الفكرة الأولى التي تتبادر إلى أذهاننا عند مصادفة شخص يتكلم وحده في الشارع، أو يقوم بحركات غريبة، هي أنه مصاب بالجنون، ولا قيمة له في المجتمع؛ فهو ببساطة بلا عقل، هل نطرح السؤال: لماذا أصبح على هذه الحال؟ أو نتساءل هل كان إنسانا عاقلا في يوم ما؟ أو حتى نكلف أنفسنا أن نطمئن عليه؟ لا. نحن لا نفعل أي شيء، بل نمر مرور الكرام، وحتى المريض النفسي لا نعيره اهتماما، بل لا نعترف حتى بوجود المرض النفسي، بل يوجد تلبس الجن أو العين أو السحر، ليس كل الناس تحمل هاته الأفكار، لكن الأغلبية الساحقة يحملونها ببساطة؛ لأنهم يخافون كلام الناس، فهو عيب وعار أن يكون مريضا، سواء عقليا أو نفسيا. المعروف أن المرض العقلي مرتبط بكمياء المخ، فهو مرض عضوي أيضا، النفسي له علاقة بالمواد الكمياوية، لكن ثقافة لعلاج النفسي ضعيفة في مجتمعاتنا، فكم من شخص عانى المرض النفسي، ولم يقم بزيارة الطبيب؛ لأنه يخاف أن يقال له أنت مجنون! وكم من شخص خسر عمله وعلاقاته بسبب تدهور حالته النفسية!

الدين الإسلامي حريص على الصحة العقلية والنفسية للإنسان؛ لأن العقل هو مناط التكليف، وعند غياب العقل يسقط عن الشخص الواجب الديني، وغياب العقل قد يكون دائما، أو مؤقتا، فالمريض النفسي يمكن أن يغيب عقله لمدة زمنية محددة، فهنا الإسلام صريح بأن البشر عرضة للأمراض العقلية والنفسية، وسن لهم القوانين، ووضع الحلول، وأبرزها الالتزام الديني، لكن الحقيقة المرة هي أن الالتزام جد ضعيف عند الأغلبية الساحقة، فنجد أنفسنا تائهين، لا التزام، وعلاج ديني، ولا علاج طبي؛ فيسبب تفاقم الأمراض لدى المصابين بها. ويبقى السبب الأبرز لنقص الاهتمام بالصحة النفسية نظرة المجتمع للمريض، في حين يجب على الكل المشاركة في إعادة تأهيل المريض، على الأقل بالتوقف عن المضايقات، والكلام الجارح، وغير المحترم للأسف هذا ما يحدث في كثير من الأحيان.

الانتحار هو الخطر الأكبر الذي يمكن أن يحدث لمريض عقلي أو نفسي، الأرقام تختلف من بلد لآخر، لكن المؤكد أنها في ارتفاع، والأسباب تختلف، لكن أغلبها يكون مصدرها اضطرابات نفسية حادة، وحتى جرائم القتل والعنف لها خلفية نفسية في كثير من الأحيان، والكلام الواجب قوله هو ما مدى رعاية الحكومات لهاته الفئة من المجتمع، فبغض النظر عن الجمعيات التي تقدم رعاية للمرضى، إلا أنها لا تسد الاحتياجات اللازمة؛ بسبب ضعف الموارد، أما مراكز العلاج الحكومية، فتكون أغلب الوقت ممتلئة، كما أن عددها ضعيف، ومنه نجد أن مستوى الصحة النفسية والعقلية متدن؛ لسببين، هما: غياب ثقافة العلاج النفسي، وضعف العلاج المقدم.

تبقى الحلول عديدة ومتوفرة، على سبيل المثال: توفير الأطباء في المدارس، وإشعار الشباب بأهمية الصحة النفسية أو العقلية، وحتى في المساجد، على الأئمة التحدث عن الموضوعات الحساسة، والتي تتسبب في الأمراض النفسية، وإمكانية علاجها دينيا بما أننا مسلمون. السجون لها نصيبها من توفير الرعاية النفسية للمسجون بطريقة حذقة من شأنها التحسين من عقليات المساجين وإنقاص الأفكار الإجرامية لديهم، وتبقى العائلة الداعم الأحسن والأفضل لمن يعاني من مشاكل نفسية وعقلية، فلا يجب معاملته كأنه وصمة عار أو أنه إنسان ناقص، فهو يبقى إنسانا، لديه حق العيش كباقي الناس، فتعطيه الدعم النفسي اللازم، وتحرص على العلاج المتواصل حتى يستطيع المريض استعادة حياته، أو على الأقل التقليل من الأخطار التي قد تصيبه؛ ليعود عنصرا فاعلا ومنتجا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الموسوعة العربية
عرض التعليقات
تحميل المزيد