يكمل المراغي حديث مذكراته بقوله:

فكيف نُفذ الأمر؟ وماذا صنع الجيش؟

من قصر عابدين اتصل الفريق حيدر تليفونيًّا بمكتب الفريق عثمان المهدي رئيس أركان حرب الجيش، ولم يكن قد أرسل إلى مكتبه بعد خروجه من قصر عابدين، حيث كان يحضر وليمة الملك.

وبعد دقائق تم اتصال آخر وكان عثمان المهدي هو الذي يرد.

وطلب حيدر إلى رئيس أركان الجيش النزول بأكبر عدد من القوات، وسأله عن الوقت الذي يراه كافيًا لنزول القوات.

قال الفريق المهدي إن تنفيذ الأمر يقتضي إعداد اللوريات والجنود، واستدعاء الضباط الذين توجهوا إلى منازلهم بعد الوليمة الملكية، وهذا لايمكن أن يستغرق أقل من 45 دقيقة.

وعلى هذا فإن القوات يمكن أن تكون جاهزة للنزول إلى المدينة بعد الثالثة والنصف.

قال حيدر: الأمر خطير ولا بد من أن تستعجل التنفيذ، وعلى ما يبدو فإن وزير الداخلية قرر البقاء في قصر عابدين في مكتب رئيس الديوان مع الفريق حيدر؛ حتى يطمئن على نزول القوات من الرجل المسؤول عن كل الجيش وقائده العام.

ولكن في الساعة الرابعة اتصل محافظ القاهرة بوزير الداخلية في مكتب رئيس الديوان يبلغه أن الجيش لم يصل إلى حديقة الأزبكية، حيث كان من المقرر أن تتجمع قواته هناك، ومنها توزع على أحياء القاهرة.

وطلب المحافظ من الوزير الإلحاح على قائد الجيش واستعجاله لإرسال الجيش. وأبلغ فؤاد سراج الدين رسالة المحافظ إلى الفريق حيدر.

وبعد ربع ساعة أخرى تحدث المحافظ مرة أخرى والهلع يسيطر عليه من انتشار الحرائق والتخريب، وطلب الاستنجاد بالوزير.

ومرة ثانية عاد المحافظ واتصل بعد ربع ساعة وهو في حالة انزعاج بالغ.

وفي أعقاب كل مكالمة كان فؤاد سراج الدين يستعجل حيدر لاستعجال الفريق المهدي.

وأخيرًا وفى الساعة الخامسة مساء – قرب الغروب– وصل إلى حديقة الأزبكية 150 جنديًّا زادوا إلى 250 في الخامسة والنصف.

وبدأت القوات تغادر الحديقة إلى الشوارع الجانبية في السادسة والنصف، اتصل المحافظ المسكين بوزير الداخلية يبلغه أن قوات الجيش التي تمت الاستعانة بها للسيطرة على الموقف، نزلت المدينة ومرت في الشوارع داخل عرباتها أمام المتظاهرين، الذين كانوا يحطمون المحلات التجارية، وأن هؤلاء المتظاهرين ما كادوا يلمحون عربات الجنود حتى راحوا يصفقون لها ويحيونها بالمعاول. وقد أجاب عليهم الجنود بالابتسامات دون أن يحاولوا حتى إطلاق رصاصة واحدة على سبيل التخويف.

مطلوب أمر كتابي:

كان غضب الوزير بالغًا فطلب إلى حيدر الاتصال بالمهدي لمعرفة أسباب تقاعس قواته عن أخذ موقف متشدد.

واتصل حيدر بالمهدي يسأله، وكان رد المهدي: إن قوات الجيش لا تستطيع إطلاق النار إلا بأمر كتابي.

وصرخ الوزير فزعًا.

وعبثًا حاول مع حيدر فغادر قصر عابدين إلى رئاسة مجلس الوزراء، حيث كان المجلس منعقدًا لمناقشة تطورات الموقف.

وفي التاسعة مساء وألسنة النار تضيء ليل القاهرة، دق جرس الهاتف، وكان المحافظ يطلب وزير الداخلية.

وهرع الوزير إلى الهاتف عله يسمع خبرًا يطمئنه، ولكن يده تراخت على السماعة حين قال له المحافظ إن عدد القوات المسلحة التي نزلت لا يزيد على 500، وأنها ما زالت ممتنعة عن إطلاق النار على المخربين.

واستمرت الحرائق حتى الساعة الحادية عشر حين بدأ تدخل الجيش الفعلي بإطلاق النار.

التعليق:

الملفت أن الأستاذ المراغي في مذكراته يدعي عدم المعرفة، أو يصهين كما نقول باللهجة العامية؛ فالأستاذ المراغي يعرف جيدًا أن نزول الجيش وانتشاره في شوارع القاهرة يستغرق وقتًا كبيرًا؛ لأن الجيش يمتلك معدات ثقيلة، وتكون حركته بطيئة؛ لأن طبيعة مهامه ليس الشوارع والميادين في المدن والقرى، التي تكون غالبًا مكتظة بالمدنيين، فالجيش تكون مهامه سريعة في ساحات الحروب والمعارك، وذلك بخلاف قوات الأمن التي تكون في الغالب أسلحتها خفيفة ومدربة على التعامل مع المدنيين والمتظاهرين.

فنزول الجيش في أحداث حريق القاهرة 26 يناير (كانون الثاني) لم يتباطأ، فقد حصل الوزير فؤاد سراج الدين من الملك على أمر نزول الجيش الساعة الثانية و45 دقيقة. ثم قال الفريق حيدر إن الجيش يكون مستعدًا بعد 45 دقيقة من حصول وزير الداخلية على موافقة الملك بالنزول، إذن بحساب الدقائق الجيش يكون مستعدًا للتحرك من معسكراته الساعة الرابعة، وفعلًا بدأت بعض الوحدات التحرك من معسكراتها في ألماظة باتجاه وسط البلد حتى وصلت إلى حديقة الأزبكية الساعة الخامسة.

إذن هذه التحركات طبيعية جدًّا، ليس فيها أي تأخير أو تباطؤ. ولكن الأستاذ المراغي أراد أن يتجه بالقارئ لاتجاه مغاير؛ لأنه يعتمد أن القارئ يقرأ قراءة سريعة، ولا يبحث أو يدقق في مضمون الأحداث.

والغريب في مذكرات المراغي أنه حين ينتهي من اتهام واه للملك، إذا به يقفز إلى اتهام أكثر سذاجة لعمل ليس من مهام الملك.

فالمراغي يتهم الملك في مذكراته بأنه يتراخى في إعطاء أوامره بنزول الجيش، وعندما يتأكد أن الملك وافق على نزول الجيش يقفز إلى تهمة أخرى بأن الجيش لا يستطيع أن يطلق النار على المخربين إلا بأمر كتابي، وهذا غير صحيح بالمرة؛ لأن شهود العيان أقروا بأن المخربين حينما شاهدوا وحدات الجيش فروا هاربين، غير أن المراغي نفسه أقر أن الجيش أطلق النيران على المخربين، ولكن في الساعة الحادية عشر، ولم يوضح الأستاذ المراغي في مذكراته أن الجيش حصل على أمر كتابي حسب كلام المراغي بإطلاق النيران أم لا، وهذه حلقة مفقودة في مذكراته يجب البحث عنها.

ولعل المتابع لتسلسل الأحداث التي يسردها الأستاذ المراغي في مذكراته يستوقفه أن كثيرًا من هذه الأحداث غير متصلة بعضها ببعض، وأن هناك أحداثًا ووقائع أخرى نزعت أو بالأحرى أن الأستاذ المراغي لا يريد أن يتحدث عنها لغرض في نفسه.

ومن تلك الأحداث المفقودة من مذكرات المراغي:

 

  • لم يتحدث الأستاذ المراغي في الفقرة السابقة عن دور ضباط البوليس، الذين غادروا قصر عابدين عقب انتهاء وليمة الملك في الساعة الثانية والنصف. ماذا فعلوا هل عادوا إلى أماكن عملهم؟ أم غادروا قصر عابدين عائدين إلى منازلهم؟
  • لم يذكر الأستاذ المراغي دور الوزراء ورئيس الحكومة طوال يوم 26 يناير يوم الحريق؛ فلم يتحدث الأستاذ المراغي إلا عن فؤاد سراج الدين وزير الداخلية.
  • لماذا لم يوجه الأستاذ المراغي الأسئلة (التي وجهها للملك) إلى الحكومة الوفدية التي كانت تحكم، وهي المعنية بحماية الأمن؟ ومن هذه الأسئلة لماذا لم يبادر مجلس الوزراء عقب علمه بحوادث القاهرة بعقد اجتماع عاجل في صباح ذلك اليوم لإصدار القرارات والأوامر، التي تمنع أو تحد من حدوث تلك الأحداث؟ وانتظرت الحكومة حتى السابعة مساءً لكي تقرر العمل. مع العلم أن حكومة الوفد أصدرت بيانًا في مساء يوم 25 يناير تندد بمذبحة الإسماعلية، وأعلنت أن مجلس الوزراء في انعقاد دائم ومستمر بسبب خطورة تلك الحادثة وتداعياتها! وعلى أثر ذلك البيان فمن المفترض أن يكون مجلس الوزراء منعقدًا أيضًا في صباح اليوم التالي؛ أي يوم 26 يناير يوم حريق القاهرة، خشية من تداعيات ومضاعفات مذبحة الإسماعيلية، ولكن هذا الأمر لم يحدث! ولم يكن أحد من الوزراء موجودًا بمقر مجلس الوزراء صباح يوم 26 يناير يوم حريق القاهرة غير الوزير عبد الفتاح حسن وزير الشؤون الاجتماعية.

 

ومن ناحية أخرى فحزب الوفد هو حزب الأغلبية والحزب الحاكم في ذلك الوقت، وبه كثير من الشباب الذى كان يتصدى لمتظاهري التيارات السياسية الأخرى التي كانت تندد بحكومة الوفد، وكان ذلك قبيل حريق القاهرة، فأين كان هؤلاء الشباب أثناء حريق القاهرة؟ فالحقيقة أنه لم يعثر على أحد من هؤلاء الشباب لكى يتصدى للمتظاهرين الذين أحرقوا القاهرة، وأيضًا فإن نائب البرلمان بدائرة الأزبكية التي حدثت فيها أغلب حوادث حريق القاهرة هو نائب وفدي. فأين كان هذا النائب هو وأعضاء حزبه في دائرة الأزبكية وماذا كانوا يفعلون أثناء حريق القاهرة؟ فكان يمكن لهذا النائب وبعض أعضاء حزبه التصدي لهؤلاء المخربين بأقل عدد من الأفراد في ذلك اليوم المشؤوم!

فى مذكرات المراغي الخاصة بحريق القاهرة يلقي الأستاذ المراغي المسؤولية على الملك مع علمه أن الملك لا يحكم؛ لأن الحكم في مصر في ذلك الوقت كان حكمًا دستوريًّا، والذي كان يحكم هي الحكومة، وإذا تدخل الملك في تلك الأحداث أو غيرها يكون تدخله منافيًا للتقاليد المرعية في أعمال الحكومة، وسوف تتهمه الوزارة بأنه يتدخل في أعمالها. كما حدث من قبل، وخاصة مع حكومة الوفد. أما موضوع وجوب صدور إذن بموافقة الملك بنزول الجيش للتصدى للمخربين ومنعهم من إحراق القاهرة طبقًا للدستور، فقد لبى الملك طلب الحكومة، أما الأعمال الأخرى الخاصة بالأمن فهي من اختصاص الحكومة.

ينهى المراغي حديث الحلقة الثانية من مذكراته متعجبًا فيقول:

الأوبرج.. لماذا أنقذوه؟

ولكن من الغرائب أن المحل الوحيد الذي أسرع الجيش لإنقاذه كان كازينو الأوبرج في شارع الأهرام، وكان يملك هذا الكازينو أدمون صوصة، وهو من حاشية الملك المقربة، لكن المهم أنه أحد الأماكن المختارة التي تعود الملك أن يقضى فيها سهراته آخر الليل.

وقبل نزول الجيش في الخامسة مساء كانت هناك عدة حرائق كثيرة قد اشتعلت، لكن الأهم هو الحرائق التي اندلعت بعد نزول الجيش أيضًا.

وهذه الحرائق تشمل كما أثبتت في سجلات المطافئ في ذلك الوقت:

  1. محلات أورذي بك (عمر أفندي) في شارع عبد العزيز وهي على بعد خمس دقائق من حديقة الأزبكية مركز تجمع الجيش.
  2. حريق عمارة الشواربي، وهي على بعد ثلاث دقائق من حديقة الأزبكية.
  3. حريق محلات شملا، وهي على بعد دقيقتين.
  4. حريق محلات بنزايون على بعد ثلاث دقائق.
  5. حريق محلات شارع محمد علي، على بعد ثلاث دقائق.
  6. حريق نادي شل الرياضي، على بعد ربع ساعة.
  7. حريق كازينو الأوبرج، وقد وقع بين السادسة والنصف والثامنة والنصف مساء.

ولكن من الغريب كما ذكرت أن هذا الكازينو الذي يقع على بعد أكثر من نصف ساعة من حديقة الأزبكية تحركت إليه قوات الجيش بمجرد الإبلاغ عن حريقه؛ فوصلت إليه الساعة السابعة والربع مع قوات الإطفاء التي كانت قد أبلغت هي الأخرى للتحرك فورًا إليه!

منع التجول وتغيير الوزارة

في مساء اليوم نفسه –26 يناير– أعلنت الأحكام العرفية.

وصدرت القرارات بمنع التجول ليلًا من حلول المساء حتى الفجر.

ونامت القاهرة ليلة حزينة.

وسهر جنود الإطفاء يحاولون وقف سريان النار الذي أتى على أكبر محلات العاصمة، وانتشر في معظم شوارع وسط المدينة.

وفى صباح اليوم التالي كانت المياه التي صبتها خراطيم عربات الإطفاء على الحرائق المشتعلة تملأ الشوارع.

وبدا المشهد حزينًا، الأنقاض تسد الشوارع، وكردونات البوليس تحيط بالأماكن التي أصبح المرور فيها مستحيلًا، كان إخلاء الشوارع من الأنقاض والآثار المدمرة يحتاج عدة أيام.

التعليق:

وإلى هنا تنتهي الحلقة الثانية من سرد مذكرات الأستاذ أحمد مرتضى المراغي التي نشرها في مجلة أكتوبر عام 1986، ولكن قبل أن نبدأ بسرد الحلقة الثالثة لنا بعض الملاحظات التي نراها ضرورية لتقييم هذه المذكرات.

أولًا: الأستاذ المراغي يعترف في مذكراته أنه بالرغم من نزول الجيش لكن المتظاهرين لم يتوقفوا عن إشعال الحرائق في المحلات والمتاجر.

إذن حجة أن تأخر نزول الجيش أدى إلى تفاقم الوضع حجة واهية.

ثانيًا: أن تقارير الأمن العام أكدت أن الأوامر صدرت لرجال المباحث بإطلاق النار على المخربين وكل من لا يستجيب لتحذيرات رجال البوليس، وأن أوامر إطلاق النيران فعلت كثيرًا في أحداث قبل حريق القاهرة.

إذن موضوع إطلاق النيران على المخربين ليس بجديد؛ فلماذا يتعلل الأستاذ المراغي أن الجيش لم يتعامل مع المخربين بإطلاق النيران إلا في الساعة الحادية عشر مساء، بالرغم من أن قوات البوليس تفعل ذلك؟

ثالثًا: إن الأستاذ المراغي يركز على موضوع إنقاذ كازينو الأوبرج، مع أنه يورد في المذكرات نفسها أن هذا الكازينو تعرض للاحتراق والنيران استمرت مشتعلة به لمدة ساعتين، من الساعة السادسة والنصف حتى الثامنة والنصف، وأنه تعرض لخسائر فادحة، ويزعم الأستاذ المراغي أن هذا الكازينو الوحيد الذي أنقذ، وهذا ليس صحيحًا. ويعلل الأستاذ المراغي سبب هرع قوات الجيش لإنقاذ ذلك الكازينو أن الملك من ضمن رواده. ولم يعلل الأستاذ المراغي عدم هرع قوات الجيش لإنقاذ الكثير من المتاجر والمحلات والأندية، والتي كانت من الأماكن المفضلة للعائلة المالكة، بل أن كثيرًا من هذه المتاجر التي احترقت لها علاقات اقتصادية بالدائرة الملكية.

يتبع مع الجزء الأول من الحلقة الثالثة بالمقال القادم، إن شاء الله.

المصادر:

  • صلاح عيسى – محاكمة فؤاد سراج الدين باشا– ج1، ط1 مكتبة مدبولي القاهرة 1983.
  • د/ عبدالعظيم رمضان – تطور الحركة الوطنية في مصر (1918 –1936) – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998.
  • عبد الفتاح حسن (باشا) – ذكريات سياسية للوزير السابق عبد الفتاح حسن – دار الشعب 1974.
  • كريم ثابت (باشا) – عشر سنوات مع فاروق (1942 –1952) مذكرات كريم ثابت- دار الشروق ط1- عام 2000.
  • كريم ثابت (باشا) – فاروق كما عرفته، ملك للنهاية– مذكرات كريم ثابت– دار الشروق ط1– عام 2000.
  • عبده مباشر– مقال- صحيفة الأهرام 21/3/2010.
  • شريف عارف– نشر وثيقة- صحيفة المصري اليوم 25/1/2014.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد