(انتقال نيمار من برشلونة إلى باريس سان جيرمان بعد دفع 222 مليون يورو قيمة الشرط الجزائي)

لم يكن ذلك الخبر إعلانا عن الصفقة الأضخم في تاريخ الكرة العالمية، بل كان إيذانا ببدء مرحلة من الجنون تعصف بسوق انتقالات اللاعبين بين الأندية العالمية. قبل أن نتحدث عن الصفقة الحدث وما تلاها من انتقالات خيالية فلنعد بذاكرتنا إلى الوراء قليلا لنتتبع تطور قفزات أسعار صفقات اللاعبين في سوق الانتقالات.

بداية القفزات الكبرى في أسعار اللاعبين كانت عبر بوابة ريال مدريد الملكية مع بدايات الألفية الثالثة، عندما تولى الأسباني فلورنتينو بيريز رئاسة النادي الأبيض عام 2000، كان رجل الأعمال الأسباني قد وعد جماهير ريال مدريد بأنه سيتعاقد مع النجم البرتغالي لويس فيجو إذا ما أصبح رئيسا للنادي، وقد كان، فاز بيريز برئاسة النادي الملكي ليعلن بعدها عن انتقال فيجو من غريم الدهر برشلونة إلى نادي العاصمة الأسبانية في أغلى صفقة في التاريخ حينذاك بلغت 60 مليون يورو ليصبح فيجو أغلى لاعب في العالم، وقال بيريز لنجمه البرتغالي بأنه سيبني فريقا حوله، ولكن فيجو لم يهنأ بلقب الأغلى كثيرا فلم يمر عام حتى استطاع بيريز ضم زين الدين زيدان في صفقة خيالية بلغت 75 مليون يورو لتتخطى صفقة فيجو، كان انضمام أهم لاعبين في العالم آنذاك خطوتين هامتين على طريق تكوين فريق (الجلاكتيكوس) لتشهد بعدها البوابة الملكية البيضاء دخول البرازيلي رونالدو والإنجليزيين بيكهام وأوين ولكن لم تصل أسعار صفقات هؤلاء إلى سقف صفقتي زيدان وفيجو.

استطاع فريق الجلاكتكوس حصد بطولة دوري أبطال أوروبا 2002 ولقبين لليجا الإسبانية عامي 2001 و2003 ولكن سياسة بيريز لم تؤت ثمارها بعد ذلك لاهتمامه بضم نجوم لامعة في الصفوف الأمامية على حساب تدعيم الخطوط الخلفية في قلب الدفاع وقلب الوسط، فضلا عن ولعه بالجانب التسويقي، ولو كان ذلك على حساب الجانب الفني ومدى احتياج الفريق، وبدا ذلك متجسدًا في ضم بيكهام الذي جنى النادي من ورائه مكاسب طائلة، ولكن الفريق لم يكن في حاجة إليه لوجود فيجو في مركز الجناح الأيمن فلعب على حساب الفرنسي مكاليلي الذي رحل إلى تشيلسي، ونستطيع أن نقول إن انضمام بيكهام ورحيل مكاليلي كان بداية تعثر ريال مدريد لمدة أربع سنوات عجاف كان طبيعيًا خلالها أن تعلو الأصوات المطالبة برحيل بيريز ولم تشفع له صفقاته التاريخية المدوية، وهو ما حدث فعلًا حيث قدم الأخير استقالته في فبراير 2006 بعد تدهور نتائج الفريق محليًا وأوروبيًا.

في عام 2009 استقال رئيس رامون كالديرون بعد فضيحته الشهيرة ليعود بيريز إلى المشهد مجددًا إثر فوزه بانتخابات الرئاسة بالتزكية بعد أن جعل شعاره (الحلم عائد مرة أخرى)، منوهًا إلى تكوين فريق الجلاكتكوس مرة أخرى ولم تثنه سنوات رئاسته الثلاث الأخيرة الجرداء عن المضي قدما عن تكرار تجربته مرة أخرى ليزلزل سوق الانتقالات بصفقتين قياستين دفعة واحدة، استطاع رجل الأعمال أن يظفر بالنجم البرازيلي كاكا بصفقة بلغت قيمتها 65 مليون يورو، واعتقد البعض أن صفقة زيدان كانت صامدة لم تزل لأن صفقة الفرنسي بلغت 75 مليون يورو عام 2001، بينما أعلنت وسائل الإعلام الإنجليزية أن صفقة كاكا سجلت رقمًا قياسيًا جديدًا، باعتبار أن صفقة زيدان كانت قيمتها 46 مليون جنيه إسترليني (65 مليون دولار) في عام 2001 بينما بلغت صفقة كاكا 56 مليون إسترليني (89 مليون دولار) عام 2009، إذن كان تقييم اللاعبيْن بالجنيه الإسترليني وكذلك بالدولار هو الأدق بسبب ضعف عملة اليورو في بداية الألفية لأنها كانت في بدايات تدولها.

إذا كان لويس فيجو قد احتفظ بلقب الأغلى لمدة عام حتى استطاع زيدان اقتناص هذا اللقب، فإن كاكا لم يهنأ باللقب سوى أيام قليلة فقبل أن ينقضي شهر يونيو 2009 كان بيريز قد أتم صفقته القياسية الثانية بانتقال رونالدو في صفقة تاريخية قوامها 94 مليون يورو ليضع أهم لبنة في بناء فريق الجلاكتيكوس الثانى الذي لم يكن بنفس تألق وتوهج جلاكتيكوس زيدان الأول، حيث لم يحقق الفريق خلال ولاية بيريز الثالثة (2009 – 2013) سوى لقب الليجا عام 2012 والكأس المحلية 2011 دون حصد ألقاب أوروبية رغم تدعيم الفريق بأسماء لامعة مثل بنزيمة والونسو وأوزيل وخضيرة ورغم حصول النادي على قرضين تخطت قيمتهما 200 مليون دولار، لذا بعد فوز بيريز برئاسة الميرنجي في يونيو 2013 أراد أن يمارس هوايته المفضلة بأن يفتتح ولايته الجديدة بصفقة تاريخية قياسية جديدة، فاستطاع أن يضم الويلزي جاريث بيل بعد صفقة قيمتها 100 مليون يورو ليصبح أغلى لاعب في التاريخ حتى عام 2013.

ونستطيع أن نقول إن شراء بيل بهذا الرقم الكبير كان نقطة تحول في سوق انتقالات اللاعبين، مرحلة ما قبل بيل ارتبط خلالها لقب الأغلى بلقب الأفضل في العالم فكانت تبدو الأمور منطقية إلى حد كبير وكانت قيمة اللاعب السوقية متماشية مع قيمته الفنية وحتى الإعلانية، رونالدو حين انتقل إلى ريال مدريد عام 2009 كان أفضل لاعب في العالم 2008 وكذلك كاكا كان الأفضل عام 2007 وزيدان حين انتقل عام 2001 كان قد حصل على جائزة أفضل لاعب في العالم عام 2000، حتى فيجو حينما انتقل عام 2000 كان مرشحا بقوة ليكون الأفضل في ذلك العام بعد أدائه المبهر في كأس أمم أوروبا 2000 وهو ما حدث حينما حصد في نهاية العام جائزة الكرة الذهبية حينما كانت منفصلة عن جائزة أفضل لاعب بالعالم التي يمنحها الاتحاد الدولي.

أما جاريث بيل فحين انتقاله إلى ريال مدريد لم يكن أفضل لاعب بالعالم آنذاك، ولم يحمل إلا لقب أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي فحسب، بل إن سواريز الذي حصل على لقب أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي في العام الذي يليه حين انتقل من ليفربول إلى برشلونة كانت قيمة صفقته 81 مليون يورو، مما يعني أن قيمة صفقة جاريث بيل كان مبالغًا فيها وأكبر من قيمة اللاعب الويلزي الفنية والتسويقية الحقيقية، ولكنها كانت رغبة بيريز المحمومة في ربط اسم النادي الملكي بالصفقات الأغلى ورغبته في تحسين صورة الفريق الذي لم يحقق الآمال المرجوة قياسًا لما يحتويه من أسماء رنانة وما تم إنفاقه من مبالغ فلكية لضم هذه الأسماء.

بعد ثلاث سنوات تم تحطيم رقم جاريث بيل القياسي، الفرنسي بوجبا أصبح الأغلى عام 2016 ولكن لقب الأغلى لم يرتبط للمرة الأولى في الألفية الجديدة بالفريق الإسباني الملكى، استطاع فريق مانشستر يونايتد أن يظفر بخدمات نجم اليوفنتوس السابق بصفقة بلغت 105 مليون يورو ليطل علينا مرة أخرى السؤال الذي أطل برأسه حين انتقل بيل إلى الفريق الأبيض (هل يستحق بوجبا هذه القيمة بالفعل؟).

برز بوجبا في بطولة كأس العالم للشباب التي أقيمت في تركيا عام 2013، حين قاد منتخب بلاده للفوز بالبطولة وتم اختياره أفضل لاعب في البطولة قبل أن يشارك في كأس العالم 2014، ليحصد لقب أفضل لاعب شاب في البطولة واستطاع أن يكون أحد أعمدة فريق اليوفنتوس فساهم في حصد الكالتشيو أربع مرات متتالية، وليصبح اللاعب الأهم بعد رحيل الثلاثى فيدال وتيفيز وبيرلو، كل هذا لا يُنكر أبدا، كل هذا جعله أحد نجوم المنتخب الفرنسي والكالتشو، ولكن هل يستحق أن يكون أغلى لاعب في التاريخ حتى 2016، الفرنسي الأسمر قبيل انضمامه إلى مانشستر يونايتد حين شارك مع منتخب بلاده في كأس الأمم الأوروبية 2016 لم يظهر بمستواه الذي لفت الأنظار في بطولة كأس العالم 2014 فلم يتم اختياره ضمن التشكيلة المثالية لليورو، لاعب لم يستطع أن يكون ضمن أفضل عشرة لاعبين في بطولة أوروبا هل يصبح أغلى لاعب في التاريخ؟!

ما السبب وراء إتمام هذه الصفقة إذًا؟

إدارة مانشيستر يونايتد تعاقدت في صيف 2016 مع المدير الفني مورينيهو في محاولة منها لترميم كبرياء النادي العريق الذي توقف به الزمن بعد رحيل السير أليكس فيرجسون على حد تعبير مورينيهو، وقع الاختيار على مدير فني كبير متمرس ويعرف أجواء الدوري الإنجليزي جيدًا، ها قد جاء مورينيهو، فلتُلب مطالبه إذن، أيا كان الثمن، بعد انضمام الإيفوارى بايلي والسويدي إبراهيموفيتش والأرميني مختاريان صرح مورينيهو بأن إدارة النادي تقوم بعمل رائع حيث طلبت انضمام أربعة لاعبين، فأنجزت الإدارة 75 % من الصفقات ويتبقى 25 % منها، وكان بوجبا هو ربع الصفقات الباقي، ولكنه كان رُبعا ليس كباقي الأرباع، استجابة الإدارة الحمراء إذن لمطالب مورينيهو وكأنها أوامر غير قابلة للنقاش، كانت هي السبب الرئيسي لدفع هذا المبلغ المبالغ فيه، ثمنا للاعب لا يتربع على عرش لاعبي العالم.

نأتي للصفقة الحدث والتي افتتحنا بها سابق سطورنا، انتقل نيمار إلى باريس سان جيرمان بعد دفع الشرط الجزائي لبرشلونة وقدره 222 مليون يورو، بداية لا أعتقد أن إدارة النادي الكاتالوني قد وضعت في عقد نيمار شرطا جزائيا ليُدفع، ولا أظن أن أحدًا من مسئولي برشلونة خطر بباله لحظة أنه سيأتي ذلك اليوم لكي يتقدم ناد، أي ناد، لكي يدفع شرطا جزائيا كهذا، كان شرطا جزائيا تعجيزيًا ليس إلا، أما وقد جاء اليوم الذي يتقدم فيه ناد بدفع الشرط الجزائي فليرحل نيمار إذن، قيمة الشرط الجزائي لا يمكن رفضها والفريق لن يتوقف على أي لاعب أيا كان، رحل سابقا من هو أعظم، رحل قبله مارادونا وروماريو وورنالدو وفيجو وريفالدو ورونالدينيهو، عباقرة الكرة عبر التاريخ رحلوا وبقى برشلونة، وغدا سيرحل ميسي وسيبقى النادي الكاتالونى، أحسب أن هذا كان لسان حالهم، على أى حال أى غياب دون ميسي فهو هين.

ومع ذهاب الموهوب البرازيلى إلى العاصمة الباريسية كأنى بكلمات السؤال المتكرر تتأرجح من أعلى قمة برج إيفل (هل يستحق؟)، نجم السامبا البرازيلية أحد أفذاذ هذا العصر دون شك، ولكنه لم يحظ يوما بلقب أفضل لاعبى العالم، المركزان الأول والثانى محجوزان منذ عدة سنوات لميسي ورونالدو، وباقى لاعبى العالم يتنافسون على المركز الثالث، فعلها البرازيلى عام 2015 حين ساهم في تحقيق الخماسية الكاتالونية فحل ثالثا، وحصد ذات المركز هذا العام أيضا.

نستطيع أن نقول أنه ثالث أفضل لاعب في العالم خلال السنوات الأخيرة، ولكن قيمته الفنية أو حتى التسويقية تساوى ما دفع من اجله؟ لا، حقيقة الأمر أن هذه الصفقة لم تكن مجرد صفقة كروية تم من خلالها انتقال لاعب من ناد إلى آخر، بل كانت حملة دعائية سياسية في ثوب كروى، ناصر الخليفى رئيس النادي الباريسى لا ينفق من جيبه الخاص، فما هو إلا واجهة لقوى قطر الناعمة، الدولة الخليجية الصغيرة منذ سنوات أرادت أن توسع نفوذها عن طريق قواها الناعمة وركزت على مجالى الإعلام والرياضة، أنشأت قنوات رياضية استطاعت أن تحتكر بث جميع البطولات الدولية والقارية الممكنة في مختلف اللعبات في الشرق الأوسط، كما استطاعت الفوز بتنظيم كأس العالم 2022، واشترى جهاز قطر للاستثمار – الذي يرأسه الأمير تميم بن حمد – نادي باريس سان جيرمان بالكامل عام 2012، بعد الحصار الذي فُرض على قطر في يونيو 2017 أرادت أن تروج لنفسها وتؤكد وجودها عن طريق زلزلة رياضية إعلامية فكانت الصفقة التي أبرمها (القطرى) ناصر الخليفى الذي يرأس النادي الذي يملكه جهاز (قطر) للاستثمار، وأعتقد أن الشرط الجزائي لو بلغ 300 مليون يورو لدفعه الخليفى، الأمر كان دعائيا أكثر من كونه صفقة كروية، وما يؤكد هذا الأمر الصفقة الثانية التي أبرمها الفريق الباريسى بالتعاقد مع مبابى على سبيل الإعارة مع الأحقية بالتعاقد الصيف المقبل في صفقة قيمتها 180 مليون يورو ثمنا للاعب الذي لم يتخط التاسعة عشر من عمره.

أكثر من 400 مليون يورو للتعاقد مع لاعبين اثنين فقط! هذا جنون، لا يمكن أن تكون هذه الصفقات صفقات كروية تم تقييمها فنيا أو حتى تسويقيا.

نادي برشلونة أدلى بدلوه في مزادات الجنون وإن لم يكسر رقما قياسيا عالميا، أراد أن يعوض غياب نيمار خاصة بعد زيادة الضغط من جماهير النادي على مسئوليه بعد الخسارة ذهابا وإيابا من الغريم المدريدى بخماسية، فكان الاختيار بين كوتينيهو نجم ليفربول وبين عثمان ديمبلى نجم دورتموند الصاعد، وبعد مغالاة نادي ليفربول ظفر مسئولى برشلونة بخدمات ديمبلى بصفقة شراء هى الأغلى في تاريخ برشلونة قوامها 105 مليون يورو بالإضافة إلى 40 مليون متغيرات ليصبح إجمالى الفقة 145 مليون يورو.

ونشير هنا إلى أمرين، مسئولو برشلونة لم يكونوا ليدفعوا هذا المبلغ لولا إتمام صفقة نيمار ولولا ضغط الجماهير الكاتالونية بسرعة إيجاد البديل، ومسئولو بروسيا دورتموند ما كانوا ليطالبوا بهذا المبلغ لولا أنهم يعلمون أن خزانة الكاتالان تملؤها ملايين صفقة نيمار.

حينما سُئل مورينيهو عن رأيه في سعر لاعبه بوجبا العام الماضى قال (إن المبلغ كبير جدًا، وأعتقد أن كرة القدم مجنونة وسوق الانتقالات أصبح أكثر جنونًا)، وأنهى مورينيو تصريحاته قائلًا (ما تظنه هذا الموسم جنونًا، قد تراه لا شيء بعد ثلاثة سنوات من الآن).

ولكن الاستثنائى لم يكن يتخيل أننا لن نحتاج إلى أن ننتظر ثلاث سنوات لكى نرى جنون صفقة بوجبا قد أصبح لا شيء قياسًا لصفقات أكثر جنونًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد