وذكر اسم حافظ عفيفي باشا بدلًا منه! لأنه يعرف مسبقًا أن حسن يوسف باشا كتب مذكراته قبل كتابة المراغي لمذكراته، ولم يذكر فيها تلك الواقعة، كما أن المراغي لم يحدد تاريخ هذه الواقعة، فقد ذكر فقط عبارة «فذات يوم وأنا في الوزارة»، ومثل هذه العبارات لا تصلح لكتابة المذكرات كما تحدثنا من قبل.

أثناء تقديم كريم ثابت المستشار الصحفي للملك فاروق إلى المحاكمة التي أقيمت بعد انقلاب يوليو 1952. قال كريم ثابت لهيئة المحكمة التي تشكلت برئاسة عبد اللطيف البغدادي ردًّا على شهادة حافظ عفيفي باشا ضده: «وحافظ عفيفي جاي النهارده وبيقول إنه نصح الملك، مع العلم أنه لم يقابل الملك سوى مرة أو مرتين في عهده. وأحب أسمع رئيس وزارة سابق أو وزير سابق يحلف ويقول إن كريم راح له وطلب رغبة لنفسه أو للملك». «استجواب كريم ثابت أثناء محكمة انقلاب يوليو- جريدة الأهرام 16 أكتوبر (تشرين الأول) 1953».

ومن كلام كريم ثابت أثناء محاكمته بعد انقلاب 23 يوليو بتهم الفساد، يتضح أن النصيحة الموجهة من حافظ عفيفي للمراغي بالكف عن التحقيقات الخاصة بحريق القاهرة، وغلق الملف نهائيًّا، لم تكن بتوصية من الملك؛ لأنه لم يقابل الملك طيلة فترة رئاسته للديوان الملكي غير مرة أو اثنين. وأننا نشك من أنه كانت هناك نصيحة من الأصل وجهها حافظ عفيفي باشا للمراغي بوجوب غلق ملف حريق القاهرة.

أما إشارة المراغي إلى اشتراك عدد من الضباط والجنود التابعين للجيش في مظاهرات يوم السبت 26 يناير 1952 يوم حريق القاهرة. ومنهم الضابط محمد عبد الخالق الذي صُوِّر وهو محمول على الأعناق ويهتف ضد الحكومة وسراج الدين، ويزعم المراغي أنه قُبض على هذا الضابط وبعض الجنود وحولوا إلى النيابة، ولكن قيادات الجيش، وعلى رأسهم الفريق محمد حيدر، احتجوا على هذا القبض، وطلبوا تسليمهم للجيش لمحاكمتهم عسكريًّا.

بالرغم من أن الأستاذ المراغي حمل حقيبة الداخلية والحربية، بالإضافة إلى أنه محام مرموق، فإنه كثيرًا ما يدعي عدم المعرفة بالحقائق الإدارية داخل الوزارات، أو يعطينا إحساسًا ونحن نقرأ مذكراته أنه يتجاهل عن عمد الكثير من الحقائق المسلمة، والتي يعرفها عن ظهر قلب كل من تعلم ألف باء قانون.

فالمعروف لدى طلاب السنة الأولى في كلية الحقوق أنه لا يجوز محاكمة أي ضابط أو جندي إلا بمعرفة القضاء العسكري.

أما القول إن القضاء العسكري لم يصدر أي أحكام على هذا الضابط وهؤلاء الجنود، فإنه من ظاهر الأوراق كما يقول الأستاذ المراغي أن تهمة هذا الضابط وهؤلاء الجنود لا تتعدى التظاهر والهتاف دون أن يثبت عليهم تهمة الإتلاف العمد أو الحرق. وعقوبة تهمة التظاهر بالنسبة للعسكريين التوبيخ ولفت النظر، ومن مراجعات حوادث التظاهر في مصر، والتي اشترك فيها العسكريون قبل حريق القاهرة، نجد المظاهرة الحاشدة التي قام بها ضباط الجيش احتجاجًا على حادث 4 فبراير (شباط) 1942. وأيضًا كانت هناك مظاهرات أخرى خاصة بضباط البوليس عام 1947 بالرغم من كون طبيعة ضباط البوليس التي تأخذ شكل الهيئة المدنية، ولكن الأستاذ المراغي يزعم أنه لا توجد أي مظاهرات قبل حريق القاهرة واشترك فيها عسكريون.

والغريب أن الأستاذ المراغي يشيد بضباط وجنود الجيش والبوليس باشتراكهم في مظاهرات 26 يناير 1952 وينعت هذا الأمر باتحاد الجيش والشرطة، ويستنكر ذلك على الملك فاروق.

والنقطة الأخيرة في هذا الجزء، وهي فقرة حوار الملك فاروق مع السلطانة ملك أرملة السلطان حسين كامل، عم الملك فاروق، كما عرضه لنا الأستاذ مرتضى المراغي.

وفي بداية هذه الفقرة يقول الأستاذ مرتضى «سمعت» ويؤكد على هذه الكلمة ثانية «سمعت»، والملاحظة الواضحة هنا أن أغلبية مذكرات الأستاذ مرتضى المراغي التي نتدارسها هنا، سماعية، قليلة جدًّا نرى الأستاذ المراغي يقول في إحدى وقائع تلك المذكرات رأيت أو شاهدت بنفسي.

وبتحليل حوار الملك فاروق مع السلطانة ملك نطرح عدة أسئلة وهي:

أولًا: لم يذكر الأستاذ المراغي في هذا الحوار مصدر سماعه بهذا الحوار؛ أي لم يذكر اسم الشخص الذي قال له حوار الملك فاروق مع السلطانة ملك.

ثانيًا: قال المراغي إن السلطانة ملك اتصلت بالملك فاروق بالتليفون لتعرف منه تفاصيل حادث الإسماعيلية. فكيف عرف مصدر هذه الرواية أن السلطانة ملك كانت تكلم الملك فاروق بخصوص حادث الإسماعيلية، مع أن المعروف أن الدستور (دستور 1923) يمنع تدخل أي فرد من العائلة المالكة «الأسرة الملكية فقط وليس أصهارها» في الأمور السياسية حتى لو كانت بالنصيحة.

ثالثًا: من عرض المراغي لهذا الحوار الذي يقول فيه إن السلطانة ملك انزعجت عندما علمت بتفاصيل الحادث، ولكن الملك فاروق رد عليها أنه يوافقها على انزعاجها، ولكن لا بد من إيصال البلد إلى منزلق حتى يمكن إصلاحه بعد ذلك!

وإذا افترضنا بصحة أنه كان هناك اتصال بين الملك فاروق والسلطانة ملك بخصوص حوادث الإسماعيلية، فهل يعقل أن يرد الملك فاروق على انزعاج السلطانة ملك من وقوع تلك الحوادث بأنه لا بد من إيصال البلد إلى كارثة حتى يتمكن من إصلاحه، وبذلك يعترف لها بأنه ضالع في هذه الحوادث، ويسبب لها إزعاجًا أكثر من الذي هي فيه، مع أن المراغي ذكر أن الملك فاروق لم يكن ضالعًا في حوادث الإسماعيلية، ولكنه مدبر حريق القاهرة فقط.

يتبع في الجزء الثاني من الحلقة الرابعة بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر بنهاية الحلقة الرابعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد