لا شيء في هذا الكون الواسع جدًّا يعيش لنفسه، ولنا في الطبيعة التي تحيط بنا من كل حدب وصوب خير مثال، فالنهر لا يشرب ماءه، والأشجار لا تأكل ثمارها، والزهرة لا تعبق لنفسها، والشمس لا تُشرق لذاتها، وذات الضَّرع لا تشرب لبنها، والقمر لا يسبب المد والجزر مِن أجله، بل تجلَّت حكمة الخالق سبحانه في بعده عن الأرض، وإلاَّ لبلغ المد والجزر مبلغًا هائلاً يغمر اليابسة وما عليها بالماء، ولاستحالت الحياة على الأرض.
كما أن قلة كثافة الغلاف الغازي لهذا القمر الجميل لم تُخلق مَن أجله فقط، ولم  يُجعل سطحه عرضة للرجم المستمر من طرف النيازك والتيارات الترابية وموجات الطاقة التي تصاحب الانفجارات الشمسية لبقائه وحده، بل من أجلنا نحن كذلك، ومن أجل استمرار الحياة وقداستها. نعم؛ هذه حكمة الله ورسالته لنا، ومنها قلة كثافة غلاف القمر الغازي، وكيف أن جميع الأشياء خلقت لتخدم غيرها. فلنكن عونًا بعضنا لبعض ولنسع في الخير، لكن لا يمكن أبدًا تحقيق هذه الغاية في غياب قوانين ونُظم الاتصال والتواصل، لأنها أساس العيش والتعايش بين بني البشر.

منظومة الاتصال والتواصل عند غالبيَّة الناس عاطفيَّة أكثر مِن اللاَّزم أو العكس، لدرجة أن سرعة العاطفة السلبيَّة في الاتجاهين تفوق كل التوقعات. إذ تتعدَّى الحد الأقصى المسموح به دينيًّا، وعلميًّا، وفكريًّا، وأخلاقيًّا. وبناء عليه نصبح فاقدين للسيطرة على كلِّ شيء، لا نحن قادرون على التوقف لالتقاط الأنفاس وتجديدها، ولا نحن مؤهلون للمُضيِّ قُدُمًا بثبات، لاسيما وأن حركة السير والتجول داخل هذه المنظومة العاطفية، غير معقولة وغير متوازنة البتة، ستسمح أساسًا بهذا التهور العاطفي الشاذ. قس على ذلك كل الأمور المرتبطة بحياة الفرد والمجتمع. خلاصة القول تبين لنا بوضوح سبب تموقعنا الدائم بقلب الهزائم على جنباتها، حتى في حالة تحقيق بعض من النصر الصُّوري اللحظي، نكون غارقين في طعم الهزيمة، لأننا نحن مَن نهزم أنفسنا بأنفسنا وليس دائمًا الآخر، وهذا ما يجعل الجرح أعمق، وفترة النقاهة والشفاء أطول، مع العلم أنه لا ينقصنا الرأسمال البشري ولا الإمكانيات الفكرية، ولا السيولة المادية، إنما هناك خلل رهيب في الإمكانيات المعنوية المرتبطة أساسا بمستوى المعقول، ومنسوب الحكمة، ودرجة الإيمان المرتبطة بعمل المرشحات العقلية.
المُرشحات عملية تشويه إدراكي دقيق، تسمح للعقل بالتركيز على بعض البيانات فقط، مع العمل على تجاهل البقية، أو القيام بحذفها إن صح التعبير. فمن المفترض جدًّا، أن العقل البشري قادر على إدراك، حوالي أربعة مليارات من النبضات العصبية في الثانية الواحدة، لكنه لا يستطيع إحضار وتشفير وفهم ووعي إلاَّ 0.00005% منها. ولهذا تعد عملية إضافة المحفزات الخارجية، إلى هذه المرشحات طريقة قيِّمة للغاية وجادَّة، إذ يجب التَّمييز بها معظم المعلومات الواردة من الخارج، والتي بدونها لن نستطيع أبدًا معالجة هذا الكم الهائل من البيانات.
المرشحات المتوفرة لدينا تتكوَّن أساسًا من أنواع متعددة؛ منها الوراثية العصبية، وهي ضرورية لدماغنا الواعي، من أجل اختيار المعلومات التي لاَ حصر لها، والقادمة من الخارج، نظرًا إلى استحالة إحضارها بأكملها. ولهذا فالعقل لديه العديد من الآليات التي تسمح له بتمييز المعلومات المراد تجنبها وتقييمها وتحديد كيفية التعامل معها، بالإضافة إلى قوته التخيُّلية، التي تعد مصدر الصور والتصورات الفكرية.
إذ تعمل مثلًا بشراكة مع آلية التعميم، فمن خلال تجربة معينة، يميل العقل إلى المقارنة والإسقاط، على مجموع التجارب اللاحقة، مع الاعتقاد بتساوي النتائج النهائية، رغم إدراكه الفعلي باختلاف الشخصيات والمسارات والخبرات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، بعد فشل تجربة الحب مرة وأكثر، مع الإحساس العميق بالانكسار، واستمرار توالي خيبات الأمل، يتولد بداخلنا شعور حزين مليء باليأس، تتصلب معه أرواحنا وتَتَخَشَّن، ويموت الشغف فينا ويفنى، فننقاد كالقطيع بسهولة وراء نباح آلية التعميم إلى الهاوية، مع الاعتقاد الراسخ باستنتاج فاسد، مفاده أن جميع الرجال رغم اختلاف أصولهم وفصولهم، ورغم حلاوة كلامهم، ورقة شعورهم ومشاعرهم، وحسن خلقهم، ورقي أخلاقهم، فهم في نهاية المطاف متشابهون، لا أمان فيهم، ولا جدوى من العيش معهم، تحت سقف واحد متجمِّد ومَيِّت على قيد الحياة. وأن المرأة مهما كان مستواها المادي أو المعرفي، ومهما كانت جنسيتها تبقى هي نفسها؛ غير قابلة للمعاشرة ولا تصلح للحب، وأن هذه الحياة بطبيعتها قاسية وغير عادلة.

إذن التعميم هو أحد أخطر العمليات الأساسية المتاحة للدماغ، وأكثرها فائدة عند تصنيف المعلومات، لكنها تكشف لنا ثغرة لا يستهان بها، يسقط في فِخاخِها الإنسان غير العارف بخبايا وأسرار المرشحات العقلية. فبمجرد الانتهاء من التحليل والاستنتاج، يعمل العقل بتلقائية دائمة، مع الأفضلية المطلقة، والميول المبالغ فيه إلى الرغبة في إعادة تفسير المواقف اللاحقة بالطرق السابقة نفسها. مما سيمنعنا مستقبلًا مِن الحصول على رؤى جديدة.

يسحبنا الحديث بعد ذلك مباشرة إلى الكلام على آلية الإغفال التي يزيل العقل بها جميع المعلومات غير المصنفة؛ التي يعدها غير ذات صلة، استنادًا إلى مقياس أولوياته. يمكن للعقل الواعي التعامل فقط مع أجزاء معلومة ومحددة من المعلومات في وقت واحد، بحيث يمكنه تحديد بدقة متناهية ما يجب أن تحضر له. إذ على الرغم من هذا الإغفال المقصود المبرمج، لكنه يزيد من فعالية إدراكنا للأشياء، فإنه يجعل العديد من جوانب الواقع تمر دون أن نلاحظها حرفيًا، من خلال القضاء على إمكانية وجود جزء ضخم من معلومات الواقع التي قد لا يستطيع الأشخاص الآخرون ذَوو المستويات الأولوية المختلفة الذهاب إليها، وفك رموزها، فتمر مرور الكرام دون أي أدنى ملاحظة من أحد، وكأن شيئًا لم يقع.
هناك أيضًا آلية التشويه؛ التي تسهر على تمثيل خارق للواقع بناءً على معايير موجودة فقط في أذهاننا. فمثلًا إذا كان منسوب الحماسة عاليًا جدًّا داخل سدود عقولنا وآبار تفكيرنا، سنرى على الفور سهولة وقدرة خارقة على تخطي العقبات لتحطيم المستحيل. وتحقيق بعض الأهداف التي، بالنسبة لشخص أقل حماسة، قد تبدو من سابع المستحيلات، ويبدو تحقيقه طورًا من أطوار الخيال. فتؤدي آلية التشويه إلى أن ينظر مختلف الأشخاص إلى الواقع نفسه بشكل مختلف تمامًا.
إذن المرشحات التي تم الحصول عليها هي نفسها التي ندمجها طوال الحياة، ويجري إنشاؤها بناءً على خبرتنا وتعلمنا، فتساهم بشكل كبير في إعطاء تفسير معين للواقع. لأن المرشحات المكتسبة هي المعتقدات، والقيم، واللغة، والقرارات، والتوقعات، والذكريات، والبرامج الوصفية. إذ بالنظر إلى أهمية هذه المرشحات عند العمل مع البرمجة اللغوية العصبية، سوف ندرسها معًا بكل صدق وأمانة واحدة تلو الأخرى. وعليه فالمعتقدات هي من تمثل قناعات شخصية مفادها أن بعض الأشياء لا جدال فيها، وفي حد ذاتها لا يجب أن تكون معينة على الإطلاق، وأن الاعتقاد ما هو إلاَّ شعور باليقين، وبأن الشخص الذي يملكها لديه معنى معين أو حقيقة شيء ما.
يميل كثير من الناس إلى الاعتقاد بأن معتقداتهم لا يمكن دحضها، ويتوقعون من الآخرين أن يشاركوها، دون أن يدركوا أن نظام المعتقدات والقيمة شيء شخصي تمامًا، وغالبًا ما يختلف عن الآخرين. إذ يتم غرسها في معظم الأحيان دون وعي، عندما نقبل بها دون تردد. بعد ذلك أي فكرة تصبح جزءًا من حقيقة لا جدال فيها بالنسبة لنا، وبمجرد أن لدينا اعتقاد مثبت، ونحن نتصرف كما لو كانت حقيقة مطلقة، مما يجعل يقين إيماننا يعزز بالنسبة لنا.
فالاعتقاد يعشش فينا وراء الهياكل العقلية، ولتبسيط الفكرة أكثر وتقريب المعنى نستطيع الاستدلال ببعض الأمثلة اليومية البسيطة المدعومة بالمعتقدات، كاستهلاك منتج بعينه نظرًا إلى ظنِّنا أنه وحده المفيد لصحتنا، وتنظيف الأسنان بمعجون معين لاعتقادنا بقوته في محاربة التجاويف، والإفراط في شرب المنبهات لقدرتها على تجديد قوة الجسم ورفع مستوى نشاطه، والقضاء على الرغبة في النوم، والدراسة فقط من أجل الحصول على المزيد من فرص العمل. تختلف معتقداتنا في الكثافة، فتعطي معنى لعالمنا وطريقة وجودنا. ولهذا فالاتصال والتواصل الذي لا يرفعك لا ينفعك. لأن الانتشاء الذهني يسبق الارتقاء العَمَلي.
لقد أصبحت كثير من دورات التنمية البشرية لا تربوية، وكأنها مَعاوِل هدم وتدمير حقيقية، تعمل على تحطيم الذات البشرية بدلًا من تطويرها. فهي كغيرها فيها الجيد المفيد، والسيئ الخطير. لهذا يجب الحذر كل الحذر، لاَسِيَّمَا الإنسان المسلم المؤمن والموحد، يَجب أن يكون على قدر كبير جدًّا مِن الوعي والمسؤولية خصوصًا عِنْدَ زيادة الرَّغبة في التَعمُّق في الدراسات الفلسفيَّة لهذه العلوم، لأنها كالسُّيُوف الدِّمشقيَّمة التِي شَكَّلَتْ عَبْرَ العصور الماضيَّة لغزًا مستعصيًّا على الحل في الصِّناعات الحربيَّة، إذ رويت عنها الأساطير ونسجت حولها القصص والحكايات، وقيل إن الشَّعرة كانت تنشطر إلى نصفين لدى سقوطها على حدها.
هذا مع التوفر الدقيق على التوجُّه الواضح، والتوازن المِثالي في مستويات المعرفة بين هذه العلوم من جهة، والعلوم الشرعية من جهة أخرى كَحَدٍّ أدنى، حتى يستطيع طالب العلم الاستفادة مِن هذه الظروف الفكرية المثالية عند عرض جميع هذه الأفكار والتقنيات على الميزان الشرعي، مع امتلاك القدرة على تقويمها متى دعت الضرورة إلى ذلك.
لكن الأهم مِن كل هذا وذاك هو وجود رغبة ملحة راقية للتوسع والانتشار في مجالات المعرفة الكثيرة والمتنوعة، لبناء الفكر والذات معا، وحتى تكون النيَّة في الطَّلب خالصة لوجه الله، وليس فقط واجهة للنصب والاحتيال، قصد الاغتناء على حساب قِلَّة الوعي الفردي والجماعي في هذا المجال داخل المجتمع. فمن بين النتائج الوخيمة واللاتربوية المُترتِّبة على هذا التسويق غير المسؤول لتقنيات هذه العلوم، إذ إنهم يُربون الأجيال الصاعدة على امتهان البطالة، وحب الكسل، ونبذ التوكل على الله، وعدم الأخد بالأسباب الشرعية والقدرية.

حتى يوهموا الناس بأن للعقل الباطن قُدُرات خارقة تحدد كل شيء في حياة الإنسان، متجاوزين بذلك سنوات ضوئية حقيقة بعيدة جدًّا عن المعنى الدقيق، والذي مفاده أن جميع هذه العلوم وما تقدمه من تقنيات ومهارات تبقى فقط مجرد أسباب يجب الأخد بها من باب الاجتهاد، واستعمالها كرافعة أساسية للهمم، أما الرزق، والسعادة، والنجاح، والتطور، والإزدهار، والتقدم، والتحسن، وما جاورهما بيد الله الواحد الأحد، قال تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا» (الإسراء: 30 ). كما أن مقتضى حكمته التوسع على عباده أو التضيق عليهم لحكمة يعلمها وحده، سبحانه وتعالى، ولمنفعة تتعلق بهم. قال تعالى: «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ» (الزخرف : 32 ). صدق الله العظيم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد