يُعد «فيدور دوستويفسكي» أب الأدب الروسي لما بلغه من قدرة علی تحليل النفس البشرية وسبر أغوارها من خلال أعماله الأدبية التي اتسمت بالواقعية المفرطة وتبني كل الجوانب في حياة أبطاله، ولما حاز عليه من مجد وشهرة لم تكن وليدة الصدفة، بل إنها كانت نتاج الكثير من المعاناة والآلام التي لاقاها رجل الأدب الأول في روسيا علی مدار تاريخها.

تُعد رواية «ذكريات من منزل الأموات» أحد أبرز الأعمال التي تكلم فيها «فيدور دوستويفسكي» عن نفسه، فبينما نجده يكتب عملا كبيرا في «430» صفحة يحكي فيها عن بطله الخاص «ألكسندر بتروفتش» الذي استخدمه لتمرير حكاية سجنه ونفيه في سجون سيبيريا في بداية حياته، تُعد الرواية أحد أبرز الأعمال التي كُتبت في مجال «أدب السجون» الذي تدور حكاياته عن السجن والمسجونين، يحكي دوستويفسكي بوصف دقيق كل ما يدور في هذا المكان الذي اعتبره منزله طوال مدة الإقامة، بطريقة دوستويفسكي الكاشفة للأعماق والفاحصة لأدق الأشياء يبدأ بطل الحكاية «ألكسندر بتروفتش» من اليوم الأول البحث في نفوس من حوله في محاولة لمعرفة ما يخفونه بداخلهم من ذنوب أو آلام أو حتی مشاعر الندم علی خطاياهم.

«أشعر بوحدة هائلة وعزلة رهيبة، وأنني وصلت من ذلك إلی أن أحب هذه الوحدة وهذه العزلة.»

تمر أول سنة صعبة وقاسية، ولكن بطلنا يدرك أن لا مفر من الاستمرار في السجن مع «الأشقياء» أو «أصحاب الحظ العاثر» كما كان يُطلق علی سجناء الأشغال الشاقة في روسيا وقتها.

«إن الواقع يبلغ من كثرة التنوع أنه يُفلت من جميع استنتاجات التفكير المجرد مهما تكن بارعة. إن الواقع لا يحتمل التصنيفات الواضحة الدقيقة. إن الواقع يميل دائمًا إلی التبعثر في تنوع لا نهاية له، ولا يمكن حصره.»

يتحدث دوستويفسكي عن الأعراق والأجناس، اليهود والمسيحيين والمسلمين في السجن، عن طعام السجن ورائحة الهواء المتعفن في المستشفى الذي يهرب إليه السجناء متعللين بأي علة كي يرجئوا تنفيذ العقوبات فيهم، يتحدث عن العقاب وجلدة السوط وضربة العصا، عن حيوانات السجن وتهريب الخبز الأبيض والخمر وأيام الأعياد ووقت التريض والشعور العميق بالكآبة فجأة، كل هذا بعمق وحرفية شديدة تنفذ لأعماق قلب القارئ الذي يشعر وكأن هواء السجن وصخبه يحيط به طوال فترة القراءة.

«لم تكن له أية علاقة بالبيئة الأجنبية التي يعيش فيها. إنه أكثر انطواء علی نفسه من أن تنعقد بينه وبين أحد صلة.»

في هذه التحفة الفنية التي من المؤكد أن كتابتها اضطرت دوستويفسكي لاسترجاع آلامه طوال فترة السجن، حيث إنه كتب جزءًا منها في السجن نفسه ومن ثم أكملها في الخارج بعد سنوات، حاول بقدر الإمكان أن يكتب بحياد، واصفًا وشارحًا كل ما عاشه دون الإساءة لروسيا، ورغم ذلك فقد رفضت الرقابة نشر الكتاب في أول مرة عرض عليها، ولكن دوستويفسكي قدم وثيقة مفصلة يبرر فيها ما كتب مما أدی في النهاية لنشر العمل في «1860»، موثقًا لفترة صعبة في حياة قامة أدبية لا تقارن، تميز في تحليل وتفسير أبطال أعماله ومبرزًا لكل دوافعهم كما لم يفعل أحد من قبل، مساهمًا لإلغاء العقوبة الجسدية علی السجناء بعد صدور الكتاب بفترة، كلها أشياء تميز بها دوستويفسكي عن غيره، مُنصبًا نفسه واحدًا من أعظم الكُتاب علی مر التاريخ بما أنجزه في أعماله تحمل قيمة أدبية وفنية لا مثيل لها، صاحب ذكريات من منزل الأموات التي لا ينافسها أي عمل أدبي مما انتهجه من صراحة وتلقائية في الوصف والشرح والتحليل، مما يجعل العمل وكأنه سجن حقيقي تقضي فيه مدتك وأنت تقرأ. تركض خلف الصفحات متتبعا أحوال «أشعيا فومتش» اليهودي الغني البخيل، والنبلاء الروس والبولنديين وصانعي الأحذية ومهربي الخمور والأشقياء الآخرين، كل هذا يخرج من معاناة واحدة ساهمت في جعل فيدور ما أصبح عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد