ترى ما الذي يدفع أحدهم ليبيت ليلة تحت الأرض؟! ما الذي يجعله ينسحب من سريره الدافئ كي ينضم إلى كتيبة من الرجال يحفرون في عمق الأرض؟! ترى ما الذي يدور في خلده؟! وما الذي يأخذه كل ليلة لذلك الجانب المظلم من العالم؟!

يستحضر الكثير منا إجابات متعددة، ومشاهد متنوعة وقد يستنكر البعض عليه هذا الفعل، فلا شيء يستحق! ولكن، من سلب وطنه، وقيد ولده أو أخاه أو والده، من سرق بيته وحوصرت مدينته، ومنع عنه الهواء والماء والسفر والتنقل، من صودرت حريته، من صار رهين عدوه، كيف له ألا يفعل هذا وأكثر؟! كيف له ألا يحافظ على كرامته؟! كيف لا يقضي ليله ونهاره باحثًا عن وسيلته ينال فيه حريته؟! كيف لا يجد دربًا يقوده لقدسه ومسراه؟! كيف لا يبحث عن ثمن يقدمه لأسراه؟!

ربما من الصعب أن يدرك من لا يعيش هذا الظرف، لكنه أبدًا لن يتوانى عن إظهار الإعجاب لشجاعة هؤلاء البواسل، فمهما كان اختلافنا واتفاقنا حول ما يحدث، سيبقى مشهدًا خالدًا في ذاكرتنا على الأقل، أنك لن تأخذ حقك في هذا العالم بلا قوة، وأن عدوك لن يحترمك إلا إذا كنت قويًا، فمشهد الضابط الذي رفع التحية لعمر المختار ما يزال ماثلًا في عقول كل من رآه.

إذن رجال الأنفاق، الذين يصنعون مجد أمة وعزها، هم أيضًا غدوا محط إعجاب الكبير والصغير، بل صاروا نافذة الأمل لكل من أراد التحرر والخلاص. ولكن نحن لا نرى إلا وجهًا مشرقًا من قصصهم وحياتهم، وجه العزة والانتصار ولا ندري أن لهؤلاء الرجال عوائل يفتقدونهم – خاصة في الحروب- حين يدب ضجيج الخوف في صدورهم، خوفًا على حياتهم خوفًا من فقدهم بعيدين عنهم.

نحن ربما لا نرى الدموع في أعين أمهاتهم وزوجاتهم وقريباتهم، وهن يودعنهم أو حين يتذكرنهم.

رجال الأنفاق، ربما يعيشون مثلنا يومًا عاديًا جدًا، طالب في جامعته، مهندس في مهنته معلم في مدرسته، طبيب بين مرضاه، إلخ ولكنهم لا يشبهوننا حين ينامون في الأنفاق، يبحثون عن وسيلة جديدة، يشيدون أنفاقًا تحت الأرض، ليوصلهم لمستوطنة ما، أو ليخرجهم من مدينتهم أحيانًا، هم يقضون ليلهم بعيدين عن ذويهم؛ ليبنوا لنا مجدًا، لينسجوا لنا قصص العزة والكرامة، بينما نحن في الطرف الآخر من هذا العالم نشاهد ونحلل ونلقي التهم جزافـًا، وكأن الأمر لدى البعض منا، أشبه بفيلم سينمائي أعده أحدهم لنشاهده بينما نحن نجلس على فراشنا الوفير، نأكل الفشار ونتسامر مع صديق أو قريب.

الأمر ربما يشابه أفلام «الأكشن الأمريكي»، حين نراه يعرض على شاشات التلفزة، لكنه أبدًا ليس قابلًا للإعادة فالرصاص فيه حي، الموت فيه حقيقي، الدموع صادقة، والبعد عن الأهل مؤلم، فإذا انهار نفق على رؤوس من فيه، قد لا يستطيعون الخروج، وقد يقضي البعض منهم شهداء، إن لم يقضوا جميعهم نحبهم، إذن هنا اللقطة لا تعاد، لا تعدل، هنا الحقيقة جاثمة على ركبتيها، تنتظر نهاية النفق، وتحقيق الهدف لتعود أدراجها، وتستنشق نسيم يوم جديد، إذا قدر لها أن تبقى على قيد الحياة.

وما أكثر القصص التي وردت على لسان من نجا منهم في الحرب الأخيرة على غزة، قصص الثبات والصمود التي رافقتهم بين جنبات هذه الأنفاق، وعلى الجانب الآخر قصص الحزن والألم لذوي المفقودين والشهداء منهم.

الأمر لا يخلو من التناقضات، فالحياة التي تريدها كريمة لا بد أحيانًا أن تخسر روحك مقابلها وكما قال الشاعر عبد الرحيم محمود:

فإما حياةٌ تسر الصديق ** وإما مماتٌ يغيظ العدا

ونفس الشريف لها غايتان ** ورود المنايا ونيل المنى

وما العيش؟ لا عشت إن لم أكن ** مخوف الجناب حرام الحمى

فالحر لا يرضى الذل، ولا يرضى أن يهادن مفسدًا ولا يلين لظالم ولا يرضى أن يقدم التنازلات، وإنما قد يقدم روحه قربانًا في سبيل ما يؤمن به، في سبيل حريته وخلاصه!

ولذا لا شيء يوقع في النفس الألم، أكثر من أن نرى دولة شقيقة تحاصرهم، وتفلت عليهم مياه المستنقعات كي تغرق بهم أنفاقهم التي ما حفرت إلا لبوصلة واحد وهي العدو، التي ما توجهت يومًا إلا أن ترعب المحتل، التي ما حادت عن الطريق وما بدلت، غير أن بني جلدتنا اختاروا العدو صديقًا وهاجموا هذه الأنفاق لتقع على رؤوس هذه الثلة المجاهدة.

وما أكثر أحرار العالم الذين رفضوا الخضوع والاستسلام، وتركوا كلماتهم عن الحرية خالدة، ليتخذها الأحرار في كل مكان شعارًا لهم، فمثلًا يقول فكتور هوجو: «تبدأ الحرية حين ينتهي الجهل»، أما نلسون مانديلا فيقول: «ليس حرًّا من يهان أمامه إنسان ولا يشعر بالإهانة».

فيما قال تشي جيفارا: «أؤمن بأن النضال هو الحل الوحيد لأولئك الناس الذي يقاتلون لتحرير أنفسهم».

أما نحن كمسلمين لا نستمد سبل حياتنا إلا من قرآن يتلى وسنة نبيه، فها هو رسولنا الكريم يقول: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» رواه الإمام مسلم في صحيحه.

ويقول ربنا جل في علاه في سورة الأنفال: «يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين».

ولا أشرف لرجال الأنفاق إلا أن يمتثلوا لهذين القولين وغيرهما من الآيات والأحاديث التي وردت في الحث على الدفاع عن الوطن، ومنازلة العدو. ولا أسلم لنا إلا أن نرفع القبعة، احترامًا واعتزازًا وافتخارًا برجال الأنفاق، دون الخوض بصغار الأمور فإذا استشهد أحدهم داخل نفقه، ننبري لإطلاق التهم عليه وعلى حركته جزافـًا، وكأننا نخوض معهم معركتهم.

يكفي إذا قضى أحدهم نحبه، أن نترحم عليهم وندعو لأهله بالصبر والسلوان، ونرفع له القبعة احترامًا لما قدم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد