إذا كان العلامة السوري أبو خليل القباني هو رائد المسرح العربي، وواضع اللبنات الأولى لقيام المسرح العربي بعد أواسط القرن التاسع عشر، وسط تضييق هائل من الأعيان التابعين لنفوذ الدولة العثمانية العلية، وممانعة شديدة من رجالات الدين بالشام والآستانة. فإن عبد الجبار بلوزير والمختار الملالي ومحمد بنيوز (بلقاس) والطيب الصديقي وكبور الركيك والمهدي الأزدي وآخرون… هم رواد المسرح المغربي الحديث بعد الاستقلال مباشرة.

الممثل عبد الجبار بلوزير، يعود لسنوات بعيدة ماضية لا تزال حية في ذاكرته، وهو يحكي للمفكر والإعلامي عبد الصمد الجباص قصته مع الخشبة. يخوض معه في تفاصيل صنع الفرجة أيام الزمن الأسطوري للمسرح، حين كان أبو الفنون يسطو على عقلية شريحة واسعة من المغاربة، وحين كان في كل حي من مدينة مراكش فرقتان للتمثيل على الأقل.

من أحياء مراكش القديمة والملتوية، ينطلق قلم عبد الصمد الجباص برواية اللحظات الأولى لآنطلاق حياة مسرحي مراكش الأول، في مؤلف: حياة في ثلاث طلقات ونكتة وحلم كبير. سيرة عبد الجبار بلوزير. المقاوم والمسرحي المزداد في عشرينات القرن الماضي في دروب المدينة القديمة، وموزع البهجة في مدينة مراكش، وساقي المسرح المغربي بالضحك والفرجة منذ ستين سنة مضت. حمل معه طيلة هذه السنوات حلم رسم الابتسامة على وجوه المغاربة، بل تجاوزهم إلى المغرب الكبير، وقدم أمام جمهور الجزائر وتونس ما لذ وطاب من المسرحيات المطبوخة على الطريقة المغربية.

على الرغم من إتقانه لعدة حرف ذات شأن ذلك الوقت، مثل تاشكريت وتشراطت، ومداعبته للكرة في مركز حراسة المرمى بشكل جيد، رفقة فريقين محليين بمراكش، وحصوله على وظيفة بسلك القوات المساعدة، إلا أن همس الفن دائمًا ما كان يناديه. ترك كل ما يطمح إليه شاب بمثل سنه، ووجه ذهنه صوب الفن والمسرح، ليلتحق بفرق مسرحية ستبرز للمغاربة فنانين بعضهم أضاعهم الدهر، والبعض الآخر يقاوم ما يمكن مقاومته وسط ميوعة عارمة تقصف العقل المغربي.

فرقتا الوفاء والأطلس، تركا بصمة قوية في حياة بلوزير الفنية. كانا بابين للاحتراف معشوقته الخشبة والخروج من الهواية نحو الاحتراف. لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فمسرحي مراكش الأول لم يكن مجرد فنان فقط، بل مقاومًا مدافعًا عن المغرب والمغاربة ضد الاستعمار المغتصب للبلاد العذراء. ألقي القبض على عبد الجبار بلوزير من طرف سلطات الحماية لقتله فرنسيا ولنشاطه الكثيف مع المقاومين وقيادته لعدة هجمات ضد العدو الفرنسي، ليصدر في حقه حكم بالإعدام. الحكم بالنسبة إليه أنهى رحلته في الحياة، لكنه لم يكن يعلم أن دائمًا في الحياة أمل.

النضال يفتح على المناضل أبواب جهنم، وقبل النضال على صاحبه الاستعداد دائمًا للأسوأ. (كوميسارية جامع الفنا) وسجن بولمهارز وسجن لعلو، كانوا حقًا بمثابة جهنم لكل المعتقلين المقاومين للحماية، التعذيب بأبشع أنواعه، والأحكام تطلق جزافًا، للنيل من نفسية المقاوم والانتقام منه على ما فعل. هذا ما حدث بالضبط لبلوزير، إلا أن هذا لم يحبطه بقدر ما جعله يقرر تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن وهو في زنزانته. درس يلقنه بلوزير لكل من سولت له نفسه إهمال الدراسة والتعلم بحجة الظروف. علمًا أن عبد الحبار ترك الدراسة في وقت مبكر من صباه، وتوجه ناحية تعلم حرفة يقتات منها وتضمن له لقمة عيش كريم.

لعبد الجبار بلوزير حظ ليس له مثيل، لقد نجا من عقوبة الإعدام. المفاوضات حول استقلال المغرب وعودة الملك محمد الخامس من المنفى، كانت سبيلا إلى نجاته من الموت المحتم؛ ليخرج منتصرًا من معركة السجن بتعلمه للقراءة والكتابة، وليعود لحضن أهله بمراكش، وبين ذراعي معشوقه المسرح، ليخطو خطوات ثابتة نحو تحقيق ذاته كفنان مسرحي له وزن داخل المنظومة الثقافية المغربية. على الرغم من الإكراهات التي لم تنل منه، بل شدت ساعده لرسم الزمن الجميل للمسرح المغربي.

كانت فرقة الوفاء تقدم عروضها بكل بقاع الوطن، في المدن والقرى والمداشر، بأبسط التقنيات وأحيانا دون قاعات كما هو الحال في القرى، لكن قدرة الممثل على التشخيص أمام الملأ مباشرة، كفيلة بعدم الإكتراث الى الإضاءة والديكور. للكتابة المسرحية المحكمة والتي يتخللها غالبا الارتجال قدرة هي الأخرى لتجاوز المطبات التي قد تحصل. يتخللها كم عارم من المواقف المضحكة التي قد أضحكت الكثيرين، من الممثلين أنفسهم إلى الجمهور العريض. حين كانت الإمكانات المادية واللوجيستيكية محدودة، تميز الإنتاج بالجودة، وكفاءة الممثلين كانت الفيصل في حصد متابعة جماهيرية عالية. عكس ما يحدث في أيامنا الآن، الدعم المالي متوفر، والتقنيات متطورة جدًا تساعد على خلق إنتاج يرضي الجمهور، إلا أن المشخصين لا يرقون للمستوى، بل يظل باهتًا. مفارقة عجيبة بالتأكيد.

لم تكن فرقة عبد الجبار بلوزير مقتصرة على عامة الشعب أو نخبة معينة. ففرقة الوفاء أعجب بها الملك الحسن الثاني، وكثيرا ما نادى عليها لتقديم عروض أمامه، بإحدى قصور مراكش أو إفران، بتعويضات سخية تصل أحيانًا لمبالغ كافية للعيش بها خمس سنوات، وأمام الأسرة الملكية وكبار الموظفين السامين المقربين من الملك. وتعود الملك الراحل على فتح باب الحوار مع المشخصين، تتخلله نكت وضحك يرويها عبد الجبار بلوزير في الكتاب. حتى أن الحسن الثاني كان يوجه ملاحظات حول النص أو التشخيص وكانت تؤخذ بعين الاعتبار، تنم عن دراية بفن المسرح وتقنياته.

الخشبة، أو الركح كما يطلق عليه في الشرق، آستقطبت كما مدهشا من الجمهور، كانت جنبات المسرح تفيض بالمتفرجين، بل كان الناس يقفون لمتابعة مسرحية فرقة الوفاء، وأعداد كبرى تنتظر أمام أبواب القاعة أصداء الخارجين بخصوص العرض. هكذا كان المسرح المغربي حتى بداية الثمانينات، بداية السنوات العجاف، هنا بدأ الاهتمام بالمسرح يقل، لم يعد يحضر إلا قلة من المتابعين. تحولت اهتمامات الناس، لم يعد الشخص يكلف نفسه عناء التنقل نحو المسارح، التي بدورها قلت، وبعضها هدم كما حدث للمسرح البلدي بالدار البيضاء، ومسرح جنان الحارثي الذي انهار إثر انفجار قنينة غاز.

تهديم المسارح هدم بدوره نفوسا أحبت الخشبة والجمهور وضحت بالغالي والنفيس من أجل تقديم عروض ترقى بالحضور والمتابعين. لكن بعض النفوس والنويا لا ترغب في تقدم المسرح، زرعت أشواكا أمام مسير القطار ليتعثر. منذ ذلك الوقت، أي بعد الثمانينات والمسرح في كبوته. حتى الممثلون يفضلون المسلسلات والأفلام نظرًا للعائد المادي المرتفع بخلاف المسرح، على الرغم من أن المشخص عليه البدء أولا في مسيرته الفنية بالمسرح، بعدها يمكنه المرور لباقي الفنون. وبما أن الفوضى تعم المجال فلم تعد هناك قواعد تحترم، ولم تعد هناك أخلاقيات للمهنة تحترم فن التشخيص والمشاهدين.

النكتة كانت سبيل عبد الجبار الوزير وسط هذا الخضم العسير المتأزم في عدة مجالات سياسية واجتماعية وفنية. إنها السبيل لبلوغ الحلم الكبير، والاستمرارية في حياة أعطت الكثير وظلمت في الكثير. الفن قدم له عبد الجبار ومعاصروه من أبناء جيله الجهد والتعب في خلق قصة مدتها سويعات، وتحضيرها يصل لأشهر من الإستعداد. غابوا عن عائلاتهم لأشهر، مغتربين في دول كالجزائر وفرنسا وألمانيا فقط لرفع راية المغرب وتمثيله على خشبة أرقى الفنون.

يبلغ الآن شيخ المسرح سنا متقدمة ومع ذلك لازال يحافظ على حس الفكاهة والمرح. نبش في ذاكرته الصحفي عبد الصمد الجباص وهو جالس في فناء منزله تحت شجرة النارنج. يروي مؤلف الكتاب تاريخا اختزلته ذاكرته المكدسة بالأحداث.

أمام القراء مؤلف لا يروي سيرة الممثل عبد الجبار بلوزير وحدها، بل يؤرخ لحقبة مزدهرة من تاريخ المسرح الحديث المغربي، الذي لم ترسخ له قدم بعد إلا بوصول كوكبة من الممثلين المغاربة، واضعين بيئة فنية يمتزج فيها المسرح الهادف بالترفيهي بالغنائي. إنهم رواد الخشبة بالمغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفرجة, فن, مسرح
عرض التعليقات
تحميل المزيد