يقول المراغي:

وإذا كانت الاتهامات قد أحاطت بأحمد حسين في ذلك الوقت الذي دبر حرق القاهرة -وهو مالم أكن ميالًا إلى تصديقة- فأظن من واجبى هذا أن أقدم دفاعًا كاملاً كتبه أحمد حسين نفسه وأرسله إليّ عن طريق أحد أعضاء الحزب. وقد حمل عنوان مذكرة بالأسباب الحقيقية والعوامل الطبيعية التي أدت إلى حوادث يوم السبت 26 يناير (كانون الثاني) 1952 وتحديد المسؤولين عنها.

ومن قرأ للمرحوم أحمد حسين -وقد كان مشهورًا بكثرة عناوينه الفرعية- سوف يكتشف على الفور أن هذه المذكرة كانت بأسلوب أحمد حسين نفسه وأوردها فيما يلي بعناوينها الفرعية.

نص مذكرة أحمد حسين

مقدمة

قد لا يوجد في مصر كلها من يستطيع أن يتحدث عن الأسباب والعوامل التي أدت إلى حوادث يوم السبت 26 يناير 1952 كما تحدث رئيس الحزب، الذي ما فتئ ينذر ويحذر من وقوع أمثال هذه الانفجارات و لعامين كاملين منذ وليت هذه الوزارة.

إن الحزب الاشتراكي الذي يعتمد في جهاده على إنكار وسائل العنف والذي يدرك أكثر من غيره أضرار الثورات التي تلتهم الأخضر واليابس ولاتفرق بين العدو والصديق -وقد أخذ على عاتقه منذ اللحظة الأولى من تأسيسه أن يعمل بالطرق المشروعة على تجنب البلاد خطر اندلاع نيران الثورة عن طريق الأخذ بالإصلاحات الاجتماعية الرئيسية وتدعيم الحريات العامة وتوطيد أركان الحكم الدستوري في البلاد. ولو قد سُمع لأقوال الحزب الاشتراكي في الوقت المناسب واتُبعت وصاياه وإرشاداته التي لا يبغي من ورائها إلا الخير العام لجميع طبقات الأمة، لأمكن تفادي ما وقع يوم السبت 26 يناير 1952.

ولكن الحكومة السابقة بدلًا من أن تسعى لهذه النصائح الصادقة عقدت على اضطهاد الحزب الاشتراكي حتى وصل بها الأمر إلى تعطيل الجريدة الاشتراكية من الناحية العملية فكانت النتيجة وقوع هذه الحوادث المؤسفة.

على ما وقع في يوم السبت بالذات يمكن أن يكون درسًا لو أننا حاولنا أن نستفيد من عبرته وأن نتخذ منه وقاية للمستقبل من مخاطر أشد جسامة. وهذا ما يدفعني لكتابة هذه المذكرة أرجو أن تلقى عناية المسؤولين فلا يضربوا بها عرض الحائط.

وقبل أن أعرض لتحليل ماوقع في هذا اليوم رأيت أن أحدد موقفي منه وكيف وصلت وقائعه إلى علمي. وذلك تبديدًا لكل شك أو وهم في أن يكون للحزب الاشتراكي يد فيما حدث في هذا اليوم، وهي هذه الفرية التي افتراها وزير الداخلية السابق قبل مغادرته الحكم مباشرة.

حيث أرى أن أسهل طريق يتخلص به من مسؤوليته الجسيمة هو أن ينسبها إلى الحزب الاشتراكي وإلى رئيسه بينما كان الرئيس ملازمًا فراش المرض أما نائب الرئيس فقد كان مقيمًا في شربين لا يعلم شيئًا عما يجري في القاهرة.

الساعة التاسعة صباح يوم السبت

كنت طريح الفراش عقب إصابتي بأنفلونزا منذ يوم الخميس 24 يناير، واستيقظت في الساعة التاسعة صباح السبت 26 يناير، لأسمع من أفراد أسرتي أن رجال البوليس الذي اعتادوا أن يرابطوا على كوبرى عباس عندما تعلن حالة الطوارئ غير موجودين في مكانهم، بل لايوجد أي رجل بوليس في الشارع، وأن متحدثًا قد تحدث في التليفون ليقص عليّ أن في أثناء ذهابه إلى عمله بإحدى الوزارات شاهد سيارات لوري مسلحة بعساكر بلوكات النظام وهم يهتفون أين السلاح يا نحاس؟ أين السلاح ياسراج الدين؟ وأنه سمعهم يهتفون بسقوط سراج الدين بالذات، ولم يلبث التليفون أن دق من جديد وكان المتكلمون بعض معارفنا من ميدان السيدة، وهم يقولون أن عساكر بلوكات النظام يقفون في ميدان السيدة زينب وهم يهتفون ضد الحكومة، وأن باقى رجال البوليس يشدون من أزرهم.

مجلس الوزراء منذ الساعة العاشرة

ومنذ الساعة العاشرة صباحا بدأت جموع المتظاهرين تتجه صوب مجلس الوزراء وتحيط به، وقد أبلغت أن البوليس أو بالأحرى حرس الوزارات قد فتح الأبواب للمتظاهرين الذين ملأوا حديقة المجلس وارتفعت هتافاتهم ضد الجيش وضد حيدر ومطالبته بالسلاح وضد سراج الدين.

وعندما وفدت بعض فرق بلوكات النظام حوالي الساعة الحادية عشر، أبلغت أنهم بدأوا يطلقون الرصاص في الهواء تحية للجماهير وإرهابًا للسلطات، وتحولت الجموع حول مجلس الوزراء كالبحر الزاخر يدوي هتافهم كالرعد وكان رجال البوليس وعساكر من الجيش يختلطون بالمتظاهرين كأنهم أفراد منهم.

الساعة الثانية عشرة

ولم يكد ينتصف النهار، حتى كانت القاهرة كلها قد غرقت في الحمى، فقد تسامع الجميع بانضمام البوليس إلى المتظاهرين، فشعر الجميع كما لو كانوا أحرار طلقاء من كل قيد، فراحوا ينفسون عما في صدورهم من سخط متوارث مكتوم، فعادت المدارس كلها إلى إغلاق أبوابها بعد أن هجرها الطلاب الذين كانوا قد انتظموا في الدراسة صباحًا. وغادر العمال مصانعهم وبدأت جموع الشعب تتكتل حول مجلس الوزراء وفي ميدان عابدين ووسط القاهرة، وكان ذلك ينذر بقرب هبوب العاصفة وفي ميدان عابدين رأى ضباط الجيش بأعينهم وسمعوا بآذانهم شعور الجماهير. فقد أبلغت أن الشعب قد هتف في وجوههم منددًا بموقفهم وداعيًا إياهم للاشتراك في الكفاح.. وقيل لي إن الجموع هتفت في ميدان عابدين طالبة اشتراك الجيش في الكفاح وسقوط حيدر ومطالبته بالسلاح.

وفي مجلس الوزراء بدأ الموقف يتطور، بحيث خيف أن يتطرق الجمهور إلى غرف الرئاسة ويحدثوا بها بعد أن ذاب رجال البوليس والحرس وأصبحوا يجلسون على النوافذ تحت أبصار الوزراء أنفسهم.

الفوضى في الساعة الثالثة مساء

لم تكد الساعة تبلغ الثالثة مساء، حتى فهمت من بعض محرري أخبار اليوم الذين اتصلت بهم أن الحرائق قد انتقلت إلى سينما ريفولى وراديو وميامي وأن الفوضى قد انتشرت في كل مكان، وأن البوليس يقف موقفًا سلبيًا من كل هذه العمليات والمطافئ لا تتمكن من القيام بعملها فالجمهور يقطع خراطيم المياه ليحول بينها وبين العمل.

مؤامرة على قتلي

وفي الساعة الرابعة مساء حدثني متحدث من وزارة الداخلية، أخبرني أن الأحكام العرفية ستعلن وأن هناك همسًا بالتآمر عليّ، وأنه يحذرني من أن أغتال في وسط الفوضى وتزعم الحكومة أن سبب موتي هو اشتراكي في الحوادث، أو أننى قاومت الحكومة عندما همت بالقبض عليّ. ولقد رفض محدثي أن يقول لى اسمه مكتفيًا بقوله إنه صديق ولم أستطيع أن أستبعد هذه الفكرة من رأسي بالرغم من غرابتها، وسرعان ما استبدت بي الفكرة وأنني أصبحت في خطر محقق إذا واصلت بقائي في البيت بعد أن تطورت الأمور إلى هذا الحد من الفوضى واختلط الحابل بالنابل، ولم تعد في مصر حكومة مقامة، ولم تعد هناك قوانين أو قواعد مرعية، وفي الساعة الخامسة تحايلت على نفسي بالرغم من تعبي وانتقلت إلى بيت آخر من بيوت الأسرة لأواصل تمريضي ريثما ينجلي الموقف.

اتهام الاشتراكيين

في الساعة السادسة مساء اتصلت بالأستاذ مصطفي أمين بحثًا خلف الأخبار ولأعرف تطورات المواقف الأخيرة، فإذا به يفاجئني بأن فؤاد سراج الدين قد أبلغ السراي أن الاشتراكيين هم المسؤولون عن كل ما وقع في مدينة القاهرة هذا اليوم.

فوقع عليّ هذا وقع الصاعقة، وكان آخر ما يمكن أن يتطرق إليه خيالي أن يصل الإفلاس والإجرام بوزير داخلية إلى الحد من الزور والبهتان واتهام أبرياء سعوا جاهدين لتفادي وقوع أمثال هذه الكارثة فيلصق بهم أخطر تهمة عرفها التاريخ ليستر بها عجزه وفشله ويغطي بها أحقاد نفسه الرخيصة.

محاولة القبض عليّ

وفي هذه الأثناء -وقد بلغت الساعة السابعة مساء- وصل الأستاذ إبراهيم شكري من شربين وكان كما قدمت لا يعرف شيئًا مما وقع إلا ما أخبرته به في التليفون، ولم نكد نشرع في ذكر ما حدث حتى أبلغنا التليفون أن قوة من الجيش والبوليس قد ذهبت الحزب بحثًا عني فلما لم تجدني توجهت إلى المنزل للقبض عليّ وبهذا النبأ صح هذا الإنذار الذي وصلني من مجهول. فلم يسبق لرجال الجيش اعتقال متهم، ولم يكن هناك أي مبرر لاعتقالي إلا أن تكون هناك مؤامرة فقد كان هناك محضر تحقيق في النيابة العمومية يستدعي سماع أقوالي، ومنذ الصباح المبكر وقد أوفدت إلى النيابة أحد المحامين وهو الأستاذ سليمان زخاري ليرجو وكيل النيابة المحقق الأستاذ عدلي نسيم أن يحضر إلى المنزل لأخذ أقوالي فوعده بذلك وظل الزميل المحامي في انتظار فراغ وكيل النيابة من أعماله، إلى أن توالت حوادث الحريق والاضطرابات فأجل المحقق التحقيق إلى اليوم التالي ومنها أكون قد استكملت صحتي، وفي حالة مرضي طلب مني أن أرسل شهادة طبية وقد أبلغت ذلك له تليفونيًا، فلم يكن هناك أي مبرر لحضور ضباط من الجيش والبوليس لاعتقالي إلا أن يكون خبر المؤامرة الذي وصل إلى علمي صادقًا. ولذلك آثرت أن أبقى حيث كنت حتى ينجلي الموقف وأضع نفسي تحت تصرف سلطات مسؤولة وأطمئن إلى إجرائها.

هذه هي حوادث يوم 26 يناير كما وصلت إلى علمي والجهد الذي بذلته قدر طاقتي لتفادي التطورات السيئة التي حدثت في هذا اليوم. وليس هناك مايملأني غبطة وارتياحًا أكثر من أن الحل الذي اقترحته في هذا اليوم قد نفذ، وأن الرجل الذي تصورته قادرًا على إنقاذ الموقف قد اختير بالفعل. ولو قد تم الاختيار في ظهر يوم السبت 26 يناير لأمكن تفادي الكثير من التطورات لتغطية فشل وعجز الحكومة السابقة.. بل وإجرامها ضد البلاد والشعب.

النتيجة التي تستخلص من البيان السابق

أولًا: إن ما وقع في مدينة الإسماعيلية ليلة الخميس وأذيع على الناس يوم الجمعة من دك محافظة الإسماعيلية وقتل عدد كبير من رجال بوليسها وجرح عدد أكبر وأسر ألف عسكري، كان لهذه الأخبار أسوأ الأثر في نفوس الشعب بصفة عامة، فزادته سخطًا على سخط وضاغف من غضبه ما تظهره الحكومة من عجز وضعف في مواحهة الموقف.

ثانيًا: أن تمرد رجال بلوكات النظام في الصباح المبكر من يوم السبت يجب أن يعتبر بماثبة عود الثقاب الذي أشعل نيران هذا اليوم.

وأنه كان متعينًا على وزير الداخلية أن يقدر خطورة هذا التمرد والنتائج الخطيرة التي ستترتب عليه إذا لم يبادر بعلاجه علاجًا حاسمًا في ساعة مبكرة وأنه فشل في قمع هذا التمرد، بل يبدو أنه لم يحاول علاج هذا التمرد، فلم يبق أمامه إلا أن يستقيل لا أن يخفي خطورة الموقف الذي تداعت أحداثه كما حدثت فيما بعد مما يؤكد فشل وزير الداخلية وأنه إذا كان هناك من يمكن اتهامه بحرق القاهرة فهو وزير الداخلية وأجهزته المسؤولة.

التعليق

من العرض السابق لمذكرة بملابسات الأحداث قبل وأثناء حريق القاهرة والتي  ينسبها الأستاذ المراغي إلى أحمد حسين رئيس الحزب الاشتراكي، يتضح منها أنها ليست مذكرة بدفاعه عن التهم المنسوبه إليه كما ذكر المراغي وإنما هو بيان بموقف ورأي أحمد حسين من أحداث حريق القاهرة وقد صيغ البيان تحت عنوان مذكرة بالأسباب الحقيقية والعوامل الطبيعية التي أدت إلى حوادث يوم السبت 26 يناير 1952 وتحديد المسؤولين عنها.

والمراغي يؤكد هنا أن هذه المذكرة كتبها أحمد حسين بنفسه وليس شخصًا آخر أو أحد محامي الحزب الاشتراكي. وطبيعة التأكيد هنا تعطي إيحاء أو شكًا في مصدر البيان أو المذكرة.

والغريب أن الأستاذ المراغي يستشهد على ذلك بدليل طريف وهو أن طريقة كتابة  هذه المذكرة يطغى عليها كثرة العناوين الفرعية وهذا الأسلوب هو أسلوب يشتهر به أحمد حسين.

وإن كانت كثرة العناوين التي تتضمنها تلك المذكرة ليست بالدليل القاطع على أنها من بنات أفكار أحمد حسين نفسه لذلك فهي معرضة لكثير من الطعون، والدليل على ذلك:

1- أن المذكرة كتبت بطريقة سردية وليست قانونية ونحن نعرف أن القانونيين أمثال المحامي أحمد حسين عندما يكتبون مذكرة قانونية أو غير قانونية أو يكتبوا أي شيء دائمًا نلاحظ أنها تتضمن صيغ وعبارات قانونية أو الذي يقال عنها مصطلحات قانونية. أما هذه المذكرة فقد كتبها شخص لم يعرف في حياته كلمة قانونية واحدة.

2- أن الأستاذ المراغي لم يذكر في مذكراته تاريخ كتابة بيان أو مذكرة أحمد حسين هذه أو متى أرسلت إليه.

3- أن المذكرة لم تأتِ بجديد عن تطورات الأحداث قبل وأثناء حريق القاهرة فتلك الأحداث تناولتها الصحف أيامها بالتفصيل.

ونلاحظ أنه في نهاية المذكرة يقول أحمد حسين (والنتيجة التي تستخلص من البيان السابق، أي أن هذه المذكرة ليست مذكرة دفاع أو مذكرة عرض كما هو معروف وشائع وأن الحقيقة أنها بيان وهو بيان حزبي دومًا ما يوزع على الصحف لنشره.

4- المفروض على المتهم بشيء ما والذي يرسل رسالة أو مذكرة لوزير الداخلية أن يعرض في مذكرته دفاعه عن التهم التي ألصقت به وهو ماخلت منه المذكرة سالفة البيان.

5- لم يوضح الأستاذ أحمد حسين في مذكرته المزعومة طبيعة المضبوطات التي تم ضبطها داخل مقر الحزب الاشتراكي وما هي علاقة تلك المضبوطات بالحزب وأعضائه وخاصة رئيس الحزب الأستاذ أحمد حسين. وهل هناك ثمة علاقة بين المضبوطات وحريق القاهرة؟

6- لم يعرض لنا الأستاذ أحمد حسين في مذكرته سبب وطبيعة مهام ومكان تواجد بعض أعضاء الحزب أثناء حريق القاهرة.

7- نلاحظ في مذكرة أو بيان الأستاذ أحمد حسين أن أسماء بعض الأماكن والمحلات لم تكن تسمى بتلك الأسماء الواردة في المذكرة أثناء حريق القاهرة وأن المحلات سميت بهذه الأسماء بعد حريق القاهرة بأعوام، فمثلا ذكر الأستاذ أحمد حسين (كازينو أوبرا) فهذا الكازينو كان يسمى إبان حريق القاهرة بكازينو بديعة وسمي بكازينو أوبرا بعد ذلك بعدة أعوام، من ذلك يدل أن هذه المذكرة السردية لم تكتب بعد حرق القاهرة مباشرة وإنما كتبت بعد ذلك بسنين عددًا.

8- الأستاذ أحمد حسين يقول في مذكرته أنه كان يخشى في حالة تسليم نفسه لسلطات وزارة الدأخلية أن يتعرض لمؤامرة من وزير الداخلية الوفدي فؤاد سراج الدين، ولكن عندما أقيلت الوزارة الوفدية وشكلت وزارة أخرى برئاسة علي ماهر وهي الوزارة التي كان ينادي بها أحمد حسين، فلماذ لم يقم بتسليم نفسه للسلطات عقب تشكيل الوزارة الجديدة بدلًا من أن يرسل بيانًا لوزير الداخلية الجديد مرتضى المراغي يدافع فيه عن نفسه؟ مع العلم أن سلطات وزارة الداخلية في عهد المراغي اتهمت أيضًا أحمد حسين بتدبير حريق القاهرة بالرغم من يقين المراغي ببراءته كما يدعي في مذكراته.

من عرض الأستاذ المراغي لمذكرة أو بيان الأستاذ أحمد حسين ضمن مذكراته وهو بيان مشكوك في صحته ومصدره، يتبين أن هدفه الأساسي هو اتهام غير مباشر من الأستاذ المراغي بتقاعس حكومة الوفد وفؤاد سراج الدين بالذات وبأنهم السبب في حريق القاهرة.

فهذا الاتهام غير المباشر هو حيلة يلجأ إليها بعض السياسيين لتفادي الانتقادات الناتجة عن الاتهام المباشر. كما أن البيان يبرر تشكيل علي ماهر باشا للوزارة الجديدة ودخول المراغي فيها وزير داخلية بعد حريق القاهرة، وبأن علي ماهر كرئيس حكومة هو الحل المناسب للتصدي لتداعيات الأزمة. بالإضافة إلى أنه مطلب هام وضروري لكثير من كبار السياسيين.

لكن مذكرة أو بيان أحمد حسين أو (اتهام المراغي غير المباشر) لم يوضح ما مدى تقاعس وفشل حكومة الوفد وما وجه هذا التقاعس وما أسباب ذلك الفشل؟

ومن المعروف أن الحزب الاشتراكي أو كما كان يسمى  قبل ذلك بحزب مصر الفتاة، لم يكن يعادي الملك فاروق بل أن أحمد حسين كان يثني على الملك وخاصة بعد تشكيل علي ماهر لوزارته بعد حريق القاهرة وإقالة الوزارة الوفدية، فكيف يدعي الأستاذ المراغي في مذكراته ويصف بأن أحمد حسين رئيس الحزب الاشتراكي هو خصم عنيد للملك.

الملاحظة الملفتة لكل من يقرأ مذكرات الأستاذ مرتضى المراغي أن الأستاذ المراغي يستقي معلوماته عن حريق القاهرة من تقارير وزارة الداخلية، والسؤال الهام هنا من أين أتى الأستاذ المراغي بتقارير وزارة الداخلية وقد مر على تركه وزارة الداخلية حوالي 34 عامًا أي في عام 1986 وهو عام بدايته في كتابة هذه المذكرات في مجلة أكتوبر؟ فلا يعقل أن يكون قد احتفظ بها طول تلك الفترة فهذه التقارير تقارير رسمية لا يستطيع أحد حتى لو كان وزير الداخلية الاحتفاظ بها أو أخذ صور منها إلا في حالة التسريب. وقد عرضنا في الحلقة الثانية أحد هذه التقارير نشرته صحيفة المصري اليوم في 25 يناير 2014، ولا نعرف كيف حصلت صحيفة المصري اليوم على هذا التقرير أو مصدره؟

كما لا يستطع الأستاذ المراغي التذكر بكل تقارير حريق القاهرة التي عرضت عليه أثناء تقلده وزارة الداخلية، لأنه عندما كتب مذكراته هذه كان العمر قد امتد به لسن 76 عامًا وأعتقد أن في هذا السن لا يستطيع المرء أن يتذكر كل الأشياء التي مرت عليها تلك السنين الطوال.

يتبع مع الجزء الأول من الحلقة الرابعة بالمقال القادم إن شاء الله.

المصادر

  • أحمد حسين – قضية التحريض على حرق مدينة القاهرة  1957.
  • جمال الشرقاوى – حريق القاخرة – قرار أتهام جديد – دار الثقافة الجديدة 1977.
  • حسن يوسف – القصر ودوره في الحياة السياسية المصرية (1922- 1952) مذكرات     حسن يوسف باشا – مركز الدراسات السياسية والأستراتيجية بالأهرام 1982.
  • صلاح عيسى – محاكمة فؤاد سراج الدين باشا – ج1 ط1 مكتبة مدبولى القاهرة 1983
  • د/ عبدالعظيم رمضان – الصراع بين الوفد والعرش ط2 مكتبة مدبولى 1985.
  • عبد الفتاح حسن (باشا) – ذكريات سياسية للوزير السابق عبدالفتاح حسن – دار الشعب 1974
  • د/ محمد أنيس – حريق القاهرة – مكتبة مدبولى القاهرة 1982.
  • كريم ثابت (باشا) – عشر سنوات مع فاروق (1942 – 1952) مذكرات كريم ثابت  – دار الشروق ط1 2000.
  • كريم ثابت (باشا) – فاروق كما عرفته، ملك للنهاية – مذكرات كريم ثابت – دار الشروق ط1 2000.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد