عادة ما تحتل المفردات والعناصر الأولية موقعا مهما وأساسيا في أي مشروع يراد له النجاح والاستمرار، وفي مشروعك المعرفي لا بد لك من تخطيط ذهني جيد لعناصره ومفرداته الأساسية وموارده الفكرية الرئيسة. في مقال (مفردات على عتبات المشروع المعرفي) تناولت التباين بين المفردات الحضارية نفسها، إضافة إلى ما يجري من عراك في الساحة المصطلحية ذات الصلة، وإشكاليات النقل والترجمة.

في هذا المقال وعدة مقالات تالية، سأحاول تقديم صورة مبسطة لمخطط يربط بين مفرداتنا الحضارية، ويضعها في سياق سهل؛ في محاولة لتحفيز ذوي الاهتمام والمقبلين على ابتناء مشاريع معرفية جادة.

بين المعرفة والحضارة

المعرفة هي اكتساب العلوم والمعارف وتحصيلها؛ لأن المصدر عادة ما يتضمن معنى تحصيل الشيء أو فعل شيء ما، وتطلق الثقافة كمرادف للمعرفة، ولا تعني المعارف والعلوم نفسها بقدر ما تشير إلى اكتسابها وتحصيلها، والمعارف مادة الثقافة، ومصداقها السلوك. ومن نافلة القول الإشارة إلى أن السلوك يتضمن طريقة الكلام فضلا عن الكلام نفسه. والإسلام يعد الكلام عملا وسلوكا يحاسب عليه صاحبه أو يجزى به. والثقافة بعد ذلك تصور واتجاه وسلوك فعلي يترجم المعارف والأفكار المكتسبة.

وبالربط بين المعرفة والثقافة من جهة، والمعارف والعلوم من ناحية أخرى، يمكننا فهم ما ذهب إليه الأستاذ مالك بن نبي من أن الثقافة تتمثل في «مجموعة الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد ويكتسبها منذ ولادته»، وهي برأيه متعلقة بالفرد وليس المجتمع أو الأمة.

أما الحضارة فهي وإن كانت تطلق مرادفة للثقافة، إلا أن المناسب إطلاقها على ثقافة المجتمع (الأمة) واعتبارها ثقافة جمعية للمجتمع؛ حتى نميز بين ثقافة الفرد وثقافة مجتمعه الذي يعيش فيه، لكن هذه الثقافة الجمعية لا تحمل اسم (حضارة) ما لم تتجسد في مجتمع أو أمة متماسكة ومنظمة تعمل على حمايتها ونشرها، ولا تكتفي بمجرد حملها والحفاظ عليها فقط. ولعل المعنى المشار إليه شائع الاستخدام ومن ذلك إطلاق مصطلح الحضارة الإسلامية على الفترات الزاهرة من تاريخنا، ولا نكاد نطلقها على واقعنا المعاصر إلا في سياق الحديث عن الحضارة كقيم ومبادئ أخلاقية في مواجهة انتشار وذيوع الأفكار والثقافات الغربية وسيطرتها على فضاءاتنا.

الدين يصنع حضارتنا

تجدر الإشارة إلى أن مصطلح الحضارة في الكتابات الفكرية المعاصرة يحمل معنى مقاربا لمعنى الدين عند المسلمين إن لم يكن مطابقا له تماما. وإذا أخذنا تعريفا شائعا للحضارة كـ«مجموعة الأفكار الرئيسة التي تنتج عن نظرة شاملة للوجود المحسوس وتعمل على توجيه السلوك الإنساني».. وأخذنا بالمقابل تعريفا شائعا للدين كـ «منهج ونظام يحكم الحياة بناء على تصور شامل للحياة والكون والإنسان»، لوجدنا تطابقا وتماثلا كبيرين. إن وضع المصطلحات في سياقاتها الأصلية يساعدنا في الحصول على روابط ثمينة تمنحنا ملكة الفهم الشامل المستوعب للمفردات والموضوعات والقضايا المقاربة.

ونعني بالدين: الإسلام الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على خاتم رسله وأكرم أنبيائه محمد بن عبد الله عن طريق أمين وحيه جبريل عليه السلام، وهو الدين المصدق لما تقدمه من كتب والمهيمن عليها، والمؤكد لما تضمنته من حقائق الدين وقواعد السلوك، والمصحح لما أصابها من تحريف، والمتمم لمكارم الأخلاق لتبلغ غايتها ومنتهاها.

وتنبع حاجة الناس إلي الدين من صلة ما بين الدين وحقيقة الذات الإنسانية، فالتدين فطرة جبلت عليها نفس الإنسان عند خلقها «فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون» الروم:30

والحاجة إلى الدين إضافة إلى كونها حاجة وجدانية للاطمئنان القلبي والسكينة الروحية- فهي حاجة عقلية أيضا؛ والعقل يتعطش بطبيعته للإجابة عن التساؤلات الكبرى للإنسان، إضافة إلى الحاجة النفسية، وحاجة المجتمعات إلى ضوابط، وحاجة الأفراد إلى الترابط والتعاون والتناصر.

وإذا كان حديثنا عن (الحضارة والدين) فمن السذاجة وضعف التفكير وانطماس البصيرة – الإعراض عن هدى الله والفرار من وحيه المبارك ودينه القيم. والحضارة التي تستهدف الإنسان وتهدف إلى ترقيته وتيسير حياته وحمايته من الأخطار- لا بد لها من مراعاة طبيعة هذا الانسان وملكاته ومواهبه وحاجاته كلها، فضلا عن غاية وجوده ومستقبله الأخروي. إن الحضارة التي لا تنظر إلى الإنسان كمخلوق متميز – كرمه الله سبحانه، وفضله على غيره من المخلوقات، وسخر له الكون الفسيح ليكون خليفته في الأرض، يعمرها بالعلم والإيمان والخير مستهديا بوحي ربه جل وعلا، ومستثمرا لجميع مواهبه الحسية والمعنوية – إن الحضارة التي لا تراعي كل تلك الخصائص إنما تشطر كيان الإنسان وتمزقه وتسلمه تلقائيا لحياة القلق والخوف، ومن ثم الضياع والعنف والانتحار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

يوسف محمود: الإنجازات العلمية في الحضارة الإسلامية
يوسف القرضاوي: مدخل لمعرفة الإسلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد