مثلما ورث العالم الجديد عن آبائه أفكاره ومعتقداته عن المسلمين، فما زال يعلق في أذهان الغرب حتى الآن عن المسلمين ذكرايات حروب استرداد الأندلس والحروب الصليبية والصراع مع الخلافة العثمانية في شرق أوروبا وحوض البحر المتوسط.

فكتابات شخصيات مثل (برنارد لويس) المستشرق اليهودي الأمريكي عن عدم قدرة الإسلام والمسلمين على التعايش مع الحداثة مسيطرة على أفكار العالم الجديد.

كما كان الحال في حقبة التنوير في أوروبا ففي الوقت الذي كان ينادي فيه (فولتير) صاحب المقوله المشهورة “إنني أختلف معاك لكني على استعداد للموت من أجل أن تقول رأيك”، لكن صوته الصاخب المنادي بالتسامح قد توقف إزاء الإسلام، فبدأ تشويه الإسلام ورسول الله في مسرحيته عام 1732 باسم “التعصب، أو محمد النبي” أو بالفرنسية “Le fanatisme, ou Mahomet le Prophète”, وبالتاكيد نشأ الإنسان الغربي الحديث على عداء الإسلام والمسلمين أو التعمل معهم على حذر، هذا ما أوضحه المؤرخ الأمريكي (مايكل بي أوري) الأستاذ في جامعة هارفارد وسفير إسرائيل الأسبق في أمريكا.

“كان الأمريكيون ينظرون إلى اتباع هذه العقيدة (الإسلام) باعتبارهم الآخر، وكانوا من وجة نظرهم كتلة غريبة غير متناسقة، وينحدرون من حضارة عظيمة انهارت منذ زمن طويل، إلى جانب أنهم بدائيون، ويتميزون بالعنف والقسوة”. فمن الواضح إذن أن المجتمع الغربي لا يعلم شيئًا عن الإسلام أو المسلمين سوى تلك الأكاذيب.

بالطبع هذا ليس خطأ الإنسان الغربي، بشكل عام فالمسلمون يتحملون أيضا جزءًا كبيرًا لعدم وجود قنوات مباشرة لنشر الإسلام في الغرب والاكتفاء بالنظرة العدائية لهم، نحن (المسلمين والعرب) لم تنفصل عنا صورة الغربي الكافر صاحب الغزوات الصليبية على بلادنا. شرح الأستاذ عباس العقاد في كتابه “الإسلام في القرن العشرين” يقول: “نحن نعني الأثر الذي عاد بالضرر الوخيم بعد عصر الحروب الصليبية بقرنين أو ثلاثة قرون، وهذا الأثر الوخيم هو إفراط المسلمين في سوء الظن في الأمم الأوروبية وكل ما يأتي من نحوها، حتى أوشكوا أن يوقنوا أنها لا تأتيهم بشيء يحتاجون إليه”.

في إبان النمو والصعود (يقصد بها الأمم) كانت الظروف التي تطورت إليها الحروب الصليبية لم تكن من هذه الأوقات (أي فترة صعود بين الأمم) لكنها صادفت على النقيض فترة ذات وجهين من قبل الشرق ومن قبل الغرب، فكانت في الشرق فترة هبوط، وكانت في الغرب فترة صعود في النهضة، وتخلف الشرق زمنًا عن اللحاق بها، فليس أخطر على الأمم من الاكتفاء بالذات، والاعتزاز بالرجحان في مثل هذه الظروف”.
صحيح أنه حدث تقابل بين الغرب والشرق في العصر الحديث، أوقاتًا عدة متفرقة على سبيل المصالح الإستراتيجة والاقتصادية والعسكرية، ولكن لمصلحة من وضد من؟

لا أريد أن أسترسل في أمور تحدث فيها كثر وقتلوها بحثا وتفنيدا، الأمر يبدو أكبر من تلك الصورة التي تراها من خرم إبرة للغربي الكافر القاتل الطامع في ثرواتنا، فقديما كان المسلمون في الأندلس ضحية لمحاكم التفتيش التي أنكر أسلوبها الهمجي غير الإنساني الغربيُّ قبل المسلم، وأقام لها متحفًا يوضح مدى همجية تلك الأفعال، أما المسلمون بعد أن كان تاريخهم ناصع البياض من تلك الأفعال الهمجية صرنا الآن بفعل بعض الأشخاص من ضمن تلك الأمم.
قصتان

الأولى:

لورين بوث

صحفية بريطانية وناشطة في حقوق الإنسان مهتمة بقضايا الشرق الأوسط، قادها فضولها وشغفها المهني إلى الذهاب إلى فلسطين من أجل رصد الحياة هناك، والتطورات السياسية والاجتماعية، اختلطت بالناس، بادلتهم المشاعر مثل ما عاملوها أو كما تحكي هي أنها ذهبت إلى معبر رفح من أجل إجراء مقابلة صحفية مع أسرة هناك مكونة من عشرة أفراد تعيش في غرفة واحدة، وجدت من الفقر عند تلك الأسرة ما لم تجده في مكان آخر، ولكن فرحة المرأة التي تضيفها لم تجد لها إجابة، وتصادف اليوم بأنه من أيام شهر رمضان، فتقول لورين:

سألت المرأة هل تصومين؟
فقالت: نعم.

فسألتها: لماذا؟

فقالت: من أجل أن أشعر بالفقراء!

وهنا على حد تعبير لورين أطبق السكوت في محيط الغرفة ونظرت حولي فلم أجد بدًا من أن أبتسم. اعتنقت لورين الإسلام وأصبحت من المدافعين عن الإسلام والمسلمين، فتحدَّثت “لورين بوث” في لقاء تلفزيوني لبرنامج “حوار خاص” على قناة الحوار، التي تبث من لندن بالمملكة المتحدة، وقالت: “الصورة التي تُرسم للإسلام في الغرب مشوهة.

بينما نرسم لأنفسنا في الغرب من خلال الإعلام والسياسيين صورة الصالحين؛ فنبدو هنا كما لو كنَّا في مواجهة شيء عنيف ومعتدٍ، ويضطر سياسيونا إلى توضيح لماذا نغزو هذه الشعوب، ونستولي على تلك الأراضي؛ أي أن غير المسلمين في الغرب يُصَوِّرون أنفسهم كما لو كانوا قاهرين للشرِّ”.

القصة الثانية

كينجي غوتو

صحفي ياباني، تبدو قصته مشابهة لقصة لورين بوث، فجمعهم شغف المهنة وأخطارها، فكينجي اختار أن يذهب إلى سوريا من أجل نقل الأحداث ومعرفة الحقيقة، ومثل لورين اختلط بالناس فأحبهم وأحبوه وتظهر صوره بجانب الأطفال السوريين وهم يلهون بكاميرا كينجي وتظهرعليه سعادته.

قرر كينجي الذهاب إلى مدينة الرقة معقل تجمع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من أجل استكمال عمله الصحفي وعمل تقرير عن تواجد التنظيم على الأراضي السورية، لكن لم يحالفه الحظ ولم يحالف حظ المسلمين بأن يكون كينجي سفيرًا ومدافعًا عن الإسلام مثل غيره، لكن قاده مصيره إلى الذبح ثم يظهر تسجيل له بعد ذبحه وهو يخبر الجميع بأن الشعب السوري يعاني منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وهذا يكفي فلا يحملونه المسؤولية إذا حدث له شيء، أما هو فذاهب إلى معقل تنظيم داعش بكل إرادته وبدون دفع من أحد.

وفي نهاية القصتين لك أن تختار لورين بوث وهي تعقد مؤتمراتها وتكتب في جرائدها عن الإسلام مدافعة وداعية، أو كينجي غوتو وهو جاث على ركبتيه في مكان ما وشخص يدعو إلى الإسلام والسكين على رقبته. ولكن قبل أن تختار حاول ألا تنظر للأمر من خرم إبرة حتى لا ينظروا إلينا من نفس الخرم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد