مثل كثير من أعضاء فئة النادي العشريني، مررت بتجربة التحول من الحياة المدنية لخدمة الوطن عامًا كاملًا من التجنيد الإجباري، عام كامل هي تجربة ثقيلة ومتعبة خرجت منها بفوائد شخصية وتعرفت فيها على أنماط مرعبة طاردتني على الدوام وجاهدت لدفعها، لا مجال لسرد الفوائد الشخصية لأن الأنماط المرعبة أكثر أهمية فقد صار البوح بها أساسيًا لأنها تقود لتساؤلات مخيفة.

في الحياة العادية يتبارى أقراني ليثبت كل منهم ما يبرع به وما يميزه، ليثبت كل منهم أنه يعيش حياته كما يجب فالبعض يبرز أملاكه التي تجعله سعيدًا كهاتف حديث وسيارة والبعض يوثق كل لحظات حياته بصور تثبت أنه يعيش حياة تستحق وأنها ليست مملة والبعض يمضغ الكتب كالطعام في محاولة أن يرى ما لا يراه العوام، في الميري يختلف الأمر حيث يتبارى أقراني في الاتجاه العكسي فطريقك للسلام الداخلي هو أن تتماهى تمامًا مع ما حولك وأن تخفي كل دلالة قد تميزك، في مركز التدريب يتم تأهيلك باستمرار لتسير خطوة معتادة وأن ينضبط إيقاع خطواتك مع من يمينك ومن يسارك ومن أمامك ومن خلفك مع صف ضابط يرمق الجميع شزرًا ومتأهب للإمساك بالوغد الذي يفسد الإيقاع بحركاته الخاصة، عندها تتمنى تمامًا أن تكون آليًا وأن تختفي كل هواجس عقلك التي تشتتك وتصبح كتلة هلامية تنطبع بإيقاع ما حولها، كل شيء في الميري كالخطوة المعتادة فمعيار نجاحك هو قمع كل ما يميزك عن أقرانك المحيطين بك من الجهات الأربعة وأن تفنى في الكل.

في الحياة العادية يقدس أقراني العقل لأنه يستطيع الإدراك والتمييز بين الأمور وتحديد ما يجيده وما يحتاج فيه للغير، متى يتقدم لتولي الأمر ومتى يعلن عن حاجته للمساعدة، في الميري التقديس للقلب ولا ينبع ذلك من قيمة القلب العاطفية بل قيمته البيولوجية، في الجسم القلب مضخة مركزية تضخ الدم لسائر الجسم، وفي الميري توجد تلك المركزية الثقيلة، دومًا هناك قيادة تتخذ كل القرارات وتفرض أسلوبها على كل شيء، لا توجد قرارات كبيرة أو صغيرة، قرارات تافهة أو ذات قيمة، كما أنه لا توجد قرارات تستحق التأني والنقاش وأخرى سريعة، قال لي صديقي بمجرد أن أرى وقفة جندي البوابة أعلم من يتولى القيادة في الوحدة اليوم فالقائد ينطبع أسلوبه على كل شيء. القائد الشرس يضخ التوتر والتحفز لكل من أسفله وكذلك الخوف والهلع من تحمل المسؤولية أمامه بل التفنن في إلقائها على آخرين دون حلها حتى يأتي القائد ويحلها وعندها يبارك الجميع قراراته، القائد هو الأخ الكبير الذي يحدد كل شيء، في الميري القائد القلب يضخ الأوامر ورؤيته الأحادية لكل شيء.

في الحياة العادية يحاول الفرد صياغة نمط حياة يناسبه، يعلن عن محاسنه ليستمد منها احترامه لنفسه واحترام الغير له وبالتالي حقه في أن يمنحه الإله النهايات السعيدة والتوفيق، في الميري يكون الفرد في حالة دفاعية باستمرار أمام نمط حياة يهاجمه ويود ابتلاعه، في الوحدة تكون المهمة الأساسية إخضاع عشرات الأفراد من بيئات وثقافات وخلفيات متباينة لأسلوب واحد، الجميع أعصابه مشدودة كالوتر والأجساد منهكة والنفوس مستنفرة، يمتلئ القاموس اللغوي بعبارات من السباب المقذع وأنماط من المزاح القبيح، معيار التباهي إما القدرة على ابتكار شتائم أكثر وضاعة أو التباهي بالفحولة الجنسية، تلك مهارات لا بد للفرد أن يجيدها حتى يصبح مرهوب الجانب فما دمت قادرًا على الرد وكيل الشتائم فلا مجال للتحرش بك لفظيًا أو استثارتك لتخرج حيوانك الداخلي وما دمت لست كذلك ستظل دومًا محل نظر وتساؤل، يقول لي صديقي بأسى أنه كان إنسانًا أفضل وأنه سيصير إنسانًا أروع متى يخرج من التجربة، لو كان مثقفًا كان سيقول لي أن الجيش غابة داروينية عليك أن تبرز فيها أنيابك وما منحك إياه القدير من مخالب وطفرات تجعلك وحشًا مرهوبًا قادرًا على الاستمرار بين أقرانك.

وبمقدار ما صرت وحشًا بين أقرانك بمقدار ما تكون نعامة مستكينة تنتهز الفرص لتغرز رأسها في الرمال أمام من يعلوك مرتبة، مبدأ التقية أساسيًا، فكل دعابة يقولها الأعلى رتبة لا بد من الضحك عليها، كل قرار يجب مباركته والثناء على قريحة من أدلى به، كل عقاب لا بد من ابتلاعه حتى لو لم تكن مذنبًا، وتكتفي بأحلام اليقظة التي تسب وتلعن وترغي وتزبد بها وتأخذ حقك بطرقك الخيالية.

أنت تربي نقيضين أسد بين الأقران ونعامة أمام الأعلى منزلة، جمع صفات تهور الدببة ومداهنة الثعالب، الطفرة الجينية قد تمنح المخلوق الضعيف صفات أقوى والتزكية الصوفية قد تمنح العبد الطيني صفات نورانية أما الميري منح كثيرًا من أقراني صفات أكثر انحطاطًا.

يجتهد صديقي العقلاني في تأدية مهامه كما يجب ويزيد عليها ويراقب ضميره باستمرار ليتأكد هل تأثر بالبيئة المحيطة أم لا، صديقي كان استثناءً فطاقته تركزت على أداء مهمته وصيانة عالمه الداخلي من الضغوط أما أقراني كان محور طاقتهم هو كيفية الإفلات من العقاب وكيفية التحايل على القوانين للظفر بساعة راحة إضافية أو التملص من المهام، فهم لا يتعاملون بجدية مع منظومة لا تعاملهم بإنصاف ولا تأخذهم على محمل الجد، ظل صديقي دومًا يمثل نسبة الواحد في المئة.

تلك الانطباعات هي ما حدث لبعض أقراني في تجربتهم مع الميري التي كانت بطول عام لي وبطول عامين وثلاثة لبعضهم، لا أقول أن تلك الانطباعات قاعدة أساسية لكل من خاض تجربة الميري ولا أقول أن السرد يتسم بالحيادية التامة والموضوعية لأن المقال ذاتي كليًا وهو تجربة إنسانية من الشقاء والأوقات اللطيفة والسوداء، ولكن ما يستحق التساؤل هو تلك الصفات التي يعتبرها البعض بديهية نسبة لطبيعة التجربة والتحول من فرد مدني لجندي مجند ضمن منظومة تضمن الصرامة والانضباط كفاءتها، هل تزول تلقائيًا بعد التجربة أم تنطبع بداخلنا ونمارسها تلقائيًا في الخارج؟

كم من المدنيين الذين تراهم يتماهى مع من حوله في خطوة معتادة يخاف أن يخرج عن إيقاعها ويحتمي بجانب حائط يخاف أن ينهد ويكشفه؟ كم من المدنيين ينشب مخالبه في أقرانه بحثًا عن ترقية يستحقها أو مكانة لن يصلها إلا بوطئ رأس من يجاوره حتى لو كانت تلك المكانة كرسيًا فارغًا في مواصلة عامة؟ كم من المدنيين يمارس التقية واستكانة النعامة مع رؤسائه يمازحهم علنًا ويسبهم في سره، ثم يذيق مرؤوسيه قهر رؤسائه؟

سؤال أخير: مصر على مدار ستة عقود محكومة من رؤساء عسكريين وكذلك كثير من المحافظين والوزراء وأرباب المناصب العليا هم إفراز لتلك المؤسسة العريقة. ربما انضباطهم ومركزيتهم وصرامتهم وديكتاتورية القرار وجذريته هي صفات محمودة في مؤسساتهم، لكن هل يمثل انتقال تلك الصفات لمؤسسات وزارية أو محافظات محلية أو لكرسي الحاكم كارثة ؟ انتهت التجربة بحلوها ومرها ولن تنتهي التساؤلات أبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد