نستكمل التعليق على حديث المراغي الذي ورد بالجزء الثاني من هذه الحلقة.

ولم يكتف الأستاذ المراغي بإلصاق تهمة المماطلة بالملك فاروق في أمر نزول الجيش لمواجهة حرائق القاهرة بل ألقى بسيل من المطاعن والاتهامات على جبين الملك فاروق على الرغم من معرفته جيدًا ببطلان هذه الاتهامات.

ولكن من الأمانة يجب علينا الرد على تلك الاتهامات وحتى ننفض الغبار من فوق صفحات التاريخ.

وأول هذه المطاعن الزعم بأن الملك فاروق أقام وليمة لضباط الجيش والبوليس يوم 26 يناير (كانون الثاني) 1952 يوم حريق القاهرة بدون مناسبة وذلك بهدف تعطيل الجهود لإنقاذ القاهرة من الحرائق والدمار.

ولكن الحقيقة أن الديوان الملكي قرر منذ ميلاد ولى العهد الأمير أحمد فؤاد في 16 يناير 1952 أن يقيم أكثر من مأدبة للاحتفال بمولد الأمير أحمد فؤاد الثاني، المأدبة الأولى للعائلة الملكية، والثانية خاصة للوزراء وكبار رجال الدولة، والثالثة خاصة بضباط الجيش والشرطة والتي تقرر إقامتها يوم 26 يناير.

يقول كريم ثابت (صحفي خاص للشؤون الملكية تقلد وزارة الدعاية (الإعلام) في حكومة حسين سري التي تشكلت أول يوليو 195 في مذكراته الصادرة عن دار الشروق عام 2000: «ومن تلك الذكريات ما حدث في المأدبة التي أقيمت في قصر عابدين بمناسبة مولد ولي العهد ودُعي إليها رئيس الوزراء (وكان النحاس) ورئيسا مجلسي البرلمان والوزراء وبعض كبار رجال الحكومة وكبار رجال القصر. وكان المفروض أن المناسبة سعيدة وإن كان فاروق ممتلئًا غبطة وحبورًا وأن جو المأدبة جو مرح وسرور وابتهاج، وأن الضيوف سيأكلون هنيئًا ويشربون مريئًا. ولكن فاروق أبى أن تنسيه المناسبة السعيدة واجب التوجيهات السامية فقال مخاطبًا عبد السلام فهمي جمعة باشا رئيس مجلس النواب: «عندى ملاحظة لك وهي أنه عندما تؤخذ لك صورة في المجلس يحسن أن تكون لابسًا الطربوش» ثم التفت إلى فؤاد سراج الدين وكان جالسًا على بعد ثلاثة أمتار منه وقال عندي ملاحظة أخرى لوزير الداخلية وهي أنه عندما تخرج من التشريفات ويتم تصويره مش ضروري يكون بيدخن السيجار».

فهذه واقعة تدل على أن الملك أقام وليمة للوزراء وكبار رجال الدولة قبل وليمة الضباط مما يدل على أن هذا الأمر كان مقررًا منذ مولد ولي العهد.

وفي ذلك يقول الأستاذ عبده مباشر في مقال بجريدة الأهرام يوم 21 مارس (آذار) 2010: «كان الملك قد قرر إقامة ثلاث مآدب ‏احتفاًلا بمناسبة بميلاد ولي عهده الأمير أحمد فؤاد،‏ الأولى لأعضاء الأسرة الملكية والأسر المرتبطة بها،‏ والثانية للوزراء وكبار رجال الدولة‏، والثالثة مخصصة لقادة وضباط الجيش والشرطة‏،‏ كان موعدها يوم 26‏ يناير (كانون الثاني)‏1952،‏ وهنا نقول لو أن الملك كان قد خطط لحرق القاهرة‏،‏ فلماذا يقيم هذه المأدبة في هذا اليوم؟‏!».

أما قول المراغي بأن الملك لم يعلن عن إقامة مأدبة ضباط الجيش والبوليس إلا قبل إقامتها بحوالى 24 ساعة فقط، فهذا قول ليس بصحيح، فالقصر الملكي أعلن عن إقامة المآدب الثلاثة منذ ولادة الأمير أحمد فؤاد الثاني أي قبل إقامة مأدبة ضباط الجيش والشرطة بعشرة أيام وتم تبليغها لقادة الجيش لكي يقوموا بدورهم بتبليغ الضباط في وحداتهم، ولكن قادة الجيش لم يبلغوا الضباط إلا قبل إقامة المائدة بحوالى 24 ساعة، (بالرغم من صدور دعوات شخصية مكتوبة للضباط من القصر الملكي قبل حفل تناول الغذاء بعشرة أيام)، وذلك يرجع إلى طابع السرية في معاملات قادة الجيش مع الضباط والجنود ومع المهام التي يقومون بها فإن جميع المهام والأعمال التي يقوم بها أفراد الجيش والشرطة مهما كانت صغيرة لا يتم تبليغها رسميًا لأصحابها إلا قبيل القيام بها بساعات محدودة لاتخاذها طابع السرية، حتى لو كانت تلك المهام ذات طبيعة مدنية، والأغرب من ذلك أن الأستاذ المراغي يعرف هذا جيدًا.

وإذا كان الأستاذ المراغي يتساءل بقوله كيف يقيم الملك مأدبة لضباط الجيش والبوليس وقت اندلاع المظاهرات؟ نقول له إذا افترضنا وحسب كلام المراغي أن قادة الجيش والبوليس لم يبلغوا الضباط إلا قبل وقت إقامة المائدة بـ24 ساعة فقط، فإنه وحسب كلام المراغي أن الضباط لم يعلموا بميعاد إقامة المأدبة إلا قبل إقامتها بيوم واحد أي يوم الجمعة 25 يناير (كانون الثاني) الساعة الواحدة والربع لأن المائدة أقيمت يوم السبت 26 يناير الساعة الواحدة والربع بعد الظهر.

إذن فكيف كان شكل القاهرة يوم الجمعة 25 يناير 1952 الساعة الواحدة والربع بعد الظهر؟

فكتب التاريخ والصحف تبلغنا أن هذا اليوم كان يومًا عاديًا وهادئًا جدًا. من هنا نعرف أن يوم الجمعة الساعة الواحدة والربع لم يكن في القاهرة أي مظاهرات، كما أنه لم تكن هناك أخبار واردة عن مذبحة الإسماعيلية إلا في المساء فقط، أي مساء يوم الجمعة 25 يناير، إذ أذاعت وزارة الداخلية نبأ مذبحة الإسماعيلية، وبشكل عام فإن المظاهرات كانت تتجدد بين الحين والآخر في القاهرة وبعض الأقاليم، منذ إلغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936 في أكتوبر (تشرين الأول) 1951، فاندلاع المظاهرات في مصر كانت من ضمن شكل الحياة الاعتيادية للناس وخاصة في القاهرة.

وثانى هذه المطاعن هو اتهام الملك فاروق بالتقصير وبعدم الاهتمام بإنقاذ القاهرة من الحريق والدمار وذلك عندما أبلغ الفريق حيدر قائد الجيش الملك فاروق وهما على مائدة الغذاء بطلب وزير الداخلية فؤاد سراج الدين بنزول الجيش لإنقاذ القاهرة من حوادث المخربين، أجابه الملك فاروق بتأجيل ذلك الطلب لحين الانتهاء من الغذاء.

وبنظرة فاحصة لهذا الاتهام نجد أنه لا يوجد أي مأخذ من تأجيل الموافقة على طلب نزول الجيش لبعد الانتهاء من تناول الغذاء، فعندما أبلغ الفريق حيدر الملك وهما على مائدة الغذاء كانت الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر واستغرق الغذاء ساعة واحدة وبعدها حضر سراج الدين وزير الداخلية وحصل على الموافقة بعد ربع ساعة فقط من وصوله قصر عابدين، فأين عدم الاهتمام والتقصير هنا من الملك؟ كما لا يصح إلغاء الغذاء إذ كان الضباط وقت تبليغ الملك يتناولون الطعام فمن بروتوكول القصر إذا بدأ الضيوف في تناول الطعام فلا بد أن تنحى أي أعمال أخرى جانبًا. وذلك معروف في كل قصور الملوك بالعالم. ويعرف ذلك جيدًا أيضًا الأستاذ المراغي. ومع هذا فإن الملك قرر إلغاء تلك المأدبة كما يقول كريم ثابت في مذكراته ولكن الفريق حيدر أثناه عن ذلك القرار.

المطعن الآخر من مطاعن الأستاذ مرتضى المراغي تجاه الملك فاروق هو سخرية الأستاذ المراغي من ارتداء الملك فاروق بذلة المشير وتحية الملك فاروق للضباط عندما دخل قاعة الطعام وكأنه عسكري متمرس، ونحب أن نذكر الأستاذ المراغي ونعرف أنه يعي جيدًا ما نقوله ولكنه للأسف يتغافل عن ذلك وبقصد، إن الملك فاروق هو رئيس الدولة ورئيس الدولة يعتبر القائد الأعلى للقوات المسلحة ومن حق القائد الأعلى أن يتقلد أعلى رتبة عسكرية في الدولة ومن حقه أن تلقى عليه التحية العسكرية وأن يرد عليها بتحية عسكرية مثلها لأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية، ومع ذلك فإن بطاقات الدعوات التي صدرت من القصر الملكي للضباط بحضور مأدبة الغداء الملكية احتفالا بميلاد ولى العهد دونت فيها أن يكون الحضور بالردنجوت (بذله خاصة ذات لون أحمر يرتديها المدعوون في المناسبات الرسمية الملكية)، بما يدل أن حضور الضباط لمأدبة الغذاء الملكية كان بالملابس المدنية وليست بالزي العسكري وبالتالي فالأرجح أن يكون حضور الملك مرتديًا الملابس المدنية، وليس هناك مانع بروتوكولي من حضور الملك لهذه المناسبة مرتديا الزي العسكري (بزة التشريفة العسكرية).

والسؤال الهام هنا، هل الدستور المصري يعطي الملك وحده حق التصرف حيال مهام الجيش؟

يقول الدكتور عبدالعظيم رمضان في كتابه المعنون (تطور الحركة الديمقراطية في مصر): «إن حق قيادة قوات الدولة هو بطبيعته من اختصاص رئيس السلطة التنفيذية ما دام هو المكلف باستتباب النظام والأمن في الداخل والمحافظة على استقلال الوطن وسلامة أراضيه في الداخل والخارج وبالرغم من أن الدستور ينص على أن «الملك هو القائد الأعلى للقوات البرية والبحرية» إلا أن أستعمال حق قيادة الجيش على هذا الوجه أي قيام الملك بقيادة الجيش بنفسه وإصدار الأوامر إليه ووضع خطط الدفاع والهجوم كان أمرًا غير مستطاع في عصر الحروب العالمية الأولى. ذلك فالبرغم من أن دساتير أغلب الممالك التي خاضت غمار تلك الحرب كانت تمنح رئيس الدولة حق قيادة الجيوش فإن واحدًا منهم لم يفكر في استعمال هذا الحق. بل لقد أثبتت الحرب أن رؤساء الدول لم يتنحوا فقط عن استعمال هذا الحق من الناحية الفعلية، بل لقد كفوا عن استعماله أيضًا من الناحية الشكلية. ففي فرنسا روعيت هذه القاعدة من الوجهة الشكلية في بداية الحرب فكانت الحكومة تصدر الأوامر للجيش باسم رئيس الجمهورية، ولكن باستمرار الحرب وظهور عيوب هذا النظام تنحت الحكومة في النهاية عن قيادة الجيش الشكلي».

فإذا كان كلام المراغي صحيحًا، لماذا لم يحصل المراغي نفسه على إذن من الملك بنزول بعض وحدات الجيش لحماية المرافق العامة بمدينة الإسكندرية؟ بل إن الفريق حيدر وافق على طلب المراغي بحماية الجيش للمرافق في الإسكندرية بدون إذن الملك، لذلك فموضوع وجوب موافقة الملك على انتشار الجيش لحماية أمن البلاد كان موضوعًا شكليًا وكان من الممكن التغاضي عنه في حالة الضرورة.. لكن الحكومة الوفدية تسلحت بالذرائع الواهية لكي تفلت من المسؤولية عن حريق القاهرة.

من هنا يتضح لنا أن الأقاويل التي تزعم أن الملك فاروق أساء استخدام حقه الدستوري وماطل في الإذن بنزول الجيش لإنقاذ القاهرة من الحرائق والتدمير في 26 يناير (كانون الثاني) 1952 أقوال قد جانبها الصواب.

يتبع مع الجزء الرابع من الحلقة الثانية بالمقال القادم إن شاء الله.

عرض المصادر نهاية الحلقة الثانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد