لطالما كنت من المدافعات عن حقوق الرجل وما زلت، غير أني كلما وجدت ثغرة انتقدتها ولو على حساب الرجل، خصوصًا تلك التي لها ارتباط صريح بعادات المجتمع وتقاليده البالية.

جلست أمامي كوردة ذابلة عصفت بوريقاتها الرياح، مبللة بدموعها، وآثار الصدمة بادية على وجهها الطفولي الجذاب، سألتها عما بها، لترد أن الأمر كله قد انتهى قبل أن يبدأ، لأن أمه رفضتها، فهي ليست من النوع المفضل لديها، فلا هي ممتلئة الجسم ولا هي تملك غمازات، الشيء الذي جعلها تحسم في أمر زواج ابنها منها، قد تبدو تلك التبريرات تافهة واهية، ولكن الأمر أعمق مما نتصور.

سألت صديقتي، وهو ألم يعارضها؟ هل استسلم بكل سهولة؟ فكانت إجابتها كما توقعت، خضع لرأي أمه وانصاع. توقعت هذا الجواب لأني اعتدت على سماع مثل هاته القصص من صديقاتي وصديقات صديقاتي، وفي كل مرة تكون النهاية واحدة بسبب شخص واحد.

في مجتمعاتنا العربية، عندما يصل الشاب سن الزواج ترى فيه أمه الرجل الذي يستحق أن يؤسس أسرة، والرجل الذي تتباهى به أمام صديقاتها، كيف لا وهي التي ربته وأطعمته وجعلت منه «رجلًا». هذا الشاب بدوره ما إن يستقر في عمل معين، ويصبح لديه دخل قد يكفيه ليفتح بيتًا ويتحمل مسؤولية شابة تكون له النصف الثاني، ومسؤولية أبناء المستقبل، حتى يبدأ في رسم صورة في مخيلته عن فتاة الأحلام، ثم بعد ذلك يبدأ في البحث عنها، في العمل يبحث، في تجمع عائلي يبحث، في ندوة علمية يبحث، هو يبحث في كل مكان حتى يشاء القدر ويجد ضالته، إنها هي كما رسمها، إنها هي يا لروعة القدر. فيبدأ بالتخطيط والتفكير والترتيب من أجل الوصول إليها ونيل ودها وقربها، هو ليس بنيته الدخول معها في علاقة غرامية، هو يريد الزواج، وهذا ما حاول إيصاله لها.

التقى بها وأخذ يتحدث بلهفة عن رحلة البحث عنها وعن حظه الجميل لأنه وجدها، هي كذلك تفرح بكل ما قاله لها، وتبدي سعادة بالأمر فلقد استجاب الله لدعواتها وأتى الرجل الذي كانت تحلم به.

حدث أمه بالأمر، حدثها كطفل صغير وجد من يونسه في طريق الحياة الطويل، تبدي أمه اعتراضًا طفيفًا، فهي كانت تخطط لزواجه من ابنة صديقتها، تلك التي تعجن فطيرًا شهيًّا وتغسل الأواني بإتقان جداتنا النشيطات، بالإضافة إلى أنها ممتلئة الجسم، يبدي هو رفضه للأمر، وتظهر هي استسلامها له، فتخبره أنها ستوافق مبدئيًّا على الفتاة التي يريد، شريطة أن تراها وتجالسها؛ كي تستشف منها مدى إتقانها لأعمال البيت ومدى شطارتها في الطهي، بالإضافة إلى تلك اللائحة الطويلة من المواصفات الجسمية، فابنها لا يستحق أي فتاة باعتقادها، يفرح المسكين لموافقة أمه المبدئية وتفرح المسكينة لقدوم حماتها المستقبلية، يحين موعد اللقاء، فترى السعادة تتطاير من عيونهما، والقلب ينبض مبتهجًا بمن يحب. تحاول أمه الابتسام لكن تشكل شفتاها ابتسامة صفراء باهتة، فهي في قرارة نفسها لا تريد فتاة غير ابنة صديقتها، فكيف لها أن تتقبل هاته التي لم ترها من قبل، تمر تلك الجلسة، وينتظر الابن قرار أمه، فتواجهه بكل بساطة بالرفض، رفض زعزع كيانه، جادلها قليلًا، حاول إقناعها، لكن ككل الأمهات أو فلنقل أغلبهن، بدأت في التظاهر بالمرض والإغماء وأزمة في القلب، وكل تلك الحيل النسائية التافهة لجلب تعاطف أبنائهن، أو فلنقل خوف أبنائهن، فيختار اختيارها، وينصاع لقرارها، وتصدم الفتاة المسكينة صدمة العمر، ويتزوج هو ابنة صديقة أمه ليعيش معها حياة روتينية، ويكتشف أنها لا تجيد لا الطبخ ولا أي شيء، فقد كانت أمها تحاول تلميع صورة ابنتها أمام أمه، وقد خدعتها بإتقان.

أحترم الرجل الذي يحتار في اختيار شريكة العمر ويذهب ليترك لأمه الاختيار؛ لأنها امرأة وهو لا يفهم في النساء. لكن ذاك الذي تسير له أمه حياة بأكملها عليه أن يعيد النظر في نفسه. وفي كثير من الأحيان عندما تختار الأم زوجة ابنها، تجدها أول عدواتها. فتحية لكل أم تركت حرية الاختيار لابنها، تحية لكل أم عاملت زوجة ابنها كابنتها وليست كسارقة أخذت ابنها من يدها.

فالحياة الزوجية طويلة، تحتاج منا أن نختار بعناية من تتناسب شخصيته مع شخصيتنا، وطباعه مع طباعنا، الرجل يحتاج امرأة تحترمه، تقدره، تحبه، وليس إلى طباخة ماهرة وحسب، لا تعرف ما لها وما عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد