أن تكون معارضًا في ظل حكم عسكري، فهذا نوع من الجحيم، بينما أن تكون معارضًا للحكم العسكرى وذي جذور من محافظة المنوفية فذلك الجحيم ذاته، انضممت لحزب الوفد في الفترة من عام 2002 حتى 2012، ولدى الحزب رؤية مختلفة للحياة السياسية في مصر. أبرز نقاط هذه الرؤية أنه يعتبر حكم الرئيس مبارك جزءًا من امتداد الحكم العسكري الذي تم تأسيسيه على يد الرئيس عبد الناصر، هو أيضًا جزء من الحكم الشمولي بشكل عام، وبعيدًا عن هذا التقييم الذى يراه الوفديون فقط، وخاصة القدماء، فإن الحكم العسكري لديهم هو العامل الرئيس لكل النتائج التي نعيشها الآن.

محافظة المنوفية

تقع محافظة المنوفية في الوجه البحري لمصر جنوب الدلتا، فشمالها محافظة الغربية، وجنوبها محافظة القاهرة العاصمة، تعد واحدة من أعلى المحافظات في نسبة المتعلمين، إن لم تكن هي الأعلى على مستوى الجمهورية، أيضًا هي المحافظة الأكبر في عدد المهاجرين من الريف إلى المدن، وخاصة القاهرة، بالرغم من عدم وجود نسب واضحة للمشاركين في قوام القوات المسلحة المصرية، إلا أن الشائع عن المحافظة أنها الأعلى والأكثر عددًا لكوادر الجيش المصري، تشتهر المحافظة بحبها المبالغ فيها للقوات المسلحة، واحترام جميع رؤساء مصر طوال عمر الجمهورية منذ تأسيسها بسبب انتمائهم للقوات المسلحة، هنا لا أخفى سرًا حينما أتحدث عن حجم الاحتقار والاستهانة للرئيس مرسي حينما تم انتخابه في 2012، وحالة الغضب العارمة تجاه جماعة الإخوان المسلمين طوال فترة حكم د. مرسي.

يمكننا تبسيط الصورة لهذا الحد بحيث نذهب للأحكام المعلبة والمريحة لدى البعض، وخاصة المحسوبين على الثورة المصرية حتى ننفى المسئولية عن أنفسنا، وحجم التقصير الذي مارسناه لنريح ضمائرنا بأن كل الخطأ على الأطراف الأخرى، وليس هناك في الإمكان أبدع مما كان، لذا فإن استكمال الصورة سيرجع بنا للتاريخ إلى برلمان 2005، ذلك الوقت كانت تدار الانتخابات بالنظام الفردي، لكل دائرة نائبان، أحدهما عمال، والآخر فئات، كان نصيب محافظة المنوفية 11 دائرة، بمقدار 22 نائب (1) ممثلًا عنها.

صعد نجم جماعة الإخوان المسلمين، وفاز وقتها عدد كبير من مرشحيها؛ حيث وصل عدد المقاعد إلى (88) مقعدًا، عرفت إعلاميًا وقتها بهذا الاسم، ولأن الجماعة وقتها كانت محظورة، فكانوا يعتبرون طبقًا للقانون نوابًا مستقلين، كان نصيب محافظة المنوفية من هذه الكتلة 9 نواب، وهم النائب سعد حسين، دائرة البتانون – عمال، النائب عبد الفتاح عيد، دائرة منوف والسادات – فئات، النائب رجب أبو زيد، دائرة بندر شبين الكوم – فئات، النائب أشرف بدر الدين، دائرة أشمون – فئات، النائب ياسر حمود، دائرة إسطنها – فئات، النائب عيسى عبد الغفار، دائرة قويسنا – عمال، النائب يسري تعيلب، دائرة الشهداء – عمال، النائب علي إسماعيل، دائرة الشهداء – فئات، النائب صبري عامر، دائرة بركة السبع – فئات (2) بالإضافة لعدد من نواب المعارضة الذين لا أتذكرهم.

يكتمل المشهد حينما تعرف أن الوزير للشئون البرلمانية النائب كمال الشاذلى (متوفى) وكان زعيمًا للأغلبية البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي (الحزب الحاكم وقتها) قد خسر الانتخابات في دائرته بالمنوفية، ولولا تدخل الدولة العنيف بالتزوير لما نجح وأصبح برلمانيًا للدورة (2005-2010)، الذين عاصروا هذا المشهد يعلمون تلك القصة الشعبية التي تداولها أبناء المنوفية حول الوزير كمال الشاذلي، حيث جمع كل عمد القرى التي تشملها دائرته، وقد حصل على النتائج الحقيقة من ضباط جهاز أمن الدولة سابقًا (الأمن الوطني حاليًا)، وقام بتوبيخهم واحدًا تلو الآخر بالألفاظ النابية، وبعضهم تم عزله من منصبه، للعلم فمنصب العمدة يتولاه الشخص بناء على قرار من وزير الداخلية بعد انقلاب 1952، بعدما كان بالانتخاب في العهد الملكي.

ثورة يناير 2011

كانت الشرارة الأساسية في الداخل المصري للثورة تزوير انتخابات 2010، والتي تم فيها إقصاء جميع التيارات السياسية المعارضة على يد أمين التنظيم المهندس أحمد عز للحزب الوطني، ثم جاءت المباركة من الرئيس مبارك على ذلك، فيما عرف بتصريحه الشهير (خليهم يتسلوا)؛ لينتهى بهم الحال بالخروج من المشهد السياسي المصري.

الجدير بالذكر هنا أن الفترة التي كانت أغلبية نواب محافظة المنوفية من جماعة الإخوان والمعارضة قد شهدت تدهورًا ملحوظًا في جميع الخدمات، وبدلًا عن أن يواجه النواب أبناء دوائرهم الانتخابية بالحقائق، بدأ النواب في البحث عن مبررات الفشل من وجهة نظر ناخبيهم بإلقاء الاتهامات على النظام الحاكم والدولة بالمسئولية عن تدهور أحوال المحافظة؛ مما تسبب فى حالة تحفز عام ضد كل نواب المعارضة، لا ننكر هنا أن النظام بالفعل ساهم في ترسيخ هذه الصورة، بل زادها تعقيدًا باعتقال عدد من نواب الإخوان في تلك الفترة، وأصبح من المسلم به أن هناك حالة من الترصد ضد كل ما هو معارض لوقف تدهور الخدمات بالمحافظة، لذا كان السائد شعبيًا في ذلك الوقت العودة لمرشحي الحزب الوطني للنهوض بالخدمات وإصلاح ما تم إفساده طوال فترة الخمس سنوات لتمثيل المعارضة عن المحافظة.

الأزمة لم تنته عند هذا الحد؛ فبعد وصول د. مرسي لرئاسة الجمهورية، زاد الإعلام المحسوب على جماعة الإخوان الأمر سوءًا باتهام أبناء المحافظة بمساندة النظام السابق: (بلد المليون شفيق)، متناسين أن د. مرسي حصل على أكثر 300 ألف صوت بالمحافظة(3)، بل ذهبت الجماعة والرئيس مرسي للأسوأ باختيار محافظ المنوفية د. محمد علي بشر(4) (عضو مكتب إرشاد الإخوان) وزيرًا في أول 2013 في التعديل الوزاري الثاني لحكومة د. هشام قنديل، وظلت المحافظة بدون محافظ طوال البقية الباقية من حكم د. مرسى منتصف 2013، أمر اعتبره أبناء المحافظة تنكيلًا بهم لعدم انتخابهم مرشح جماعة الإخوان للرئاسة 2012 في ذلك الوقت، لتنتشر شائعة تصل إلى حد الحقيقة بأن جماعة الإخوان المسلمين شكلت مكتبًا متخصصًا لبحث سبل تراجع شعبيتها في عدد من محافظات الوجه البحري، وعلى رأسها محافظة المنوفية، لم تنتبه الجماعة أنها تفقد العديد من مراكز ثقلها الانتخابي في مصر، كما وصفت دراسة لمعهد كارينجي للسلام الدولي(5)، إن المنوفية واحدة من معاقل جماعة الإخوان في مصر، ينتهي أمر الجماعة بمشهد درامي بحدوث إحدى العمليات الإرهابية لعدد من المجندين في سيناء يكون معظم ضحاياها من أبناء محافظة المنوفية، لتخرج المسيرات والجنائز تحرق ممتلكات الإخوان بالمحافظة.

خلاصة القول

إن التحول الديمقراطي الذي كانت تمر به البلاد فيما بعد ثورة يناير 2011 كان يمكن البناء عليه، ومن الممكن، بل المؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين كانت تنحصر شعبيتها، فالمتابع المنصف للتاريخ والوقائع يجد أن الجماعة سقطت في الانتخابات النقابية والاتحادات الطلابية فيما بعد وصول د. مرسى للحكم، بالإضافة لسقوطهم انتخابيًا في تونس وليبيا؛ مما يعنى أن التيار الديني كان ينحصر، ويعود لحجمه الطبيعي لدى الجماهير، بل كانت نتيجة المناخ المنفتح والمناقشات الفكرية والتحديات التي واجهتها جميع التيارات الدينية في الوطن العربي، أدت لانقسام بعضها، وانشقاقها لدرجة التفتت، بعضها تقارب كثيرًا لتيارات السياسية والفكرية الأخرى بشكل أو بآخر.

يعانى أبناء الوطن العربى المحسوبين على التيارات المدنية من الثنائية البغيضة العسكر – الإخوان، والتي بسببها تنتكس كل مرة محاولات التحول الديمقراطي، لكن هذا لا ينفي مسئوليتنا، فبالرغم من مسئولية الطرفين التقليدين العسكر – الإخوان لهذا التأخر أو الانتكاسات المتتالية، إلا أن ابناء التيارات المدنية لا زالوا مشغولين بأهمية إثبات التهم على الأطراف الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد