أثناء تصفحي مواقع التواصل الاجتماعي لفت نظري مجموعة من المنشورات المتداولة التي تتحدث عن الصحة النفسية وأهميتها باعتبار أكتوبر هو الشهر المخصص عالميًا للتوعية النفسية، فالبعض يتحدث عن الأعراض المصاحبة للأمراض النفسية والبعض الأخر يحكي تجربته في الخروج عن المألوف والذهاب إلى الطبيب النفسي. نعم عزيزي القارئ، في بعض الدول العربية لم يزل الذهاب إلى الطبيب النفسي يتطلب الكثير من الشجاعة والخروج عن المألوف، على عكس التخصصات الطبية الأخرى.

الطب النفسي عند العرب في العصور الوسطى

دفعني فضولي إلى البحث عن تاريخ الطب النفسي عند العرب منذ القدم، وهل كان العرب يعتبرون المرض النفسي عيبًا أو وصمًا مثل غيرهم من الشعوب آنذاك؟ لأجد أن العرب كان لهم دور هام وتاريخ مذهل في تطوير الطب النفسي في العصور الوسطى، حيث قام الأطباء العرب في التصدي لبعض الأمراض النفسية ومعالجتها، ووضعوا نظرياتهم ومؤلفاتهم في الكثير من الكتب التي لم يصل إلينا إلا القليل منها. حيث قام أبو بكر الرازي بعلاج الصرع والمانخوليا، وقام بتأليف كتابه «الطب الروحاني». أما الطبيب جبرائيل بن يختيشوع فقام بعلاج أحد المرضى الذي كان يعاني من الفصام التصلبي مستخدمًا ما يُعرف الآن بالعلاج السلوكي. كما استطاع ابن سينا اكتشاف الأمراض الوظيفية، أي الأمراض التي تحدث نتيجة لأسباب نفسية، وغيرهم الكثير. فقد تطور الطب النفسي كثيرًا على يد العرب في الوقت الذي كان الأوربيون يعتقدون فيه أن المرض النفسي لعنة من السماء على المريض!

الصحة النفسية في المجتمعات العربية الآن

على الرغم من تقدم العرب في اكتشاف الطب النفسي في العصور الوسطى، إلا ان الإحصائيات الحالية تشير إلى تراجع كبير في مدى تقديرنا لأهمية الصحة النفسية. حيث أشارت إحصائيات البنك الدولي أن هناك سبعة بلدان من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتصدر أكثر 10 بلدان في ظاهرة الاكتئاب لدى النساء. كما أقرت منظمة الصحة العالمية بأن هناك أكثر من مليون مواطن ليبي يحتاجون إلى الرعاية الصحية النفسية.

وعلى الرغم من المحاولات الفردية لنشر الوعي حول أهمية الصحة النفسية على مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الشهر من كل عام، إلا أننا نجد أنفسنا أمام معضلة تستحق مجهود أكبر بكثير من مجرد الحديث عنها مرة واحدة كل عام.

لعل هذا ينقلنا إلى جزء مهم وهو كيف وصل الغرب إلى مستواهم المتطور من تقدير أهمية الصحة النفسية للفرد؟

هل للتعليم دورًا في نشر الوعي حول الصحة النفسية؟

لا شك في أن الاضطرابات النفسية موجودة في الغرب مثل الشرق، ولكن كيف استطاع الغرب نشر التوعية حولها وتشجيع الاهتمام بالصحة النفسية!

لفت نظري أثناء تصفحي بعض المواقع التعليمية بالخارج تناول المناهج الدراسية الأوروبية لموضوع الصحة النفسية بشكل واسع، حيث يجري تدريس أنشطة معينة للأطفال لتغطية هذا الموضوع منذ الصغر، بل تشجيعهم على الإهتمام بصحتهم النفسية، وشرح أهم مفاهيم العناية بها، مع توضيح علامات ودلائل قد تشير إلى وجود مشكلة نفسية وتوجيههم إلى التصرف الصحيح في حالة وجود أي اضطرابات نفسية، أو التعرض للقلق، أو الاكتئاب.

قام موقع توينكل التعليمي البريطاني على سبيل المثال بنشر نشاط التوعية حول الصحة النفسية للأطفال في سن الخامسة من عمرهم، يتحدث النشاط عن أنواع المشاعر النفسية المختلفة التي من الممكن أن يشعر بها الإنسان مثل الشعور بالضيق، الحزن، أو القلق ويناقش النشاط كيفية التعامل مع هذه المشاعر عند الأطفال.

وهناك أيضًا نشاط آخر يسمى Circle Time يجري تنفيذه للأطفال في المدرسة لتشجيعهم على اكتشاف أنفسهم وزيادة الوعي لديهم حول صحتهم النفسية، حيث يجري تقسيم الأطفال إلى مجموعات، كل مجموعة تجلس في دائرة ويتم توجيه بعض الأسئلة لهم من قبل المُعلم أو المختص حول ما يحبونه في أنفسهم وما يحبونه في كل شخص من أصدقائهم الجالسين في نفس الدائرة.

بالإضافة إلى نشاط الـHealth & Wellbeing، حيث يُعطى الأطفال مجموعة أوراق لكي يقوموا بكتابة أفضل الصفات التي يروها في أنفسهم، بالإضافة إلى كتابة بعض النصائح حول كيفية الاعتناء بالذات نفسيًا عن طريق اللعب مع الأصدقاء، وجسديًا عن طريق تناول الطعام والشراب الصحي، بالإضافة إلى الإعتناء بالمخ بإعطائه فرصة للراحة والنوم بشكل كاف.

تشجع هذه الأنشطة الأطفال على تقبُل نفسهم وتقبُل الآخرين، بالإضافة إلى نشر الوعي حول إدراك الإنسان لحدود طاقته حتى لا يتعرض للإحباط او لمقارنة نفسه بغيره؛ مما يؤدي إلى نسب أعلى من الثقة بالنفس، والشعور بالإنجاز والانتماء، وتقدير أهمية الذات وتقبلها وتقبل الآخرين. وهي كلها أشياء بدورها تحد من الشعور بالاكتئاب أو الرغبة في الانعزال أو التفكير بشكل سلبي.

ولعل هذا أحد أهم الأسباب وراء تقديرهم لأهمية الصحة النفسية في المجتمعات الأوروبية، فهذا ما درسوه ونشأوا عليه منذ الصغر، فلا عيب في اهتمام الشخص بصحتة النفسية ولا حرجًا في طلب المساعدة من المختصين إذا استدعى الأمر ذلك.

أتمنى أن يأتي اليوم الذي أرى فيه مناهجنا العربية تتحدث عن الصحة النفسية وتشجع الطلاب منذ سن صغيرة على التعبير عن مشاعرهم بشكل صحي وواع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد