هل يحب حقا القط خناقه؟ دعونا نرى

هذا المقال هو نظرة سريعة إلى ظاهرة نفسية فريدة ونادر حدوثها، أقترح على الأطباء والمعالجين النفسيين حجز أقرب طائرة لمصر ومراقبة كلامهم، مواقفهم، ودوافعهم لرصد أكبر قدر من الحالات وعمل دراسة وفية حرموا منها لسنوات وتوفرت في مصر بكل سهولة وأعداد وفيرة، بارك الله فيها وحفظها من كل سوء طالما كانت مهد العلم والعلماء.

«القط يحب خناقه»، مثل مصري أصيل يمكن أن يعبر عن حالة نفسية معقدة للغاية، يعبر هذا المثل عن علاقة حب وتعاطف مع شخص يسبب لنا الأذى، والاسم العلمي لهذه الظاهرة هو «متلازمة ستوكهولم»، نسبة لمدينة ستوكهولم السويدية.

تعريف متلازمة ستوكهولم، ويمكن أن تدعى أيضًا: «Trauma Bonding» أو «Terror bonding»، هو ميل الرهينة نفسيًّا لتكوين رابط، الاتحاد، أو التعاطف مع الخاطف.

أول رصد لهذه الحالة كان سنة 1973 في مدينة ستوكهولم في السويد، حيث حدثت عملية سطو مسلح على أحد البنوك وقُتل شرطيان، وجرى التحفظ على موظفين البنك رهائن للضغط على الحكومة لتنفيذ طلبات اللصوص.

دامت عملية السطو على البنك لمدة ستة أيام، لم تسجل أي محاولة للهروب من قبل الرهائن خلالها، لذلك لجأت الشرطة لاستخدام الغاز في اقتحام البنك وتحرير الرهائن.

الغريب في الأمر عند استجواب الرهائن هو تعاطفهم من اللصوص، إذ قالت إحدى الرهائن إنها لم تكن خائفة من اللصوص، ولكن كانت خائفة من التعرض للقتل عند اقتحام الشرطة البنك. وأظهر الرهائن تعاطفهم مع اللصوص، فأخبروا الشرطة عن حسن معاملتهم لهم، ولاحقًا زارت إحدى الرهائن اللصوص في السجن.

أثارت هذه الحالة ضجة في وسائل الإعلام وقتها، وأثارت فضول متخصصي الطب النفسي، لماذا يمكن أن يتعاطف شخص ما مع الخاطف الذي يبقي عليه رهينة أو محجوزًا؟ فسر الأطباء هذه الحالة بغريزة البقاء، في وضع الرهائن من الوارد جدًّا التعرض للقتل في أي لحظة، لذلك غريزة البقاء تجبرك على التصرف بعقلانية أنت لا تريد إغضاب الخاطف أو إساءة معاملته، ومن مصلحتك إبقاؤه راضيًا عنك، خاصة وهو يحمل سلاحًا ولديه معاونوه.

أن تتعرض للتهديد بالقتل ثم لا يقتلك الخاطف، فيعد لا وعيك هذا تصرفًا نبيلًا، ويربط بين إرضاء الخاطف ودعمه وبين بقائك حيًّا وقتًا أطول. كما أن أي تصرف فيه مساحة إضافية لك يعده عقلك معاملة حسنة، مثل أن يفك الخاطف قيودك، أو يسمح لك بالمشي في جولة لأن قدميك تؤلمانك.

تتكون هذه الظاهرة تحديدًا عند محاولة إقناع الخاطف الرهائن بأن الخطر الحقيقي في العالم الخارجي، أو بالتهديد المتواصل بالقتل وعدم فعل ذلك، أو بمحاولة إقناع الرهائن بعقائده، أو حتى إقناعهم أنه هو مثلهم ضحية للعالم الخارجي.

لذلك يمكنك سماع جمل مثل: «هو كان حرامي بس عارف يمشيها»، أو «ولا يوم من أيامه»، والاقتناع التام أن مباراة كرة قدم في أفريقيا هي معاملة حسنة لأننا شعب مطيع، والاقتناع التام أيضًا أن هناك مؤامرات كونية على تدميرنا، وليس لأن هناك فشلًا وفسادًا منتشرًا بسبب فشل وفساد القائمين على الإدارة نفسهم.

هناك حالة أخرى لهذه الظاهرة من أكثر الحالات غرابة، حدثت  في سنة 1991، حين اختطفت فتاة تدعى جايسي تبلغ 11 عامًا وتعيش في كاليفورنيا، وهي ذاهبة إلى المنزل بعد المدرسة. كانت هذه الحادثة تشغل الرأي العام كله للبحث عنها، وكل أجهزة الدولة تعمل بأقصى جهد للعثور عليها لكن دون جدوى أو أي دليل للعثور عليها. كثيرون اعتقدوا أن جايسي ماتت، لكن اتضح خطأ هذا الاعتقاد عام 2009، أي بعد مرور 18 عامًا على اختطافها، وقد عثر عليها لأن الخاطف قام بأخطاء أثارت الشكوك حوله، فقد حاول تأجير قاعة في إحدى جامعات كاليفورنيا لإنشاء حدث خاص في برنامج الرب كما يعتقد، ليخبر الناس به أن الملائكة تتواصل معه ووعدته بقوة خارقة.

جرى التحقيق معه ومع أسرته المكونة من زوجته وشابة لديها طفلتان، عند التحقيق مع هذه الشابة التي اتضح بعد ذلك أنها جايسي الفتاة المخطوفة، منذ 18 عامًا أنكرت أنها مخطوفة ولم تعترف بأي شيء من الاعتداءات الجسدية أو الجنسية من الخاطف التي نتج منها طفلتاها إلا حين اعترف الخاطف بكل ذلك.

ظلت طوال الـ18 عامًا تعيش معه في منزله، تعمل لديه في مكتبه، مصممة وخادمة له ولزوجته ونزواتهم المنحرفة، لم تكن مقيدة أو أي شيء من هذا القبيل، حتى إنها كانت المسؤولة عن مقابلة عملاء الشركة وشراء طلبات المنزل، ولم تحاول الهروب ولا مرة. وعند سؤالها عن ذلك قالت إنها لم تعرف أن هذا اختيار متاح.

أنا أيضًا أعرف آخرين مخطوفين لمدة 30 عامًا وأكثر. لكن على كل حال، اذكروا محاسن موتاكم، فليرحمنا الله ويرحم الجميع برحمته (إلا واحدًا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد