كما نعلم فإن المرتزقة لا يقاتلون لحماية أخلاقهم، ولا عقائدهم، ولا أديانهم، ولا أوطانهم، فما هو الدافع لقتال المرتزقة؟ ومن أين جاءت هذه الظاهرة؟

نجد أن دافع المرتزقة الوحيد للقيام بمثل هذه الأعمال هو كسب المال، وإرضاء أسيادهم، ومن يدفع أكثر فهو المثل الأعلى والأب الروحي لهم.

جاء هذه الظاهرة في البروتوكول الأول عام 1977 في اتفاقية جنيف الموقعة سنة 1949، ويعتبر هذا البروتوكول أول وثائق القانون الدولي الإنساني التي عرفت المرتزقة.

المرتزق

هو شخص يجند محليًا أو في الخارج ليقاتل بنزاع مسلح، ويشارك في الأعمال العدائية لتحقيق مكسب شخصي، وهو ليس من رعايا أطراف النزاع، ولا مواطنًا بإقليم يسيطرون عليه، ولا عضوًا في القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، ولا موفدًا رسميًا من دولة ليست طرفًا في النزاع كعضو بقواتها المسلحة.

والمرتزق كل شخص يقوم بأي عمل بمقابل مادي، بغض النظر عن نوعية العمل أو الهدف منه، وغالبًا يطلق الاسم على من يخدم في القوات المسلحة لبلد أجنبي من أجل المال، وفي بعض الأحيان ينقلب المرتزقة على أسيادهم طمعًا في الدولة، ويسيطرون عليها، أو هو كل شخص يستهدف النفع الشخصي عن طريق العمل المسلح، سواء كان منفردًا أو مع جماعة منظمة، ويشارك فعلًا ومباشرة في الأعمال العدائية في مجتمع كثرت فيه النزاعات المسلحة لصالح أحد أطراف النزاع، بقصد قلب موازين القوى في ساحات ميدان القتال.

ومن أشهر الشخصيات التي لعبت ظاهرة الارتزاق شخصية بوب دينار يعتبر من اشهر المرتزقة في العالم، وشارك في عدة انقلابات في أفريقيا واليمن، كما طلبت منه بعض الدول كفرنسا عام 1977 الإطاحة برئيس جزر القمر، ففعل ذلك، وأطاح بالرئيس الذي جاء بعده.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 تم إنهاء الصراء الليبي بـ10 سنوات من اندلاع ثورة 2011 التي أطاحت بمعمر القذافي، والذي لعبت فيه المرتزقة دورًا بارزًا، وتم تحديد مصيرهم.

وصدر تقرير لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة يجرم الأعمال التي تقوم بها المرتزقة من تخريب، ودمار، وسرقة، والخوض في المعارك، كما حصل في حكومة الوفاق وقوات خليفه حفتر.

وظاهرة الارتزاق قديمة جدًا في الحروب والمرتزقة في قديم الزمان يعرفون بالمهمشين من البشر، سواء كانوا فقراء، أو محاربين نظاميين مسرحين من الخدمة العسكرية، فكان همهم الأساسي إرضاء من يؤجرهم، وشيمتهم البطش لأنهم لا يتمتعون بأخلاق المقاتلين، ولا يملكون تكتيك القتال، ولا يقاتلون دفاعًا عن وطن أو قضية.

تاريخ وجود المرتزقة

تاريخ وجود المرتزقة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصر القديمة، ويعود ذلك لعام 2500 ق.م تقريبًا، وفي هذا العام أطلق على المرتزقة اسم هابيرو، وهو مشتق من اللغة الأكادية، ويعني النهب والسرقة.

وكان المرتزقة في هذا العام مجموعة من الآسيويين يتجولون في بلاد الشام بحثًا عن الرزق في أي مصلحة، وعرفهم الرومان، والفرس، والقرطاجيون، والبيزنطيون، وعرفتهم أوروبا أيضًا، واستخدم منهم الآلاف لشن الحملات الصليبية، واستعانت بهم فرنسا لاحتلال الجزائر سنة 1830.

في زمننا هذا لم يعد تجنيد المرتزقة قاصرًا على الدول والقادة العسكريين الرسميين فقط، لكن تحول الأمر إلى بيزنس تديره شركات خاصة، وتم استخدامهم بكثرة في بعض الدول العربية من مختلف الجنسيات نظرًا للحروب الدائرة في المنطقة، وخصوصًا في سوريا وليبيا.

ختامًا: إن طينة المرتزقة طينة برجماتية في المقام الأول، ولا يهمهم الوطن، ولا الدين، ولا الجنسية، ويخضعون فقط للمصلحة، وكسب المال، ويجب علينا وعلى الدول بصفة خاصة أخذ الحيطة والحذر من هذه الظاهرة والمرتزقة، لا ينطبق عليهم وصف المقاتلين القانونيين، ولا يتمتعون بأي امتيازات حال وقوعهم في قبضة خصمهم، وكما نعلم فإن الاتفاقيات الدولية تحظر كافة صور المرتزقة، سواء بالتدريب، أو الاستخدام، أو الجلب، وتعتبره عملًا غير مشروع طبقًا للقانون الدولي مهما كان الهدف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد