يقول المراغي:

 

ولكن في نفس يوم الأحد 27 يناير أصدر الملك مرسومًا بإقالة وزارة النحاس باشا وعهد إلى علي ماهر بتشكيل الوزارة. وعندما أصبحت وزيرًا للداخلية لأول مرة في هذه الوزارة كان عليّ أن أبحث أولًا عن من الذي أحرق القاهرة. وجاءتني تقارير المباحث تؤكد أن أحمد حسين رئيس حزب مصر الاشتراكي هو الذي فعلها، ويجب القبض عليه فورًا.

 

كانت تقارير البوليس والمباحث حول حريق القاهرة متضاربة، فقد ذكر بعضها بأن الشيخ محمد فرغلي من زعماء الإخوان المسلمين كان يحرض الجماهير على حرق دور اللهو والفنادق.

وكانت هناك تقارير أخرى تؤكد أن بعض الشيوعيين اشتركوا أيضًا في المظاهرات وإشعال النار. وقد وردت أسماء فتاتين شيوعيتين هما عايدة السحيمي وإجلال السحيمي واسم الطالب عبد المنعم تمام على اعتبار أنهم من رؤوس الشيوعية في هذه المظاهرات.

لكن معظم التقارير -وكان هذا واضحًا أمامي منذ الأيام الأولى لعملي وزيرًا للداخلية منذ صباح الاثنين 28 يناير 1952- كانت تحاول الإمساك برقبة الحزب الاشتراكي ورئيسه أحمد حسين.

 

ولم يكن عداء البوليس لأحمد حسين جديدًا، بل كان في الواقع يسبق أحداث حريق القاهرة وكانت وزارة الوفد قد أصدرت أمرًا بالقبض عليه، ولكنه اختفى وفشل البوليس في معرفة مكانه.

وربما كانت من أغرب الحكايات التي جرت في ذلك الوقت تلك التي أعلنت أنهم قبضوا على أحمد حسين في عربة كانت تجوب القاهرة ليلًا، في حين أن التجوال كان ممنوعًا اعتبارًا من الساعة التاسعة مساء حتى السادسة من صباح اليوم التالي، وكانت الأحكام العرفية المفروضة في ذلك الوقت لا تسمح لأحد أن يخرج إلى الشوارع إلا إذا كان حاملًا تصريحًا خاصًّا بذلك، وإلا تعرض لإلقاء القبض عليه وربما لإطلاق النار عليه إذا قاوم دوريات البوليس المنتشرة.

 

«تصريحك يا أستاذ أحمد»

 

لم يكن مسموحًا إذًا بالمرور في الشوارع إلا لمن يقومون بخدمات ضرورية كالأطباء وموظفي التليفون والكهرباء وسيارات الإسعاف التي تنقل المرضى والصحفيين. ولا بد للمرور من حمل تصريحات مختومة من وزارة الداخلية.

وفي اليوم الرابع أو الخامس على ما أذكر حضر إليّ المرحوم حفني محمود الوزير السابق. وطلب مني تصريحًا لأن لديه مريضًا في المستشفى في حالة صحية دقيقة ورجاني الوزير أن يكون التصريح لشخصين.

وكان يحلو له -كما عرفت فيما بعد- أن يستخدمه في المرور ليلًا مصطحبًا أحد أصدقائه لمشاهدة القاهرة وهي تعيش ليالي الطوارئ الكئيبة.

وفي ذات ليلة استوقفه أحد مراكز الحراسة أثناء تجوله في شوارع وسط المدينة قرب الأماكن التي دمرها الحريق، وطلب الضابط المكلف بالحراسة التصريح الذي يعطية حق المرور ليلًا ولكنه أجاب الضابط بأنه فقد منه، ثم بصوت عال قال لرجل كان يجلس إلى جواره «يا أستاذ أحمد حسين هات تصريحك وريه لحضرة الضابط».

وما إن سمع الضابط أسم أحمد حسين حتى تكهرب الموقف وطلب من قوة البوليس الموجودة معه أن تحيط بالسيارة. ثم طلب من الإثنين النزول والتوجه معه إلى قسم البوليس.

 

وصاح الرجل الجالس إلى جانب حفني محمود: والله أنا مش أحمد حسين، أنا مش أحمد حسين.

قال له الضابط معاك تحقيق الشخصية؟ ولم تكن البطاقات الشخصية منتشرة في ذلك الوقت، وعبثًا حاول الرجل أن يبحث في جيوبه عن دليل يثبت به أنه ليس أحمد حسين. وأصر الضابط على اصطحابهما إلى القسم. وعن طريق الموتوسيكل الذي سبق الجميع في الوصول إلى القسم تردد أنه تم القبض على أحمد حسين. ولم ينتظر الموجودون في القسم وصول أحمد حسين، بل أبلغوا الخبر تلفونيًّا إلى أجهزة الأمن في وزارة الداخلية والمحافظة.

 

ولكن بعد دقائق تبين أن الاثنين المقبوض عليهم هما الوزير حفني محمود وكان يحمل تصريحًا بالتجوال لشخصين قدمه في قسم البوليس، أما الشخص الذي كان معه فقد كان صديقه كامل الشناوي!

وكان أحد مقالبه في صديقه كامل الشناوي والذي تتلمذ على يديه في تعلم فن المقالب وإجادتها فيما بعد!

 

التعليق:

 

الشيء المثير للسخرية أن الأستاذ المراغي للأسف يكتب مذكراته هذه للقارئ الساذج أو للأطفال، لذلك فهو يحشر بمذكراته تلك بعض مواد الإثارة المصطنعة لكي تعجب هؤلاء الأطفال أو السذج، فهذه النوادر المفبركة كنا نسمع بها من بعض الأدباء والفنانين الذين يصطنعونها لأغرض دعائية أو لتسويق أعمالهم الفنية والأدبية، أما أن تحشر تلك المواد المصطنعة في مذكرات تاريخية تقص علينا فترة مهمة من تاريخ مصر فهذه هي الإساءة الكبرى، ولو سايرنا عقلية الأستاذ المراغي في هذه المذكرات وقمنا ببحث تلك النوادر فسوف يلقى علينا بتهم كثيرة أقلها (التفاهة). ولكن طبقًا لخطة البحث والتي أشرنا إليها سابقًا والتزامنا بأننا لن نترك أي جملة صغيرة أو كبيرة تافهة أو رصينة أوحتى كلمة مفردة ذكرها الأستاذ المراغي في مذكراته هذه إلا وقمنا بالرد عليها وتحليل مضمونها.

 

فحقيقة مقلب الوزير حنفي محمود لكامل الشناوي تعود أصولها إلى حكايات ونوادر كثيرة صاغتها الصحافة الهزلية في العهد الملكي.

 

فالعهد الملكي كان يتميز بانتشار الفكر الحر والديمقراطية في أشياء كثيرة، لذلك وجد كتاب السخرية أثناء ذلك العهد بيئة خصبة لنمو أفكارهم وانتشارها، وعلى هذا سطع نجم الكاتب محمد التابعي في الكتابات الهزلية لدرجة أنه أطلق على بعض الوزراء ألقابًا ساخرة، ومنها: «حامل عمامة التقى والورع» مصطفى النحاس باشا، «حامل كليشيه الابتسامات الصناعية» إسماعيل صدقي باشا، «وزير الدوخة والإسبرين» عبد الفتاح يحيى باشا، «صاحب اليد الخشبية» محمد محمود باشا، «رئيس حكومة هوبنار» اسم الفتاة النمساوية التي أراد أن يتزوجها «توفيق نسيم باشا» رئيس الوزراء وهو فوق السبعين! «وزير التقاليد وقطع العيش» حلمي عيسى باشا، «وزير الحلاوة الطحينية» أحمد خشبة باشا، «رب المقالب والمثالب» حنفي محمود باشا… وعلى ذلك صاغ نجوم الصحافة في ذلك الوقت الكثير من القصص غير الحقيقية على ألسنة هؤلاء الوزراء وخاصة الوزير حنفي محمود الذي صبغته الصحافة بأنه وزير المقالب بالرغم أنه لم يكن كذلك في حياته الخاصة. وإنما كل النوادر التي قيلت على لسانه إنما هي فبركة صحفية المراد منها زيادة توزيع الصحف، والمشكلة في هذا النوع من هذه الكتابات الساخرة أن بعض الكتاب والسياسيين يعتبرونها أحداثًا حقيقية ويتخذون منها مرجعية لبعض الكتابات التاريخية الخاصة بهم أو بغيرهم، وبذلك تصبح وقائع حقيقية، مما يجعل شبهة التزييف تطال تلك الأحداث عندما يتم البحث في مرجعيتها والتحقق من أصولها ويتضح عدم صحتها كواقعة تاريخية.

 

وعلى هذا فلو سلطنا الضوء على «حدوتة» المراغي، وتحققنا من صحة مقلب الوزير حفني محمود لكامل الشناوي لغرقنا في بركة عميقة من الأسئلة ومنها:

1- هل يعقل أن الوزير حنفي محمود يذهب إلى الأستاذ مرتضى المراغي بصفته وزيرًا للداخلية إبان حريق القاهرة، ليحصل منه بعد إلحاح على تصريح مرور واختراق الحواجز والكردونات طبقًا للأحكام العرفية المفروضة عقب حريق القاهرة، لكي يقوم هو وصديقه بالمشاهدة؟

2- أحمد حسين شخصية سياسية معروفة ووجهه أيضًا معروف لكل دوائر الأمن في مصر منذ الثلاثينات، فقد اتهم في العديد من القضايا كما أنه محام شهير، فهل من السذاجة أن يدعو شخص شخصًا آخر باسم أحمد حسين فيظن الضابط أنه أحمد حسين رئيس الحزب الاشتراكي المتهم بحرق القاهرة؟

3- طبقًا لسيناريو اللعبة في هذه النادرة المفبركة التي أعتقد أن الأستاذ المراغي هو الذي صاغها، والتي يدعي فيها أن الشرطي قائد الموتوسيكل الذي سبق قوة البوليس إلى القسم هو الذي أذاع الخبر، مع أنه من المعروف أن الشرطي قائد الموتوسيكل دائمًا ما يكون مصاحبًا للقوة الأمنية لا يسبقها وذلك خوفًا من فرار المقبوض عليهم.

4- وهل يعقل أن يقوم بعض أفراد القسم بتبليغ وزير الداخلية بالقبض على أحمد حسين دون أي تحقيق للشخصية أو عمل محضر ضبط؟

5- والدليل على أن هذه الرواية من اصطناع المراغي نفسه، أنه لم يذكر اسم قسم البوليس الذي أحيل إليه حفنى محمود وكامل الشناوي بعد القبض عليهما.

6- وهل من المعقول أن يأخذ أحمد حسين المطلوب من وزارة الداخلية تصريحًا من وزارة الداخلية لكي يتجول في مدينة القاهرة أثناء حظر التجول؟ ألم يفطن الضابط لذلك في تلك القصة؟

 

نكتفي بتلك الأسئلة على هذه «الحدوتة» لأنها، لا تستحق أكثر من ذلك وكان الهدف من طرح هذه الأسئلة على هذه «الحدوتة» التي صاغها المراغي نفسه، حتى نتبين مدى جدية مذكرات المراغي.

 

يتبع مع الجزء الثاني من الحلقة الثالثة بالمقال القادم إن شاء الله.

 

عرض المصادر بنهاية الحلقة الثالثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء, تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد