إننا نولد وحيدين، وكل ما يتلو ذلك نسيان تلك الحقيقة.

قائل هذه العبارة، التي افتتحت بها المقال، الروائي كارلوس ليسكانو، وهو يعد من أشهر كتاب الرواية في الأوروجواي. يعيش كارلوس ليسكانو اليوم في منتدفيديو، بحكم العفو وقانون المصالحة لعام 1981. لكنه يجد نفسه أحيانًا بين عدد كبير من الجلادين الذين لم تتم محاسبتهم أو محاكمتهم، بل وقد يلتقي بعضًا منهم في الشارع، أو في أماكن عمومية لأنهم يعيشون معه في المدينة نفسها، وعن ذلك يقول: «إنّ المجتمع في الأوروجواي ذاكرته قصيرة وقد نسي الكثيرون فترة الديكتاتورية!».

النسيان وسيلة دفاع غير عادية للإنسان يحمي بها نفسه ليستطيع الاستمرار في الحياة، فلو ظلت ذاكرته حية تحمل كافة التفاصيل التي مرت عليه، خاصة لو كانت مؤلمة، لأقلقت مضجعه حتى نهاية عمره، وقد لا يعرف معنى لأي صباح جديد يمر عليه، لذلك نجد كثيرًا من الأذكياء والنابهين أكثر الناس عرضة لأمراض الاكتئاب، لأن ذاكرتهم حية قوية. لذلك يلجأ الكثير للنسيان بوصفه ركنًا أكثر أمنًا ورحابة، بل إن ظلمته أهون كثيرًا من ذاكرة حية تنغص على الشخص أيامه المعاشة، بل قد يغير عقلنا بعض من تفاصيل الأحداث السيئة التي قد مررنا بها لكي تبدو بشكل مختلف عن حقيقتها؛ إنها وسائل دفاعية معقدة في عقلنا، يدافع بها عن نفسه للقدرة على الاستمرار.

النسيان أفضل طرقنا للتعامل مع الماضي؛ أما مع الواقع والحاضر المعايش، لو كان ثقيلًا، يختار البعض العيش في الإنكار والوهم باعتبارها وسيلة يتخذها للقدرة على الاستمرار. قد يكون رجلًا ما يعلم يقينًا أن زوجته تخونه، لكنه يركن إلى أنها مخلصة وعفيفة بالرغم من علم الجميع أنها ليست كذلك، بل وقد يلبسها بأثواب من الطهارة لا تعرفها، كي يظل آمنًا من مغبة معرفة الحقيقة، إن ذلك أسلوب دفاعي يحمي به ذلك الرجل نفسه من الخبل، أو الوقوع في هلاك المعرفة.

وكلما ثقل الواقع بأحداث كثيرة مؤلمة أصبح الهذيان وسيلة أخرى للدفاع عن النفس حتى لا يصاب الشخص بالجنون، يقول كارلوس: 

الوحدة والصمت المخيم وغياب العلاقات الإنسانية كلها عوامل قد تؤدي إلى الهذيان، وهذا مستحب لحماية النفس من الواقع، ثم يسهل على المرء أن يتخيل نفسه قديسًا أو نبيًّا.

إن حالة الهذيان التي نعيشها اليوم هي حالة من حالات الرغبة في التعامل مع وضعنا المقيت، لكي نستطيع الاستمرار في حياتنا المشظظة، التي تشوهت ففقدنا قدرتنا على رؤية الصالح من الطالح، ومعرفة التقي من الفاسد، غشيت أبصارنا عن عمد منا لمواصلة أيامنا التي نعيشها، لذلك لم يعد يعجب أحدنا لكثير من المجريات الحالية، التي كنا نجدها من الكبائر في أيام بسيطة ماضية! الهذيان يحمينا من الجنون، بل نرمي بأنفسنا في الأحداث الجديدة التي تطل علينا كل يوم لتغذينا بمداد جديد نستطيع التكلم عنه لأيام أُخَر، وننسى معها كل ما قد سبق. لذلك تجد البعض متوائمًا مع نسيان ما مضى، والعيش في الإنكار أو الهذيان مع الحاضر الثقيل، أو الغوص في «تريندات» تافهة جديدة كل يوم ننسى بها ما مضى من أحداث قد تكون البارحة!

القلة تتخذ من الوحدة خلاصًا أمثل للهرب من بعضنا البعض، ومن شعورنا بالغفلة، لكن الوحدة تصرفنا بعيدًا عما خُلقنا عليه، لا يستطيع المعظم العيش في صندوقها المرعب، لقد وُضعت فينا الرغبة في التعامل والانخراط والتفاعل. لذلك أجد أن أكثر الناس قوة هم من يستطيعون تذكر الماضي بتفاصيله المزعجة دون نسيان أو تزييف أو تغيير، والقدرة على معرفة الواقع كما هو دون إلباسه طبقات مختلفة مزيفة. إنها قوة لا يستهان بها، أن تدرك الماضي وتتعامل مع الحاضر كما هو. أن ترى السواد وتميزه وتكمل حياتك بقوة ووعي، ليس علينا نسيان الماضي بل علينا معرفته، وليس علينا تجميل الحاضر بل التعامل معه، إنه الوعي والإدراك الذي يتميز بهما الإنسان دون سواه من المخلوقات الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, حر, رأي, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد