يظن الكثيرون أن الاضطراب النفسي هو تحديدًا ذلك الاضطراب الذي يمس الجانب غير العضوي من الإنسان، وبناءً علی هذا المنظور يكون لدينا نوعان من الاضطرابات أو الأمراض: الأولی نفسية (غير عضوية)، والثانية عضوية.

يشيع هذا المنظور بين عامة الناس، كما يُلحظ بين كثير من طلبة التخصصات النفسية، إلا أن هذا المنظور مخالف لما استقرت عليه العلوم النفسية اليوم، كما سيتضح في هذا المقال.

المفهوم الصحيح للاضطراب النفسي

يشير مفهوم الاضطراب النفسي – بصورة عامة – إلی حالة من الإعتلال في الجانب المعرفي (cognitive) أو الجانب الانفعالي (emotional) أو الجانب السلوكي (abnormal behaviors). كما قد يكون الاضطراب مزيجًا من كل ذلك. سواءٌ كان منشأ هذا الاعتلال فسيولوجيًا أو اجتماعيًا أو غير ذلك.

هذا ما يشير له مفهوم «الاضطراب النفسي»، ويقابل هذه المفردة في الإنجليزية: mental disorder أو psychological disorder ؛ فيعبر بهتين المفردتين عن المعنی نفسه بالترادف، كما يشير إلی ذلك معجم الجمعية الأمريكية لعلم النفس.

ما الفرق بين المنظورين؟

يكمن الفرق الجوهري بين المنظور المذكور أنفًا والمنظور الخاطئ الذي أشرنا إليه مطلع المقال؛ أن المنظور الأول، وهو منظور عفا عليه الزمن، ينطلق من ثنائية (نفسي/ عضوي) فيجعل ما هو نفسي ليس عضويًا. أما المنظور الثاني فيخبرك أن الاضطراب النفسي هو ما يصيب الجانب المعرفي أو الانفعالي أو السلوكي، بقطع النظر عن منشأ هذا الاعتلال. فلو أن أحدهم أصيب بالتهاب عصبي تأثرت على إثره وظائف الذاكرة مثلًا؛ نقول حينئذ إن اضطرابًا نفسيًا قد حدث. ولو أن أحدهم تناول مادة (Substance) فتسببت له بحالة من الهياج (agitation) أو الاكتئاب؛ نقول حينئذ إن ثمة اضطرابًا نفسيًا قد رافق المادة.

إننا بهذا التعريف، كما ترون، نوسّع مفهوم الاضطراب النفسي، فنقوم بتحديد جملة من الوظائف على أنها «نفسية» ونعرّف الاضطراب النفسي – من ثمّ – علی أنه الاعتلال في أحد هذه الوظائف، سواءٌ كان منشأ الاعتلال عضويًا أو غير عضوي. خلافًا للمنظور الأول الذي ينطلق من ثنائية (عضوي/ غير عضوي).

وبهذا تعد اضطرابات كالاكتئاب أو القلق المرضي أو الفصام أو الوسواس القهري أو التوحد؛ جميعها اضطرابات نفسية، أيّا كان العامل الذي تسبب بها.

شواهد إضافية

وحتی نزيد هذا الإيضاح تأكيدًا ، نورد بعض الشواهد من الأدب النفسي (السايكولوجي والطب النفسي) الحديث:

أولًا: حين يتعرض الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية (المعروف اختصارًا DSM)، لذكر أعراض الاضطرابات، فإنه ينوّه في معظم أبوابه أن علی الأخصائي أن يحدد في تشخصيه ما إذا كانت أعراض الاضطراب النفسي قد حدثت نتيجة تناول الشخص لمادة (substance) معينة أو بسبب حالة طبية (medical condition). كمن يعاني أعراضًا اكتئابية نتيجة اضطراب في الغدة الدرقية مثلًا.

لاحظ أن خيار التشخيص بالاضطراب «بسب مادة» أو «بسب حالة طبية» يشير إلی عامل عضوي، بالرغم من أنه «اضطراب نفسي» بالتعبير العلمي.

ثانيًا: في تعريف مفهوم الأدوية ذات التأثير النفسي (psychoactive drug) أو (psychotropics) تذكر المصادر العلمية أن هذا المفهوم يشير إلی أي دواء له تأثير علی عمليات التفكير أو الإدراك أو الإنفعال أو المزاج أو السلوك.

لاحظ أننا نتحدث هنا عن مواد تتفاعل مع الجسم عضويًا، وهي مع ذلك توصف بــ«نفسية التأثير».

ثالثًا: ما معنى أن يوجد علاج طبي (Medication) للاضطرابات النفسية إذا قمنا بتعريف الاضطراب النفسي أنه «الاضطراب غير العضوي»؟ هل ستصبح تلك الاضطرابات وقتئذ ليست «نفسية»؟ وما معنى أن يتطور الفهم الطبي (العصبي والدوائي) للاضطرابات النفسية؟ هل ستصبح حينئذ اضطرابات عضوية، وبالتالي غير نفسية؟ بالتأكيد لا.

الخلاصة، إذًا إن الاضطراب النفسي هو اعتلال يصيب أحد الوظائف النفسية، كالتفكير والانفعال والمزاج والسلوك، سواءٌ كان منشأ هذا الاعتلال عضويًا خالصًا أو غير ذلك.

ما يترتب علی المفهوم الخاطئ للاضطراب النفسي

تكمن أهمية التأكيد علی المنظور الصحيح للاضطراب النفسي في أمرين:

الأول: أن النظر للاضطراب النفسي باعتباره «ما ليس عضويًا» لا يزال يلعب دورًا سلبيًا في الاهتمامات المعرفية لطلبة علم النفس اليوم، إذ يظن كثير منهم أن معرفته بعلم النفس الفسيولوجي وبيولوجيا الاضطرابات والإلمام بالحد الأدنی من الثقافة الدوائية؛ هو من قبيل الفضول المعرفي! إلا أننا في حقيقة الأمر لا يمكننا فهم الاضطراب النفسي بصورة تامة إلا بالإحاطة أيضًا ببعده العضوي (البيولوجي والدوائي).

الثاني: ويشبه أن يكون نقيض الأول، وهو أن علينا أن نعلم أن وجود خيار العلاج الطبي للاضطرابات النفسية لا يعني أن بيولوجيا هذه الاضطرابات باتت مفهومة تمامًا؛ هذا ظن خاطئ ذهب بالبعض نحو اتجاه اختزالي (reductionism) في النظر للاضطرابات، واعتبارها مسألة عضوية خالصة! لكن الحقيقة أن ما بلغه الفهم العلمي للاضطرابات لا يزال دون هذا الزعم بمراحل كبيرة! ويمكن النظر في مراجعات منشورة حديثًا بهذا الخصوص، ككتاب (Mind Fixers)، المنشور في أبريل (نيسان) 2019، والذي تعرض فيه آن هارينجتون مساعي الفهم البيولوجي للاضطرابات النفسية وما استطاع العلم تحقيقه حتی يومنا هذا.

بُعد سلوكي معرفي وبجداني وبُعد عضوي

بالتوضيح الذي قدمناه، يصبح واضحًا معنی القول إن للاضطراب النفسي بُعدًا سلوكيًا معرفيًا وجدانيًا، وبُعدًا عضويًا بحتًا. وعلی هذا المنظور التكاملي إنما تتأسس الخدمات النفسية الحديثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إضطراب, نفسي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد