الأفكار تبحث دائمًا عن الانطلاق، والقلم يريد ترجمتها إلى حروف وكلمات بها حياة، قابلة للتطبيق، وجاهزة للمساعدة، مع العِلم أن هذا الأخير يُحمل بالقلب، لا بالأصابع، كما الكلمات التي تُرَوَّض بالعواطف، لا بالمِداد. الوحدة أهم صديق، وأجمل رفيق فقط عندما يحين وقت الكتابة، وتصل ساعة البَوْح. لا سِيَّما؛ إن كان الهدف نبيلًا، الخطوط مختلفة، المِشوار صعبًا، العقول مُخَدَّرة ومُغيَّبة، المجتمع مليئًا بالتفاهة. الحوار رديئًًا، المستوى ضعيفًا، والروح فارغة. لكن مع كل هذا نُصِر على المُضيِّ قُدمًا إلى الأمام، حتى وإن كُسر الطموح، وجفت الرغبة، واحترق الجموح، وتبللت الأوراق.
الإيمان الراسخ هو وحده مَن سيسمح لعقولنا بالنَّبش مِن جديد في قبور الأفكار، والتغلغل في ذاكرة المعاني العالقة فيه إلى الأبد، حتى نتمكن مِن معرفة البرامج الوصفية التي سنعالج بها المعلومات، وسنصل بواسطتها إلى إمكانية إجراء تغييرات جذريَّة فيها وفينا، وبالتالي القدرة على تقيِيم وتقديم إدراك عِلمي، عَلني وعَملي دقيق للخيَّارات المحتملة الأخرى، والقضاء على المعتقدات الراهنة المُقيَّدة.

إذًا منظومة الأهداف الذكيَّة هي البرامج العقلية الداخلية التي تستخدمها العقول البشرية لاختيار ما يجب الانتباه إليه، انطلاقًا من جَمْع جميع المعلومات التي نتلقاها بحواسنا فقط. إنها المفاتيح الدَّقيقة التي تخبرنا عن الكيفيَّة المُمكنة في معالجة المعلومات الوافدة، وطريقة تشكيل التمثيليات الداخلية، مع الحث على توجيه السلوك.

كما أنها تعد مِن أكثر المرشحات اللاواعية التي نمتلكها، وبالتالي فهي التي تحدد الجزء الذي يتعيَّن علينا تعميمه، أو حذفه، أو تشويهه. بمعنى أدق؛ العمل على تشويه كل هذه الكمية الكبيرة من المعلومات، التي نتلقاها يوميًّا من الخارج، لأننا بالفعل غير قادرين على التقاطها بالكامل. فَبِالطريقة نفسها التي يجري بها تبسيط هذه القيود وتسهيلها، يجب علينا معالجة جميع أنواع هذه المعلومات المختارة، لأنها تَحد أيضًا من إدراك المعلومات التي تم تركها، لاَ سِيَّما وأن مخططاتنا الوصفية لا تسمح لنا بالاهتمام بها.
ليس هذا فقط، بل الغريب في الأمر أنَّها تجعلنا أيضًا نفسر بطريقة أو بأخرى التجارب التي نمر بها، وبالتالي نقوم بتكييف سَلِس للقرارات التي نتخذها بناءً على ما سبق. أي إن أهداف البرمجة، تختار بِحِنْكَة ما نرشحه من المعلومات والبيانات، وإضفاء معنى عليها. وتكييف استجابتنا لها، اعتمادًا على المخططات الوصفية الموجودة في حَوْزتنا؛ إذ يمكننا تفسير موقف معين على أنه ضياع للوقت والجهد، أو لحظة كَسَل أو بداية فَشَل، أو عبارة عن فرصة ذهبية للتغيير، أو على أنه شيء مُمل أو جذاب، وبناءً على ذلك ستكون رَدَّة فعلنا. هذا يعني أنه بالطريقة نفسها التي نعرف بها كيفية عمل الكمبيوتر، يجب أن نفهم برامجه، ولهذا فللتواصل مع شخص ما أو جهة معينة بشكل مضمون وفعال، يجب أن نفهم أولًا مخططاتهم الوصفية.

تعطينا المعرفة الرَّصينة والحكيمة لمنظومة الأهداف، أدوات قوية جدًّا ثابتة في مُعايرة وتوجيه التواصل مع الآخرين، كما تساعدنا على فهم القيم، المعتقدات والسلوكيات، لكل من الذات والآخرين، بالإضافة إلى السماح بمعرفة أسباب إنبثاق وظهور سلوك معين، بالإضافة إلى البراعة في التنبؤ بالسلوكيات.

تخول لنا المعرفة الدقيقة، الاطلاع على تفاصيل، خبايا، أسرار وأشكال الرسوم الوصفية التي يعالج بها الشخص المعلومات، والوصول إلى إمكانية إجراء التغييرات والتعديلات اللازمة فيها، وبالتالي تقديم القدرة على إدراك الخيارات الأخرى، والقضاء على المعتقدات المحدودة، مما يزيد من فرص النجاح عند مواجهة المشكلات.
خصوصًا وأنه جرى تسجيل حالات معينة لا تعمل فيها هذه المنظومة بطريقة وحدوية، لذلك من الطبيعي أن نجد أنفسنا أحيانًا نعمل بأكثر من مخطط واحد، في آن واحد، وبأنظمة متعددة، لا سِيَّما وأننا عادة ما نعمل جميعًا بمزيج من عِدَّة.

ولهذا فإنه عندما تَكثر وتَكبر التحاليل وتتشعَّب، تُعرَف جيِّدًا أهمية البحوث والدراسات والتجارب التي كبرت أيضًا، وهي تراقب ما يوجد بين فتحات المعاني والأفكار، وما يدور حول جحور برامج العقول والعقليَّات وداخلها، ونحمد الله سبحانه وتعالى أننا كنا وما زلنا نراقب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد