ولد الفنان بيل فيولا في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1951؛ إذ يعتبر من رواد الفن الفيديوغرافي وموسيقي ومصوّر سينمائي، إضافة إلى كونهِ كاتب سيناريوهات. فهو عضو بالأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم والأكاديمية الملكية للفنون.

تتخذ أعمالهُ التشكيلية أنماط متعدّدة ولعلّ أبرزها فن الفيديو والتنصيبة، حيث نشأ فن الفيديو في بداية الستينات، والذي استفاد من نشأتهِ الفنان بيل فيولا، الثائر على أنماط الفنّ التشكيلي القديم والمتأثر بجماعة الفلوكسوس المتمردين على الفنّ المتحفي وما يحملهُ من قوانين قد تشدّ الخناق وتضيق على حرية الإبداع وجنوحهِ نحو التجديد ومواكبة العصر. إذ تشكّل أعمال الأمريكي بيل فيولا نقطة تحوّل في المفهوم الضيّق للفن التشكيلي ويتبع مناهج مغايرة عما سبقهُ من أنماط فنية تقليدية. شهد القصر الكبير بفرنسا معرضًا لأعمال فيولا خلال 40 عامًا من سنة 1977 إلى سنة 2013، لوحات فيديوغرافيّة تشهد على الخيال الخصب الذي يمتلكهُ هذا الفنان، وعلى مدى قدراتهِ في التحكّم بالأدوات التقنية والرّقمية لفن الفيديو موضوع هذا المقال. ولعلّ أبرز أعمالهِ امرأة النار التي صوّر من خلالها عالمًا خياليًا ليعود ويسترجع ذاكرة الفن وأثارهِ العميقة في الأنماط التعبيرية والرمزية لفن الفيديو خصوصًا.

يواصل فيولا اكتشاف قدرات فن الفيديو المستوحاة من أفلامهِ وما حققته السينما من تقنيات فريدة على مستوى الرؤية وقوّة الصورة المعروضة؛ مما أضفى على الفضاء دلالات جمالية مميّزة جمعت بين الواقع والخيال، في شكل مقاطع فيديوغرافيّة مبتكرة تبهر الناظر وتحمل تفكيرهُ إلى عالم روحاني، كمن يعيش ذاكرة حلم جميل ودافئ في ليالٍ مظلمة وباردة.

أردت في هذا المقال أن أتحدّث عن دور فن الفيديو في استحضار مفهوم الذّاكرة وكيفية انفتاحهِ على الزمن المطلق عن طريق عمليّة الاسترجاع والتذكر ودور هذه الوسائط الرّقمية في تعميق الفعل الزّمني بالعودة إلى أعمال الفنان التشكيلي بيل فيولا، الذي يتخذ من الجسد أداة ووسيط في ممارسات فن الفيديو، هذا الفنّ الذي تنامت قدراتهِ التّقنية عبر التطوّر الرقمي زمن المعاصرة، وانفتاحهِ على الإنترنت وفن الشبكات.

حيث يتجاوز السؤال الجمال، إشكال يجب تعديلهُ والبحث عن الدلالة وما لها من معاني في التّعبير عن الأفكار وترجمة ما يدور في عمق الذّاكرة. هذه الذّاكرة الفيديوغرافيّة التي تبعث في المشاهد التساؤل عن وجودهِ إثر تأمّلهِ المطلق لما يمرّ أمام نظرهِ في تلك اللّحظة الزّمنية، بالتالي فإنّ صورة الفيديو عند الفنان الفيديوغرافي بيل فيولا ينحت فيها الوقت، ويوقفهُ على لحظات مُعيّنة، في جمودها نجد الخلود، أي الزّمن المسترجع عبر الذّكريات وحتميّة الصّور وإدراك معانيها عبر تأمّل العمل وما يحملهُ من رموز قد تبدو مُشفرة، لكن في عمقها خيال خصب نعيش على انعكاساتهِ في ذاكرة الأشياء من حولنا. إلى أن يقودنا مسار البحث إلى أثر الغرابة ومدى قدرة تقبّل المشاهد للأثر الفني الجديد بكل تقنياتهِ وموادهِ ووسائطهِ الرّقمية الحديثة، خصوصًا عند سعي فنان الفيديو بيل فيولا إلى تدعيم وتعميق هذهِ الأحاسيس والمشاعر، ليتساءل عن التنظيم الفضائي للتنصيبة، عامل أساسي يسعى الفنان في خلقهِ، إذ كلّ ما يراه المشاهد على حائط لقاعة عرض يوجد داخلها ممرّ ضيق وذلك في أثرهِ الفني مرور الذي قام بانجازه سنة 1987، ففي العمق يلمح صورة مُتحرّكة، أصوات وضجيج، يبقى المشاهد في حيرة من أمرهِ. هل يجب أن يقترب ليرى ما يحدث؟ إلى ماذا يؤدي هذا الممرّ الضيّق؟

هذا الممرّ الضيّق يأخذ المشاهد إلى فضاء شاسع، منفتحًا رغم مكانهِ الصغير، على التغييرات الرّقمية في برمجيات الفيديو المنفتح على الزّمن المطلق في ذاكرة صورة هذا الطفل الصغير الذي يبدو على الشاشة، إضاءة تتزايد حدتها وإشعاعها فتتزايد معها الانفعالات، فتبحر العين في فضاء افتراضي ورقمي يصوّر ذاكرة زمنيّة معروضة في مساحة غير خاضعة للقياس المُتطابق للجزء المعروض من الجسد. وكأنّ الفنان بيل فيولا يصوّر مذكراتهِ في هذا العمل ليتجاوب مع زمنهِ الحاضر في شكل قد يبدو خيالي من خلال توظيفهِ لوجه الطفل الصّغير في هذا العمل؛ إذ عادة ما ترمز الطفولة إلى الذّكريات وزمن الماضي. مجال تبلّور الجسد في مظهرهِ وكينونتهِ الصّورية المشهدية، هذه الكينونة التي لا تتعدّى عتبة الذّهن وتتسم طبيعتها بالجانب الخيالي المُبتكر والمُتجاوز فيهِ هكذا فإنّ زمنيّة هذه الصّورة الفيديوغرافية المُكتسحة من قبل الجسد والمادّة، لا تغدو كونها زمنيّة رقميّة وافتراضية، بكونها تتعرض لتغيير دائم ومُتجدّد، أي في علاقة مُباشرة بمدى قوّة الإدراك وقوّة الذّاكرة في احتوائها وتخزينها للأحداث والصّور. زمنيّة الذّاكرة التي بصدد ترجمتها الفنان بيل فيولا هي زمنية اتخذت بعدًا افتراضيًا وذلك عند التدخّل التقني والرّقمي على محتواها.

فزمن الصّورة الفيديوغرافيّة المستوحى من مخزون الذّاكرة يتميز عن غيرهِ من الأزمنة الأخرى؛ وذلك لكون مرحلة إنشائهِ تشهد زمنين مُتزامنين زمن الجسد وزمن الفضاء أي الصّورة الذّهنية للماضي المُتجسّدة في شكل مشاهد فرجوية قد تحتوي بدورها هي الأخرى في تشكّلها عن أزمنة أخرى تسمح للجسد من الظهور والسيطرة على الفضاء التشكيلي في بُعدَيْهِ الافتراضي والواقعي، فزمن الجسد المُنتج للأفعال والمُمارسات التّشكيليّة يتّسم باللاّمحدودية في إطار الانسياب الزّماني والمكاني المُطلق في فعل التشييء الصُّوري أو الإنشاء لصُورة الذاكرة حدّ الاكتمال النهائي لها، حتى تتميّز بالحركيّة التفاعليّة وبروز تأثيرها على الجسد الخارجي. ذاكرة ترجمها في شكل صُور مكنونة تفيض بالحنين والوجدان والتحسّر عن زمن مضى وأصبح فقط صُور تذكاريّة يتصفحها بين الحين والآخر صُور تستنزف الذّات خلال العملية الإبداعية تلك، لتتمثّل الفترات الوقتيّة التي يتشكّل منها زمن الإنشاء أي فترات مُتتالية ومُتوازية لكلى القُطبين: الجسد، الصّورة والذّاكرة، الزّمن. كل هذهِ الفترات استغرقها الجسد والذاكرة لحياكة الصُور المشهدية للذّاكرة الفيديوغرافية وعرضها في الفضاء، لتتوالى أحداث القصّ وسرد الماضي، مما يفضي في الأخير إلى اكتمال ونضج المشهد الفرجوي المُصّور، بالتالي يكتمل زمن موضوع الصّورة الفيديوغرافية التي سيطر عليها الحضور الطاغي للجسد والذاكرة الفيديوغرافيّة.

للذّاكرة الفيديوغرافيّة المُرقمنة أزمنتها الخاصّة، فقد تتسم بالتزامن أحيانًا وبالتفاوت والاختلاف أحيانًا أخرى؛ إذ تتعلّق وجوديًا بعناصر ومُكوّنات فضاء العرض أوّلًا، وفضاء الصّورة المقدّمة عنهُ ثانيًا (المكان الصّوري). بالتالي يتشكّل هذا الأخير حسب نوعيّة وطبيعة الأشياء والمعالم التصويرية والرّمزية المُؤثثة لهُ، إلاّ أن هذه الأزمنة المُرافقة للصّور المُتذكّرة لا تنفكّ عن كونها جزءًا عضويًا من الزّمن المُهيمن والمُسيطر الذي يتميّز بهِ الفضاء الكلّي للصّورة أو المشهد عمومًا. أمّا بما يخصّ الصّورة الواقعية لفضاء العرض القياسي المُسيطر عليها والمُكتسحة من قبل الجسد والمواد، فإنّها تحاكي وتستنسخ حدثًا مرئيًا وواقعيًا. فالزّمن رغم عدم إدراكنا له ماديًا وعدم لمسه والإحساس به بأيّ شكل من الأشكال، لكن وجوده المحض يكمن في ذهن ذاكرتنا وفي وجودها اللامادي في حركة الأشياء. بالتالي فإنّ الخوض في تجربتي مع الزمن قد تتعدى هذا التعريف المُبسط والضيق لما له من لا محدودية في تحديد مفهومه ولو بالحدّ الأدنى من الفهم البسيط.

إذ يعرفه الفيلسوف أرسطو Aristote بقوله: من الواضح أنّ الزمن ليس الحركة، وإنه ليس بمستقل عن الحركة، من خلال هذا الإقرار الفلسفي ندرك إذا أن العامل الزّمني ليس في قطيعة عن الحركة في مفهومها العام سواء في حركة الجسد، حركة المادة، حركة الأشياء من حولي، فكل هذه العناصر تعمل على اكتمال الصّورة المشهدية لما هو حسّي ومادّي. لأنّ للزّمن وجود مستقل ومُطلق عن ما هو مادي فهو حقيقة حتمية بعيد عن الذّهن، ومن ناحية أخرى يتحدد مفهوم الزّمن على كونه ظاهرة فلسفية نسبية فيزيائيًا، أي أنه مبني على حركة الأشياء في الفضاء من عناصر، مواد تقنيات وسائط.

لست بصدد تقديم تعريف جاف للزّمن فحسب، بل أريد وضع هذا العنصر الزمني في إطارهِ نظرًا لعلاقته الوطيدة في ربط الأحداث، الأمكنة، الحكايات وخاصة في سرد الماضي واسترجاع ذكريات الطفولة في علاقتها بالفضاء، فالزمن شاهدًا على ما ترجمه الفنان بيل فيولا من حكايات عبر التقنيات وكأنّ التّقنية أداته ووسيلته في الحكي والحياكة في آن واحد. في كافة أعماله التشكيلية يقوم بتصوير الزّمن، أجل هذا الزّمن الذي استرجعه عبر المادّة أولًا وقدمه عبر فن البرفورمونس في شكل عروض جسدية، فرجوية، تعبيرية.

ثانيًا جعل المشاهد يُتابع مغزى الحكاية وسير أحداثها وهذا يستغرق مدّة زمنية سواء كان إثر العرض، إثر تقديمهِ، إثر مشاهدته… زمن يتتالى وفق الصيرورة الزّمنية والمكانية معًا، لأنّه لا يمكن التحدّث عن الزّمان دون المكان والعكس صحيح، فكلاهما مقترن بالآخر، لكن التعريف يختلف في جوهر مضمونه. زمن الماضي البعيد أصبح زمنًا حاضرًا قريبًا إلى ذاته ويعود لأصل الجسد أي أنّ عامل الزمن في تجربته التشكيلية مرتبط بالأحداث والأفعال والمواد (الزّمن المطلق في فن الفيديو) والتّقنيات التي عاش على وقعها زمن طفولته. كأنّه يسرد سيرة ذاتية في علاقة مباشرة مع الزمن، زمن الذاكرة، زمن المادّة، زمن الجسد. فمع الصيرورة الزّمنية تختلف أحداث القصّ في عمق الرّواية (في استرجاع الماضي)؛ لأنّ الأحداث تتغير مع تغيّر الزّمان والمكان. بالتالي يكون الإدراك وحدهُ غير كافي في تتابع سلسلة الأحداث والأفعال المُصوّرة، فقد ذهب بودلير إلى أبعد من ذلك حين قال: إنّ مدّة التأمل وامتداد ما يعقبها من تأثيرات في الذّاكرة إنما يشكل في حدّ ذاته معيارًا كافيًا للقيمة الفنية، وقد وضع قاعدة تقول: إنّ الفنّ هو كيفية مُساعدة الذّاكرة على تذكّر ما هو جميل، من خلال هذا المنطلق فإن بودلير يقرّ بالزّمن التأمّلي في إنشاء بعض الأحداث ونسج حركتها المنقضية والزائلة، لكنّ بوجود الذاكرة يمكننا تخزينها واسترجاعها وقت الحاجة، هذا بالإضافة إلى دور البرمجيات الحديثة في تعميق فعل التخزين (الصّورة، الفيديو…).

ليس فعل التذكّر وحدهُ الذي يساعد الذّاكرة على استحضار مجمل الأفعال والأحداث، وليس هو الذي يرسم مسارها فقط، بل نفس الشيء لفعل النّسيان الذي من شأنهِ أن يمحو كافة الذكريات لولا قوّة الإحساس الذي يمتلكه كل كائن حي. فالنّسيان قد يمكننا من الانفتاح والتغلغل في البعد الخيالي والتّصوّري، فملكة التّذكّر مسؤولة هي الأخرى عن نقيضها (فعل النّسيان)، نسيان ما يعرقلها ويشيبها في تخطّي الصّور العالقة في عمقها.

وبذلك يكون المجال أمام فعل استحضار الماضي والتأكيد عن الفعل التّشكيلي في جلّ أعمال بيل فيولا، متواصل بين ما استحضرهُ من ماضي وما قام بتصويرهِ من حاضر حتى يكتمل البعد الدّلالي والرّمزي الذي سعى في تحقيقهِ من صُور مرئية مستمدة من ذكريات الطفولة. مقتطفات فيديوغرافيّة لها علاقة مباشرة بالواقع المُتذكر والذي أراد عرضهُ للمشاهد حتى تصبح ذاكرته شاشة يشاهدها الجميع دون تحفّظ أو إخفاء لما هو حميمي وشخصي. أي أراد الفنان تقديم هذه الذاكرة الجسدية في شكل عروض قياسيّة مُسجّلة تحمل في باطن صُورها أحداث مرت عليها سنين عديدة، خزّنها في ذاكرة هذا الطفل الصّغير، لتكون شاهدًا عن مراحل من عمره قد عاشها في ذلك الزّمان والمكان، ذاكرة حُفرت في فضاءات عديدة من الجسد الذي أعتبرهُ الملجأ الوحيد الذي منهُ أستمدّ مصدر قوته في الاسترجاع والتذكّر والتغلغل في الحميمي المادّي والملموس.

لعلّه يقدر بذلك من الوصول إلى العالم الخيالي للذّات في نحت هويتها وهيكلة شتات ذكرياتها في أزمنة وأمكنة مختلفة حسب اختلاف الحدث والفعل الجسدي في جلّ تحركاتهِ النّابعة من داخلهِ حتى تكون إيماءات وعلامات ورموز قد تبدو مُشفّرة في ظاهرها المرئي، لكنّها واضحة بالنسبة له فهي إيماءات تترجم ما هو كامن في الجسد من مخزون ثري من الذكريات التي يأبى التحدّث عنها لفظيًا، بل تحدّث عنها مرئيًا وفرجويًا في شكل مقتطفات فيديوغرافيّة كان الجسد فيها حاضرًا، صامتًا، مخاطبا المتفرّج بحركاتهِ، ناسجًا لفضاء تشكيلي متشابك في علاقة تكامليّة بين الفضاء، الذاكرة، والجسد المؤسس لكل العمل التّشكيلي.

أراد من الفضاء أن يتخذ بعدًا فنيًا، سواء كان الفضاء الواقعي للعرض القياسي أو الفضاء الافتراضي للفيديو، عمل على توقيف الزّمن في مرحلة ما من العمل، أي أن عامل الفيديو قد ساعده في مرحلة مُوالية من التصرّف فيه وفق ما تقتضيهِ الحاجة التّشكيليّة. عمد أيضًا إلى التّجاوز في زمن الفيديو وإيقافهِ على صور معيّنة لإعطائه من ألوان الحاضر مشاهد قد تذهب ولا تأتي فهي انطباع لحظة زمنيّة يتمّ إيقافها بعدسة كاميرا لتخلدها وتمنع سقوطها من الذّاكرة، بل تعيد خيالي ليتذكّر الماضي، وما يحملهُ من معانٍ ودلالات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك